نواجه عدوًا لا نراه، أصاب بالفعل مئات الآلاف وقتل الآلاف من البشر. أجبرنا على البقاء في منازلنا، وجعل مدنًا بأكملها خاوية على عروشها، لا نعرف عنه إلا القليل، لكننا كنا نتوقع قدومه دائمًا.

The Next big one تترجم هذه الكلمات بلغة علم الأوبئة بأنها الوباء الكبير التالي، ترقبه علماء البيولوجيا لعقود، وذلك منذ أول اكتشاف لوباء فيروسي خلال القرن العشرين. توقع العلماء دائمًا ظهور وباء كبير ينتشر في جميع أنحاء العالم، بعد إدراكهم خلال دراستهم لعقود من الزمن حتمية حصول جائحة فيروسية في المستقبل، وقد توصلوا الى ذلك بسبب عاملين اثنين لهما القدر ذاته من الأهمية.

الفيروسات ذات الأصل الحيواني المشترك

بتنا نعلم اليوم أن الانسان جزء من الطبيعة تنتشر الفيروسات في نوعنا كما تنتشر في باقي الأنواع كل نوع يحتفظ بعدة أنواع من الفيروسات الخاصة به يتأقلم معها ويتعرف عليها ولا تشكل خطرًا كبيرًا عليه، لكن يحدث أحيانًا نتيجة التطور وعوامل مساعدة أخرى أن يقفز فيروس ما من أحد الأنواع لآخر، وربما يصيب الإنسان.

يسمى هذا النوع من الأمراض بالأمراض الحيوانية المشتركة، فهو في أصله يعيش في الحيوانات أخرى قبل أن يصيب الإنسان. ونحن نعرف هذا النوع من الأوبئة جيدًا فقد ظهر عدة مرات خلال القرن الماضي بداية من فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، مرورًا بالإيبولا، وليس نهاية بالسارس، ويتوقع العلماء عودة هذا الفيض من المرض الحيواني المشترك مجددًا نتيجة عدة عوامل سنأتي على ذكرها لاحقًا.

فيروسات غير ثابتة

لنكتشف العامل الأخر سنضطر للمجازفة والدخول الى جسم الفيروس، لكن لا تقلقوا هذه الرحلة آمنة تمامًا.

أولًا لنتفق على شيء، إن الفيروس لا يمتلك طريقة تكاثر خاصة به، إنه كائن شبه حي يتطفل على الخلايا البشرية ويجبرها على أن تصنع نسخًا منه. الفيروس هو نبأ سيئ مغلف بالبروتين، ولو أننا أردنا وصفًا دقيقًا أكثر من وصف السير بيتر ميداوار، فسنقول إنه جسيم يتكون من غطاء بروتيني يحيط بمادته الوراثية، والتي عادة ما تكون مكونة إما من (آر إن إيه) أو (دي إن إيه) ويطلق على التركيب بأكمله «فيريون».

الفيروسات المكونة من (آر إن إيه) هي النوع الذي جعل العلماء شبه متأكدين من خروج وباء كبير في المستقبل، وسنعرف تاليًا سبب تأكدهم هذا.

كما تحدثنا سابقًا تكثر الفيروسات داخل الأنواع الحية، لكنها لا تمتلك القدرة على الانتقال إلى الإنسان، إلا إذا حدثت طفرة من نوع ما خطأ أثناء التكاثر، أعطت الفيروس القدرة على الانتقال من نوع إلى آخر، نسمي هذه العملية بالطفرة، وهي – أرى أنكم خمنتم – نعم تكثر في الفيروسات التي تمتلك (آر إن إيه).

في هذا النوع، وحين يبدأ الفيروس بنسخ نفسه تحدث عمليات تطفر بشكل كبير، وكلما زادت نسبة الطفر في هذه العمليات ارتفعت نسبة تطور الفيروس، ومع عدد احتمالات كبير سيتطور الفيروس في النهاية ويتمكن من القفز إلى البشر.

وللأسف في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019 اجتمع هذان العاملان معًا، وربما عوامل أخرى لا نزال نجهلها، فانبثق فيروس حيواني مشترك من نوع آر إن إيه، وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات كان قد أصاب أكثر من نصف مليون ضحية مع معدل وفيات وصل إلى أكثر من 5 % في بعض الدول.

فيروس كورونا، (سارس- 2) خرج من القمقم، لكن يبقى السؤال هنا: هل للفيروس أية خطط، أو نوايا لقتلنا، أم نحن من هززنا القمقم وناديناه؟

الفيروسات ليست عدوًا يخطط

في الحقيقة لا، ليس للفيروسات أي نية قتلنا؛ فهي تمتلك مشاريع أخرى خاصة بها. تهدف معظم الفيروسات، أو على الأقل هذا ما نعرفه عنها، إلى أن تتكاثر وتبقى موجودة متفادية الانقراض.

لذلك فما يهمها فقط هو أن تتعلم كيف تدخل جسم أحد العوائل (في حالة الكورونا العائل المستهدف هو البشر ) كيف تخترق إحدى خلاياه وتتحكم بكل أجهزة وموارد هذ الخلية لتتمكن من نسخ نفسها، ثم الخروج من الخلية والعائل لتواصل العمل على العائل التالي.

هذه هي طريقة تفكير الفيروسات، أن تبحث دائمًا عن وجودها وانتشارها. فنادرًا ما يكترث فيروس ما إذا مات عائله أو بقي حيًا بعد أن يخرج منه، فالفيروس لا يكترث إن تدمر الجسر أم لا طالما أنه عبر عنه.

الفيروسات لا تخطط لإبادتنا. إنها فقط كائنات شبه حية تريد أن تحافظ على وجودها مثلنا تمامًا.

ما الذي حدث إذًا؟ من بدأ المعركة؟ وما هو مصيرنا؟

ماذا نتوقع أن يحدث عندما نهز شجرة؟ طبعًا تتساقط أوراقها، وربما بعض الحشرات والحيوانات عنها، وعلى المستوى الذري ربما تتساقط الفيروسات التي تسكنها.

نحن فعليًا لا نكف عن هز الأشجار أن كان بالمعنى الحرفي أو المجازي، وهذا ما فعلناه على مر قرون، لم تأت الفيروسات إلينا، نحن من ذهبنا إليها.

زاد عدد سكان البشرية اليوم إلى أكثر من سبع مليارات إنسان، ومن المتوقع أن نصل إلى 10 مليار قبل نهاية القرن الحالي إذا ما بقيت الأمور كما هي عليه.

نحن نعيش بكثافة عالية تغلغلنا وما زلنا نتغلغل في آخر الغابات العظمى على هذا الكوكب. وربما من هذا المنظور يكون أخطر وباء حدث فوق كوكب الأرض هو وباء نوع الهومو سابيانز.

نحن نتلف البنى الفيزيائية والإيكولوجية – أو البيئة الطبيعة للكائنات بمعنى آخر موطنها – داخل هذه الأماكن.

نحن نجبر الحيوانات البرية بأن تغير موطنها وتتجمع لتعيش بالقرب من مدننا وقرانا التي أنشأناها.

نحن هكذا نهز الأشجار بالمعنى المجازي، والمعنى الحرفي للكلمة، نقتل ونجز ونأكل الكثير من الحيوانات البرية.

نحن لا نتكاثر فقط، نحن نزيد من عدد حيواناتنا المدجنة بشكل كبير، ثم نأتي بها لترعى بالقرب من مواطن الخفافيش وغيرها.

نضع هذه الحيوانات في زرائب ضيقة تكثر فيها الجرذان، ويسهل فيها انتقال الفيروسات، تتشارك الحيوانات في هذه الظروف العديد من الجراثيم المعدية التي يمكن أن تتطور لتعدي الإنسان.

هذا العدد الهائل من الأجسام المنتشر في كل مناطق العالم في كل البيئات يشكل جائزة كبرى للفيروسات التي ربما تكمن في أحد الحيوانات منتظرة أن يلعب التطور لعبته لتقفز منها وتنتشر فينا نحن البشر أكبر نوع حي على وجه الكوكب.

ماذا نقول للانقراض إن أتى؟ لا ليس اليوم.

عادة ما تحدث زيادة متفجرة في وفرة نوع معين تحدث عبر فترة زمنية قصيرة نسبيًا، ثم بعدها ما الذي يحدث؟ يأتي وباء ممرض ويقضي عليها تمامًا. فهل نحن اليوم أمام تهديد بالانقراض؟

ربما لو ان وباء ما ضرب أحد الأنواع الحية غير البشر فإن الانقراض نتيجة محتملة لها، لكن في نوعنا فإن الأمر يتوقف على السلوك البشري.

إن جهودنا الفردي وفطنتنا الفردية واختيارنا الفردي قد تكون لها تأثيرات ضخمة في تجنب الكوارث التي يمكن بغير ذلك أن تكتسح الجماعة.

يمكن للفرد أن لا يسعل بدون تغطية فمه، ألا يركب الطائرة وهو يحس بالمرض، أن يلتزم منزله ليحد من انتشارالفيروس – طبعًا في حال حدوث وباء فيروسي – وكل تدبير نقوم به يعتمد على نوع الفيروس وطرق انتشاره.

أي شيء صغير ضئيل مما يفعله الناس سوف يؤدي إلى تخفيض معدلات العدوى بشكل كبير، ويجنبنا كارثة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى انقراض أنواع حية بأكملها.

يجب أن نتوقف عند هذه النقطة تحديدًا، الوباء قد وصل بالفعل فيروس كورونا لـ(سارس-2) تحول لجائحة عالمية، لا يوجد علاج يلوح بالأفق وربما يتأخر اللقاح لعدة أشهر ما يمكننا فعله اليوم ان نعتمد على المجهود الفردي لنقطع سلسلة انتشار الفيروس.

ولكن مهما كانت التدابير التي نتخذها للحد من انتشاره ينبغي أن نفهم الخطوط العريضة للموقف ينبغي أن نفهم أن هذه الأوبئة الحديثة للأمراض الحيوانية المشتركة الجديدة هي كلها جزء من نمط أكبر، وأن البشرية هي المسؤولة عن هذا النمط ينبغي أن نفهم ان هذه الأوبئة هي نتيجة أمور نفعلها نحن، وهي ليست شيئًا يحدث لنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد