يكتشف الإنسان فجأة هشاشته وينزل من برجه ليصطدم بواقعه الجديد، ثم تتهاوى جميع رموز العصر الحديث المدينة، والعمل، والطائرة…

حتى نظام الحياة الاقتصادية والتراتبية المهنية، تتساوى ليصبح الكل من رب العمل حتى أصغر موظف في توقف تام. لا شيء يقف في وجه طموح الإنسان وجشعه سوى الخوف الذي يعيد تشكيل الحياة الاجتماعية نحو انعزالية أكبر، وربما تضامن أكبر وسنعود لمسألة التضامن، ومن المفارقات العجيبة أن المجتمع خاصة الغربي ليس اجتماعيًا، لكنه مع الفيروس ينتبه لعزلته التي غطى عليها صخب الحياة اليومية.

كورونا فيروس شل أنماط الحياة وجعلها تتحول من أنماط منفتحة إلى شيء شبيه بنظام الرقابة الصيني، الذي أصبح يسوق باعتباره نظامًا جديدًا بعدما طالته الانتقادات في السابق، المثير أنه مع الأوبئة يرجع النظام العالمي لفردانية جديدة لا تسعى لتذويب الفرد في نظامها الاستهلاكي المتوقف حاليًا، بل عزله في محيط معين وتقسيم الأفراد عكس التقسيم القديم (فئات مستهلكة وشرائح عمرية معينة) إلى مصابين وغير مصابين.

نقطة أخرى هي أن العالم لم يكن جنة قبل تفشي الوباء، بل كانت الحروب سواء العسكرية أو الاقتصادية في ذروتها، وهذا يعود بنا للوهم الذي تخلقه الحدود والمسافة الجغرافية البعيدة، لكن الكائنات المجهرية ينتفي معها هذا المعطى لسرعة انتشارها. هذا يقودنا لما قبل تفشي الفيروس، وهي الظاهرة الشعبوية المعادية للهجرة والتي جاء كورونا ليحقق أحلامها بغلق الحدود والرقابة الصارمة على الوافدين، وقد بادر الرئيس المجري لاستعمال هذا المعطى بقوله «المهاجرون سبب الفيروس».

كل هاته المعطيات تجعل من كورونا فيروسًا يحمل في طياته كل متغيرات العالم الحديث: من جهة الشعبوية ومن جهة أخرى الفردانية المتوحشة والعزل الاجتماعي المتفشي بطرق أخرى ما قبل الفيروس مع بروز الانسان الافتراضي، إضافة لعالم الإعلام والميديا الذي برز من جديد كموجه حاسم في أي حدث يستطيع تضخيمه والتحكم فيه، نقطة أخرى هي عودة سيطرة الدولة بحمولة بيروقراطية ومركزية لتسحب البساط من الشركات العملاقة وتصبح صاحبة القرار والمعلومة.

هذا بالإضافة إلى رمزية أن يتفشى الفيروس في أوروبا عاصمة الأنوار والحضارة، والتي تعاني من مشاكل عديدة اليوم، الهجرة، خروج بريطانيا، النقاش حول الاتحاد الأوروبي، الشعبوية… هذا دون نسيان الركوض الاقتصادي الذي كانت عوامله موجودة من قبل، ثم الدلالة الكبرى لتفشي الفيروس في الدول المتقدمة وليس دول الهامش، دون إغفال الإشكال البيئي خاصة إذا ما ثبث أن الفيروس قادم من استهلاك مباشر للحيوانات مما يعيد سؤال مركزية الإنسان في النظام الاستهلاكي.

وكأن هاته المعطيات الموجودة سلفًا تبرز مع الكوارث، وتظهر الحقيقة التي كانت مستترة تحت غطاء الحياة الاجتماعية المتعددة المشارب، وتبدو كل المفاهيم المعاصرة زائفة، ويكفي فيروس مجهري لدحضها وتحوليها لنقيضها.

الوباء العالمي مثلما أنتج حالة هلع وخوف قد تعطي ردود فعل أنانية، قد ينتج حالة تضامن وتطوع، حيث تبرز الإنسانية من جديد والقيم الأخلاقية، وهو ما رأيناه في إيطاليا من عزف للموسيقى من شرفات المنازل.

سؤال ما بعد كورونا يبدو محيرًا، هل سيتجه العالم نحو الانغلاق خوفًا من فيروسات جديدة؟ أم تعزيز منظومة الصحة العالمية لعدم تكرار تفشي الأوبئة؟ إضافة لنظرية العلاج بصدمة، حيث يرى العديد أن النظام العالمي في مرحلة إعادة تشكل ويحتاج لصدمات تهدم بنى قديمة لصالح أخرى جديدة. ويبقى الأكيد أن ما بعد كورونا ليس كما قبله، ولطالما علمنا التاريخ أن الصدمات والأزمات والحروب تنتج عالما جديدا لأن أكثر ما يخشاه النظام العالمي وبتعبير جون بودريارهو النزول من «ما فوق الواقع» والاصطدام بالواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد