أدى الانتشار السريع لفيروس «كورونا» المستجد إلى حالة من الهلع على الصعيد العالمي؛ وهذا لأنه يهدد بشكل كبير صحة الأفراد والمجتمعات انطلاقًا من خاصية العدوى السريعة التي تميزه، ولأن الحدود الجغرافية للدول لم تعد عائقًا أمام انتشار وتفشّي هذا النمط من التهديدات الذي يمس الأمن الصحي العالمي. هذا بعيدًا عن منظار التآمر الذي يظل واردًا أيضًا، بالنظر إلى بعض التحليلات التي ترجّح فكرة تورّط الولايات المتحدة الأمريكية في إغراق الصين بهذا الوباء، خاصة أن الصين اليوم قوة اقتصادية عالمية، تتغلغل باستمرار في مختلف مناطق العالم الإستراتيجية اقتصاديًا، ثقافيًا ودبلوماسيًا؛ مما يجعل الأمر في صالح القوى الكبرى المنافسة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

إن الانتشار السريع لهذا الوباء يطرح إشكالات عديدة على صعيد الأمن الصحي من جهة، وعلى صعيد العلاقات الدولية من جهة ثانية، خاصة أن الدول تسير في الوقت الراهن شيئًا فشيئًا نحو العزلة بغلق حدودها البرية، وتعليق رحلاتها البحرية والجوية، بصورة تعكس توجهها نحو الاعتماد على الذات في التعاطي مع هذه الأزمة الصحية العالمية.

إشكالية الأمن الصحي

من المعلوم لدى الباحث في الشأن الأمني والإستراتيجي أن مفهوم الأمن قد تطور لتَخرج الظاهرة الأمنية بذلك من الحيز الضيق الذي يحصرها في أمن الدولة والقطاعات العسكرية التقليدية، وليشمل المفهوم أمن الدولة والمجتمع والفرد من خلال أبعاد متنوعة. يعد الأمن الصحي من مؤشرات الأمن الاجتماعي العام، ويمكن تعريفه بأنه «ضمان الحد الأدنى من الحماية والرعاية الصحية من الأمراض والوقاية منها»، وهو بعد أساسي من أبعاد الأمن الإنساني كما جاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 1994. والظاهر اليوم أن العولمة قد تخطّت كل الحدود من خلال تداعياتها السلبية على جميع الأصعدة بما فيها الجانب الصحي للفرد، بحيث صرنا نشهد عولمة للمشكلات والتهديدات أكثر فأكثر وبصورة متنامية في الخطر، حتى أصبح هدف العيش والبقاء في مقدمة هرم أولويات الشعوب. وفي ظل الهاجس الذي شكّله وباء «كورونا» المستجد، باتت إشكالية الأمن الصحي في ظل العولمة في حاجة إلى تحليل معمّق لإعادة النظر في سياسات الحكومات في التعاطي مع ملف الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض والأوبئة، خاصة في الدول الأقل تطورًا والتي تشهد تدهورًا في الوضع الصحي العام.

      الأمن الصحي ومنظومة العلاقات الدولية

يمكن القول مبدئيًا إن فيروس «كورونا» المستجد، وانطلاقًا من معطيات الواقع، قد يصبح محطة فاصلة لإعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية وهذا مع أخذ النقاط الآتية بعين الاعتبار:

فرضت العولمة خلال ربع قرن تقريبا فكرة تلاشي الحدود الوطنية فكانت بمثابة «إعلان لنهاية سيادة الدولة، ولنهاية الحدود»، مقابل الاندماج العالمي في قالب اقتصادي وسياسي وثقافي يعكس تبعية المحيط للمركز المهيمن. وقد أفرزت العولمة تداعيات سلبية على الدول والمجتمعات، ومع انتشار هذا الوباء عادت فكرة ترسيخ الحدود والاعتماد على الذات كإجراء ضروري لمواجهة هذا التهديد الصحي.

تراجُع فكرة الاندماج وحرية تنقل الأشخاص بالنسبة لتكتلات إقليمية كالاتحاد الأوروبي، وبالتالي تراجُع فكرة سيادات الدول التي تذوب في سيادة التنظيم، بحيث تظل الدولة تحتفظ بحقها في اتخاذ قرارات مصيرية تخص أمن مواطنيها.

تطرح إشكالية الأمن الصحي نتيجة هذا الوباء مرة أخرى دور عامل القوة التكنولوجية وقوة المعرفة في مواجهة التهديدات غير التقليدية التي تمس البيئة والصحة وغيرَهما، بحيث إن هذا العامل يطرح نفسه بشدة في الوقت الراهن كخيار حتمي للبقاء وفرض الذات في إطار منظومة العلاقات الدولية.

التراجع المستمر لفكرة الحرب بالمفهوم التقليدي بالنسبة للقوى الكبرى والفواعل الإقليمية، وفي المقابل الاهتمام بصورة كبيرة وجادة بالبحث العلمي في مجال الأمن الصحي، وتفعيل دور مراكز البحث بالنسبة لدول العالم الثالث.

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تطوير لقاح مضاد لفيروس «كورونا» المستجد، وهذا قد يجعلها في موضع «المنقذ»، وهو ما يذكرنا بطرح «معضلة المهيمن» بحيث تتحمل القوة المهيمنة جزءا من خسائر النظام الدولي الذي تقوده في الأصل، وهو ما يسمح للقوة العالمية باستمرار هيمنتها. كما تسعى الصين إلى احتواء أكبر لانتشار الوباء داخل حدودها، وهي أيضًا تنافس الولايات المتحدة في مسألة إيجاد علاج له.

تلاشي بعض الظواهر الاجتماعية العابرة للحدود وذات الأبعاد الأمنية، وفي مقدمتها ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي بلغت مستويات مرتفعة جدًا خلال العقد الأخير تقريبًا، بحيث أن التهديد الصحي المرتبط بفيروس «كورونا» المستجد بات يؤثر في حركة تنقل الأفراد وتدفقات الهجرة الدولية بكافة أشكالها، وهذا في إطار الإجراءات الصارمة التي فُرضت على السفر الدولي.

هي مجموعة من الملامح التي تفرض نفسها بالتزامن مع الوضع الراهن، والتي تؤثر بشكل أو بآخر في منظومة العلاقات الدولية، هذا انطلاقًا من إعادة الاعتبار للأمن الصحي ضمن أولويات الدول وعلاقاتها البينية، وقد تكون تداعيات فيروس «كورونا» «كوفيد-19» مرحلة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية وإفراز نظام دولي جديد ما بعد العولمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد