يعيش العالم مند شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حالة من الهلع والخوف على تبعيات تسجيل أول حالة صابة بوباء كورونا الدولي (covid-19). حيث انطلقت أصداء هذا المرض من مدينة ووهان الصينية؛ ليصل بعد أربعة أشهر إلى جل دول العالم بعدد إصابات لحدود اليوم بلغت مليونًا و318 ألفًا و306 شخص. و72 ألف حالة وفاة على تراب أكثر من 142 دولة. لكن ما سبب انتشار هذا الوباء الذي بلغ مبلغ الجائحة البشرية بوقت قياسي حسب منظمة الصحة العالمية؟ حيث قال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس رئيس المنظمة حول تسمية الفيروس بهذه التسمية راجع لسببين: «سرعة تفشي العدوى واتساع نطاقها والقلق الشديد إزاء بعض الدول على مستوى الإدارة السياسية اللازمة للسيطرة على هذا التفشي» الفيروسي.

وهذا بالضبط ما يظهر جليًا عبر تجارب كل دول العالم بداية من الصين كنقطة بداية مرورًا بكل من إيطاليا، وإيران، البؤرتين السابقتين لفيروس كورونا المستجد، اللتين سرعان ما تنازلتا عن موقع الصدارة الدولي لصالح كل من أمريكا، وإسبانيا، بأعداد مهولة تجاوزت مئات الآلاف. وصولًا لباقي العالم من شمال أفريقيا، وسط أوروبا، والشرق الأوسط. لكن ما يهمنا الآن البؤر الكبرى.

بلغ عدد المصابين بالصين عدد 81 ألفًا و708 شخصًا، وأدى إلى تسجيل 3331 حالة وفاة أغلبها بمدينة ووهان البؤرة الأولى للمرض، لكن مع كل هذا في الأسابيع القليلة الماضية انخفض عدد الإصابات بشكل مطمئن حتى انعدم خبر الإصابات الجديدة خصوصًا المحلية، لتنتقل الصين إلى تشديد حالة التأهب في وجه الوافدين عليها من الخارج، وتجدر الإشارة إلى أن عدد المتعافين بالتجربة الصينية بلغ 77 ألفا و78.

لكن ما نراه بكل من أمريكا، وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا فعلًا لأمر جد مقلق إلى أبعد الحدود فقد بلغ عدد المصابين بأمريكا أكثر من 460 ألفًا، وهي الدولة التي سجلت أكبر عدد إصابات إلى يومنا هذا، أما من ناحية العدد الأكبر للوفيات فقد سجلت إيطاليا أكثر من 18 ألفًا و279 حالة وفاة من أصل 143 ألفًا و626 حالة إصابة مؤكدة. وباقي الدول التي ذكرناها سلفا تتقارب أرقمها لا تفصل بينها سوى بضع مئات أو عشرات.

واضح أننا نتحدث حول تجارب دول تبلغ مبلغًا مهمًا من التطور على جميع المستويات، ولم تنجح سوى واحدة منهم في الإحاطة بجوانب هذه الجائحة المهولة بعد خسائر بشرية ضخمة، والتزام شعبي منقطع النظير. هذا ما عجلت إليه باقي الدول غير أن الأمر كان قد خرج عن السيطرة نظرًا للاستهتار السياسي من ناحية، أو المصالح الاقتصادية من جهة أخرى. ففي أوج الأزمة كان الرئيس الأمريكي لا يكترث للأمر، وكانت الدوريات الكروية الكبرى بملاعبها الضخمة التي تفوق سعتها عشرات الآلاف، تحتضن الفيروس، وتمنحه الحضن الدافئ كي ينمو بشكل مريح.

يبدو بأن الدولة المغربية فطنت إلى أهمية التحرك السريع بعد تسجيل أول 10 إصابات داخل ترابها بهذا الوباء. فقامت بخطوات إجرائية وقائية نعرفها جميعًا، وتحيط بنا من كل جانب:

توقيف الدراسة.

الانتقال نحو التدريس عن بعد.

الحث على الجلوس بالمنزل والخروج إلا للضرورة.

إغلاق جميع دور العبادة.

إغلاق المقاهي المطاعم الحمامات.

إعلان حالة الطوارئ الصحية.

إنشاء صندوق خاص لمساعدة المتضررين من هذه الجائحة.

تكليف لجنة خاصة بتسييره وتوزيعه حسب الحاجة (لجنة اليقظة الاقتصادية).

انطلاق عملية الدعم المباشر.

– دمج الطب العسكري بالطب المدني.

– ارتداء الكمامات الطبية بشكل إجباري بالنسبة لكامل الشعب المغربي، وبثمن رمزي.

كلها إجراءات جد فعالة للحد من انتشار الفيروس وسط الشعب المغربي، شريطة الالتزام به. وهو الشرط الأساسي والوحيد الذي هنالك تضارب حوله وبدون تطبيقه حرفيا سيكون المغرب وبشكل رسمي البؤرة القادمة للمرض لا لشيء سوى لأن الأسرة الجاهزة لاستقبال المصابين لا تتجاوز 1600 سرير والمجهودات مستمرة من أجل الرفع من هذا العدد، حسب أحد منشورات السيد رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني بصفحته الرسمية على «فيسبوك» بوقت سابق.

فللعقل أن يتخيل إن تجاوز عدد المصابين عدد هذه الأسرة، خصوصًا وأننا تجاوزنا ألف إصابة في أقل من شهر. لذا فمن الجميل ملاحظة نوع من الوعي الإعلامي عبر القنوات الرسمية والمواقع الإخبارية، وكذا صفحات بعض المؤثرين الذين يتبعهم ملايين الناس؛ ما انعكس إيجابًا على جل الشعب المغربي، وأظهر تفاعله المسؤول مع حال وضعية البلاد من ناحية والعالم من ناحية أخرى. ليبقى الخوف الوحيد من أصحاب الأفكار الشاذة الذين لا يزالون يتجولون بين أزقة ودروب المدن المتحججون بقوله تعالى «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» التوبة 51. أقول: قال العلي: «ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» البقرة 195. وقال تعالى: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» المائدة 32.

هذا بالنسبة لمن يقتنع بالخطاب الديني. الذين قاموا بالخروج أفواجًا للدعاء بعد إعلان حالة الطوارئ الصحية بعدة مدن مغربية. أما أصحاب العقول الصماء والقلوب المتحجرة هل سيلين قلبهم ويتنور عقلهم عندما يصبح خبر الموت يطرق باب من يحب يا ترى؟ كل الحب والاحترام لمن يتمتع بحس إنساني ومقتنع به، ملتزم ويحارب من أجل من يحب. هي أزمة اجتاحت العالم كل يحصد نتائج ما زرعه في مواجهة الوباء الجائح (كوفيد-19)، الذي لا دواء له سوى بالوقاية.

جميع هؤلاء الأصناف البشرية التي تحدثنا عنها مجتمعة، تكون الشعب المغربي بمختلف تلويناته. ما يجعل من الصعب الوصول لأسباب مقنعة تجعل من أكثر من 22 ألف مغربي معاقَب نظرًا لاختراقه قانون حالة الطوارئ الصحية القصوى إلى حدود اليوم غير آبهين بالمعنى الحقيقي لمفاهيم حالة الطوارئ الصحية القصوى، الذي يعني بشكل مباشر مسألة حياة أو موت. لكن التاريخ لن يذكر سوى شعب عظيم انتصر بهمة كبرى على هذه الجائحة، كالشعب الصيني، أو آخر استخف فقتل، وقتل ولم يخلف بعده إلا الموت. هذا موقعنا كشعب مغربي، منزلة بين المنزلتين. والعبرة لمن اعتبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد