الإعلام غيّر وجهة الفيروس

تتلوّن صورة الإنسان بين لحظة وأخرى، بل من دقيقة إلى أخرى، وهذا التلوّن لم يكن يومًا تلقائيًا أو عيبًا خلقيًا، بل لأن وجوهنا، وحواسنا، وأفكارنا، وتأويلاتنا، ونظرتنا للحياة هي مجرّد إسقاطات فرضها علينا مقدّم الأخبار في التلفزيون، أو ما قرأناه على «فيسبوك». ملامحنا وتصرفاتنا لم تعد ملكنا، ولم نعد أحرارًا في العيش، بل أصبحنا مجرّد انعكاسات فكرية لتوجهات تحريرية لقنوات تشتري الذكاء بالغباء، وتشتري المضحك بالمفزع، وتمهل ما تريد نشره، وتهمل ما لا تريد نشره.

اليوم يعيش العالم تحت رعب «كورونا». فيروس أخاف الكبير والصغير، وأدّى إلى حجر العالم، فدخلت الشعوب في الانعزال، وفي تقديس العزلة، ووسيلة ترفيهها الوحيدة التلفزيون أو شبكات الاتصال الاجتماعي.

السؤال المرعب والمطروح: هل التلفاز أو «فيسبوك» وسيلتا ترفيه ووسيلتا إعلام؟ للإجابة عن السؤال علينا النظر إلى حالة الهلع والخوف في حضرة «كورونا»، فذكرها أصبح شبيه بذكر الشيطان، ولكن سياسات الانعزال والنظافة لم تأت من فراغ، فتركيز وسائل الإعلام على عدد الوفيات المتجاوز لـ6 آلاف أصبح أهمّ من عدد المتعافين من الفيروس. يستغل الإعلام الكوارث الإنسانية ليقدّم الخبر المهم على حساب الخبر الأهم؛ ففي كل لحظة تفتح وسيلة إعلام تصاب بوابل من المعلومات المخيفة والمتكررة، وتصيبك رسائل الحكومات «بتوديع أحبائكم» و«الخوف على مستقبل العالم» و«مستقبل أبنائكم وزوجاتكم».

 تنتقل كلمات السياسيين إلى علامات سماوية غيبية تعادي ما نعيشه من تسلط الليبرالية على الفقراء والمهمشين؛ فهدف المرض هو حكمة إلهية أولها تشبيب المجتمعات، وثانيًا غضب الرب من الإنسان، وقد يكون هذا الوباء سببًا في انقراض الإنسان، مثل الديناصورات، وأيضًا يطلب منا الرب العودة إلى الدين والابتعاد عن الحياة المادية، لذلك يطلب منا الإعلام المكوث في المنازل والاستمرار في الدعاء من أجل أن ينقذنا الإله، فهذه الرسالة هي رسالة ربانية أرادت إيقاف الحروب والظلمات والمآسي التي تعيشها الإنسانية.

فجأة تتغير الصورة لتجد برنامجًا صحيًا يتحدث عن «كورونا» أسبابها وطرق الوقاية، ثم تفتح قناة رياضية فتجد برنامجًا يتحدث عن إصابة عدد من لاعبي الدوري الإيطالي بـ«كورونا» وتداعيات إيقاف الدوريات على الكرة العالمية. قنوات الأخبار كلها إحصاءات وارتفاع للضحايا وللمصابين والأخبار العاجلة تأتي في كل لحظة تغافلت عن الحروب في العالم، وعن الأزمات السياسية والاقتصادية، وعن مشاكل الشرق الأوسط، وعن الصراعات النووية، وعن المجاعة في اليمن، وتنزل راكعة ساجدة أمام عظمة «كورونا» التي لا تشكل خطرًا أكثر من الإنفلونزا الموسمية.

كل القنوات تتحدث عن الفيروس وتاريخه من وجهة نظرها، ومن الزاوية التي تتماشى وخطها التحريري والمالي، ولكن يظن الناس أن وسائل الإعلام تدعوه للوقاية، وهذا الظن في محلّه، ولكنه منقوص؛ فالإعلام سبب الذعر والخوف للناس، بالرغم من حمله لمضامين إعلامية تهدف إلى عدم الخوف، لكن الصورة انقلبت، وحارس البوابة يعطي أخباره كطبق ملغّم، وفيروس «كورونا» أصبح يعيش من الإعلام، ويقتات من الذعر والأخبار الزائفة التي بدأت بشكل أو بآخر، برزت لنا الصورة الوحشية والهمجية للإنسانية، خصوصًا في فترات الأزمات.

الضعف سمة إنسان القرن الحادي والعشرين؛ لأنه يمتاز بفقدانه لهوية فكرية واضحة، فيروس شلّ العالم فجأة، وأرهب الناس أكثر من الإرهاب؛ فالصورة التي نراها تذكرنا بقصص «الأبوكليبس» ونهاية العالم، ولكن هذه القصص المرعبة أدخلها الإعلام إلى لا وعينا؛ لأنه قدّم لنا أنصاف الحقائق، فقام بإرسال الأفكار، وعوضًا عن أن يزيح الجهل، ألبس عقولنا كمامات لنكون في حجر صحي وذهني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد