اما نكسة أو انتصار

بعد يوم، أو ربما ساعات قليلة، ستتخطى الحالات ومع بالغ الأسى ألفي حالة، في البداية دعوني أنعى الموتي والملكومين وأقدم التعازي لذويهم من كل قلبي، وكنت أتمنى ألا أرى اللحظة التي ننتظر فيها كل يوم عدد المصابين، وعدد الضحايا وكنت أتمني من كل قلبي أن تمر الأزمة بسلام، وأن نبقى كما أعتدنا على قلب رجل واحد، ولكن الخبر الجيد رغم كل شيء، أن نسبة الشفاء مرتفعة، ولكني لا أراه جيدًا بالقدر الكافي، ربما لو كانت تمت محاصرة المرض من البداية لكان أفضل، وعلينا أن نعي جيدًا أن تفاقم الأمر لم يكن في مصر فقط، ولكن في أغلب الدول العربية وفي العالم، لم يتفاقم الأمر فقط، ولكنه تحول لكارثة إنسانية.

وأعلم أن هناك دعوات عدة ليتحول الأمر إلى كارثة، بدأت بالتظاهرات التي خرجت في الإسكندرية، وامتد الأمر لإقامة أفراح، والخروج إلى الأماكن التجارية، وهناك أمور ربما يجب أن نلتمس فيها العذر، مثل التكدس في المواصلات العامة لاضطرار الأغلبية الذهاب إلى العمل، وهؤلاء لا يمكن أن نلقي عليهم باللوم في كل حال من الأحوال، والمسئول هنا هي الدولة، والتي يجب أن تتعامل بكل حزم مع القطاع الخاص، ولكن كل الحالات الأخرى التي تحدثت عنها سابقًا أود أن أوجه إليهم سؤالًا واحدًا:

من منكم يرضى أن يدفن ذويه دون جنازة ولا عزاء؟ من منكم يرضى يا سادة أن يقتل أحد أقرب أقاربه إليه وهو لا يدري؟ أعلم أن الكثير مطمئن لأن الأمر في أغلبه ينحصر في الفئات العمرية الكبرى، ولكن عليكم أن تخشوا الأمر منذ تلك اللحظة لأنكم ربما قتلتم، عن دون عمد، آباءكم أو أمهاتكم، وصدقوني لن تسامحوا أنفسكم ما دمتم على قيد الحياة.

والساده الذين وقفوا يهتفون عند عودتهم إلى المطار وكأن الهمجية أبت أن تتركهم، كيف لكم أن تنظروا في وجوه أبنائكم وأنتم كنتم تريدون بأي طريقة أن تدخلوا دون حجر أو فحص، وكأنكم تريدون بشتى الطرق أن تنقلوا العدوى لذويكم، ولن أتحدث عن حقارة من حول المرض، وما زال يحاول تحويله، إلى حرب بيولوجية.

ودائمًا ما أفضل أن أتحدث إلى الشعوب لا الأنظمة الحاكمة، وكلمتي الآن هي لكل الأخوة العرب لا تشمل المصريين فقط، نحن لسنا في قطيع يا سادة ولا ننتظر الراعي أن يوجهنا إلى ما  هو صواب وما هو خطأ، أو يجمعنا في بيوتنا بعصا السلطة.

نحن كنا وما زلنا أكبر من ذلك، ونحن قادرون بعد كل ما مررنا به أن نتجاوز تلك الأزمة، بحرصنا على أنفسنا وعلى أبنائنا وعلى آبائنا، ومن منكم يرى أن أبناءه أو آباءه بلا ثمن فليضحي بهم هو، ولن نحزن عليهم للحظة واحدة، ولكنكم ربما لا تتخيلون كم الألم لمريض تأكد من الإصابة، ولا تعلمون حجم المصيبة التي تقع على بيت من جراء حالة وفاة واحدة، ولا أتحدث وأكرر مرارًا وتكرارًا إلا لشيء واحد، أن نعلي قيمة الإنسانية ولو لمرة واحدة، لذلك أريد أن أريكم الصورة كاملة لعل التذكرة تفيد أحدكم.

ومع كل هذا لا أنكر أن الأمر بحاجة إلى إجراءات استثنائية، مهما كان رجال الأعمال يرغبون عكس ذلك، فعلى الدول والحكومات أن تتخذ كل الإجراءات اللازمة لعدم تفاقم الأزمة، وأن تعي أن الثروة البشرية لا تعوض، وفي حقيقة الأمر أن كلما تفاقمت الأزمة أكثر ستصبح الفاتورة أغلى، وسنجبر جميعًا على دفعها، أتمنى من كل قلبي ولو لمرة واحدة أن تمر الأزمة دون أن نقع في كارثة، وأعتقد أن لا أحد منا يريد أن تنتهي الأزمة في الغرب لتهاجر بعد ذلك إلى دول العرب، وعلينا أن نعي ونعترف بأن الإمكانيات لدينا لم ولن تصبح مثل الدول الكبرى بأي حال من الأحوال، فالاختيار الآن لا يحتاج إلى نقاش أو حتى إلى إقناع، ابقوا في بيوتكم أو موتوا دون حزن ولا عزاء، ولكننا رغم كل شيء لن نستطيع أن نمنع قلوبنا، من أن تدمى مع سقوط كل شهيد للمرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد