كورونا والعزل

في ظل الأزمة تأتي العبرة والفكرة، وينقلب العالم رأسًا على عقب، وكأنها لم تغن بالأمس لتصبح قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وكأن العالم تسوقه أياد خفية أرادت أن تفزعه من حيث كان مأمنه، وإنا لا ندري أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا.

عندما تكون نسبة تأثير المرض في البشرية لا يتخطى 2% من حيث عدد الوفيات، فهل من المنطق أن يتسارع العالم كله إلى هدم بنيانه من القواعد ليخر عليهم السقف من فوقهم؟!

أم أنه كان بنيانًا على شفا جرف هار فانهار بهم، حتى يتم تأسيس بنيان جديد على تقوى وهدى ورشاد، وأساس من العدل والحرية والكرامة؟! غرور الإنسانية بالمادية المطلقة وإعلانها أنهم يقدرون على كل شيء، ويتحكمون في كل شيء، وأن مفاتيح الكون أصبحت بأيديهم، ولا سلطان يعلو فوق إرادتهم، دفع بغيرهم في الجهة المقابلة من الشاطئ إلى إغراق السفينة أو خرقها، أو جرها في اتجاه آخر، أو تفكيك أجزائها وسرقة مفاتيحها لتعديل مسارها.

هدوء الجميع بعد صخب كبير وهزة عنيفة تعيد ترتيبات البيت من جديد، توقفت الطائرات والسيارات، وسكنت الأرض والسماوات، الجميع يعيد الحسابات ويعدل المسارات، لكن إنجرار العالم كله بتلك البساطة والاستسلام العجيب، والاستجابة لتلك الفزعة الإعلامية والتحركات السياسية بجهل وأنانية، ومطامع لدهس الإنسانية، في مقابل استعادة سيطرة المادية بشكل مختلف، يدعو أصحاب الرأي والفقه والعلم إلى الدخول في سباق ومواجهة مع المادية البغيضة، لتحديد المسار الصحيح الذي يجب أن يسلكه العالم، ابعيدً عن أطماع أصحاب الهوى والمصالح.

إن وقف الشعائر الدينية في العالم الإسلامي، والتحريض على غلق المساجد، والاستيلاء على المشاعر، ووقف الشعائر لهو استقطاب جديد ومحاربة جديدة من أنواع الحرب على الهوية.

تعظيم شعائر الله في وقت المحن والابتلاء هو أكبر مفاتيح زوال الكرب والبلاء. كنا نتعجب من إلحاح المصلحين، وإصرارهم على أن نحفظ الصفات العشرة للفرد المسلم:

صحيح العبادة، سليم العقيدة، قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، امنظمً في شؤونه،حريصًا على وقته، نافعًا لغيره، قادرًا على الكسب، مجاهدًا لنفسه، اعتمدت قوى الشر في تلك المعركة على غياب صفات كثيرة، من تلك الصفات نتج منها غياب فكري يستطيع أن يحرك الشعوب نحو التغيير والانتقال من حالة التبعية المفرطة والاستسلام، إلى حال اتخاذ القرار في كيفية الخروج من تلك التبعية والانسياق، وحالة الفزع المدمرة لكل النجاحات التي يسعى إليها الإنسان في عمارة الأرض.

مواجهة تلك الأزمة والحد من آثارها يتمثل في تلك الصفات العشرة، فلو اعتبرنا أن الفيروس يهاجم الإنسان ضعيف المناعة، فإنه يعتبر تقصيرًا كبيرًا في صفة من الصفات العشر، وهو صفة قوي الجسم، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وسلامة البدن قوام نهضة الإنسانية.

ولو افترضنا وقوع أشخاص في المرض جاءت صفة مثقف الفكر لوضع صياغة جديدة لعلاج ناجع وتشخيص سليم، دون إثارة الفزع أو الهلع الذي يؤدي إلى استنزاف وإضعاف قوة الشعوب، هناك قوى عالمية قوية جهَّلت الشعوب وأمرضتها وبعثت الضعف والهوان في أوصالها لتسهيل السيطرة عليها، ودفعها في المسار الذي تريده، نحن اليوم في مفترق طريق بين الجد والهزل، وبدلًا من أن نستسلم للعزل، علينا الأخذ بزمام المبادرة ومواجهة تلك الانهيارات المجتمعية، والأخلاقية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية، لتحديد مستقبلنا بأيدينا لا بيد غيرنا.

إن ما ستحدثه سياسة العزل من آثار على مستوى الفرد والمجتمع والعالم، سيكون مدمرًا وكارثيًّا، وسيكون ضرره أقرب إليه من نفعه، وستزول أمم بأسرها، وليس العزل علاجًا ناجعًا لجائحة أصابت العالم، العزل يعمل على إحداث ترهلات بدنية تصيب الفرد، وكساد اقتصادي وانغلاق مجتمعي يوقف مسيرة البشرية ويهيئ بيئة نفسية للانتحار في المجتمعات الغربية، ويخفض من مستوى الشعائر التعبدية لينتزع من داخلها الغذاء الروحي الذي بيعث في النفوس الرغبة في استمرار الحياة بتوازناتها. وإذا كان المؤمن القوي خيرًا وأحب إلى الله، فإن الشعوب القوية خير وأحب إلى الله أيضًا، ولربما يكون للحديث بقية حتى تكتمل الفكرة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد