المطارات فارغة، الشوارع خالية، المقاهي والفنادق، والحدائق والمؤسسات التعليمية، وحتى المساجد والكنائس تغلق أبوابها، المدن تشتاق لسكانها، لا شيء يداعب الربيع، المدن نائمة في سبات عميق، إنها المدن والتي تبدو كالمهجورة في عصر كورونا، هكذا كانت مدينة ووهان الصينية، تبعتها مرغمةً مدن عديدة حول العالم لتطويق الأزمة وفق منطق الوقاية خير من قنطار علاج.

فيروس كورونا أو كوفيد-19، والمصنف من قبل منظمة الصحة العالمية بأنه «وباء عالمي»، والذي بدأ انتشاره في مدينة ووهان الصينية، والتي تقع شرق الصين الأوسط على نهر يانغتسي، بالنصف الشرقي من الكرة الأرضية، ليمتد شيئًا فشيئًا ليضرب العديد من الدول في أوروبا، والشرق الأوسط، والأمريكتين.

هذا الفيروس والذي امتد في البداية على استحياء، تاركًا الباب مواربًا أمام الحكومات لتتدارك الأزمة وتداعياته، من خلال سلسلة إجراءات لتطويق الأزمة في ظل بيئة سريعة التغير، عالية المرونة، بالغة الأثر.

الأثر الذي يعمق الأزمة الصحية في شكلها العام، ولكنها تمتد إلى كافة مناحي الحياة؛ فهي كالقنابل الانشطارية، تخلق أزمات اجتماعية، وتعليمية، واقتصادية تهوي بأي دولة إلى حالة الشلل الكامل، ومن ثم الانحدار للأسفل، يقول جيمس كولومبو، الباحث الاقتصادي في مجلة فوربس الاقتصادية الأمريكية لبي بي سي: «تداعيات فيروس كورونا هي الأخطر حاليًا؛ لأنها ستمتد إلى جميع مناحي الحياة، وخاصة الاقتصاد. وهناك بوادر أزمة اقتصادية عالمية بسبب تباطؤ الإنتاج في عدة دول وتعطل بعض مناحي الحياة».

إن المنفذ الوحيد للحد من تدهور الأزمة وتجنب تداعيتها، هو سرعة تطبيق الإجراءات الكفيلة للحفاظ على الصحة العامة من انتشار الفيروس، هذه الإجراءات والتي شملت في العديد من البلدان، الإغلاق وتجهيز المستلزمات والكوادر الطبية بشكل سريع، وتطبيق الحجر الصحي الصارم، قد تكون هذه الإجراءات الأكثر فاعلية لاحتواء الأزمة، والحد من انتشار الفيروس في الوقت الراهن.

الحجر الصحي، والذي يعد استحقاقًا مجتمعيًّا للمصابين أو المشتبه بهم، أو كافة أفراد المجتمع في حال الانتشار الواسع للفيروس، ذلك لا يقبل التداول ولا يحتمل التأويل ولا التأجيل، ومن يدعي ممن ذكروا أنه لا يستطيع الالتزام بالحجر الصحي في منزله لأسبوعين، فإنه بذلك لن يؤذي نفسه فقط، بل سيساهم بتفشي الفيروس في المجتمع، وما يترتب على ذلك من أضرار قد تكون ذات نتائج كارثية، وهنا وإن كانت الفكرة غير مرغوبة بالنسبة للبعض، ولكن أتمنى أن يتصور هؤلاء أنفسهم فيما لو كانوا يمكثون معتقلين في أحد السجون لعدد من السنوات، ربما هنا نكتشف المفارقة!

كلما طال الوقت سوف تتسع دائرة المصابين، فيما لو لم تكن هناك تجهيزات سريعة على صعيد المستلزمات والكوادر الطبية، بما يشكل حلقة تتكامل مع عملية بناء الوعي العام الوقائي، والذي يساهم في اتباع أساليب وقائية صحية، وتعزيز الحالة النفسية الإيجابية لدى المواطنين، لا سيما حالة الهلع، والتي ساهمت بها طبيعة الأزمة وعالميتها؛ فقد أصبح فيروس كورونا الشغل الشاغل حول العالم.

ومما لا شك فيه أن النفس البشرية تصاب بالهلع عند الجهل وعدم المعرفة وعدم إدراك طبيعة الشيء، وطبيعة الفيروس وحداثته، وعدم إيجاد أي علاج حاسم في الوقت الراهن، تسبب في زيادة المخاوف والهلع، رغم تطمينات منظمة الصحة العالمية بأن الإصابة بالفيروس لا تعني الوفاة، وأن خطر الوفاة يهدد فقط كبار السن المصابين بأمراض مزمنة، وأن الشفاء من الإصابة ممكن، مقارنةً مع فيروسات سابقة أكثر فتكًا تعرض لها الإنسان.

إن البيئة الخصبة في العصر الراهن، أفسحت المجال لنشر وتداول الأخبار المزيفة والمفبركة، والتي تناقض الواقع كبعض المعلومات، والتي يجرى تبادلها وترويجها على مواقع التواصل الاجتماعي، تسهم في نشر الرعب والفوبيا والخوف الهستيري بين أفراد المجتمع، مما يؤدي إلى العديد من التأثيرات السلبية والأضرار النفسية على الأفراد والمجتمعات، من خلال ضرب المناعة المجتمعية تجاه حالة معينة، كما يعد نشر الشائعات جريمة تهدد الأمن المجتمعي، فهي عملية معاكسة للجهود المبذولة لبناء الوعي ونشر الهدوء النفسي في المجتمعات حين وجود أزمات.

يقع على عاتق الحكومات في دول العالم أن تتخذ إجراءات سريعة فيما يتعلق بتوفير المستلزمات الصحية ومراكز الحجر الصحي، والتأهيل للكوادر الطبية والوقائية اللازمة لتوفير المتابعة السريعة لأي حالة من جانب، وتبني استراتيجية الوعي الوقائي، ومحاربة الشائعات بكافة أشكالها، إذ إن تلك الإجراءات يجب أن تستند إلى وعي مجتمعي وانضباط والتزام كامل بالتعليمات الصحية والوقائية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، أو جهات الاختصاص في الدولة، وألا يكون هناك استخفاف بأي إجراءات وقائية، وأن أي فعل خلاف ذلك يجب أن يكون منبوذًا مجتمعيًّا.

شملت الإجراءات التي اتخذتها السلطات الصينية للحد من تفشي فيروس كورونا، القيام بفرض الحجر الصحي الصارم على نحو ستين مليون شخص في مقاطعة هوبي، وتقييد حرية السفر لمئات الملايين من المواطنين والأجانب في الصين، وقامت بكامل أجهزتها بمواجهة هذا الفيروس، وتمكنت حتى الآن بالتسبب في انحسار تفشي الفيروس، حيث يتناقص عدد الإصابات يوميًّا، كما تمكنت من معالجة الآلاف ممن أصيبوا، كما أن إيطاليا أيضًا بدأت بتطبيق فرض الحجر المنزلي على حوالي ستين مليون مواطن احترازيًّا لمنع تفشي الفيروس بشكل أوسع.

فيروس كورونا لا يبدو أنه سينتهي بدون جهد عالمي لمكافحته، ولهذا كانت دعوة منظمة الصحة العالمية واضحة بأن العالم بأسره يجب أن يتحرك بجهود جماعية لمواجهة هذا الفيروس؛ من أجل احتواء الأزمة ومنع تفشيه، وتقليل الإصابات قدر الإمكان، المعطى الذي لا يقبل الشك في هذا السياق أن العالم بات قرية صغيرة في العصر الراهن، وبالمنطق ذاته هشًّا بعدم القدرة على احتواء انتشار الفيروس، والذي اخترق العالم دولة تلو الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد