الجزائر بين الرغبة في التغيير و كورونا

بنى أحد رجال المال والأعمال منزلًا لعائلته يحتوي على كل متطلبات الحياة، من حديقة ومسبح، وما إلى ذلك، لكن تفشي مرض بعائلته أهلك الجميع وهو معهم، ليبقى المنزل خاليًا على عروشه قبل أن يحوله جاره لإسطبل خيول.

اليوم يعيش العالم تحت صدمة تفشي وباء كورونا، وتقبع العديد من الدول في حجر صحي إكراهًا لا طوعًا، كإيطاليا، الصين، إيران وفرنسا، وفي خضم كل هذا يواصل الشعب الجزائري خروجه كل جمعة وثلاثاء للمطالبة بتغيير النظام، غير آبه البتة بتوصيات خبراء الصحة بضرورة البقاء بالبيوت مؤقتًا إلى حين السيطرة على هذا المرض، لكن التركيبة النفسية الجزائرية التي ترى الروح من الوطن وأن فقدان الروح في سبيل أخذ المطالب، سواء لتحرير وطن، أو للتحرر من كنف سلطة جائرة من المسلمات، تجعل رأي الخبراء مجرد كلام على ورق وصوتًا صامتًا على تلفاز ومذياع، لكن ما لا يعيه الشعب اليوم، أن الوطن هو عبارة عن رقعة تراب مثل المنزل الذي ذكرناه في مقدمة المقال، وأن زوال المواطنين بمرض يعني زوال الوطن بأكمله، فهناك عدد من المفكرين يرون أن الثورة ليست دائمًا سلاحًا وعنفًا، بل يمكن أن تكون سلمية سواء بطريقة سياسية، أو بمقاطعة اقتصادية، كما حدث في الهند مع المهاتما غاندي.

لماذا نموت من أجل الوطن، نحن الوطن، من بعدنا يبقى التراب والعفن، فالثورات دائمًا ما قام بها العظماء ليرث ما بعدها الجبناء، فقد استشهد شهداء الجزائر مليون ونصف المليون لتحريرنا من مستعمر فرنسي، ولكن جرى استعمارنا بعدها من كمشة جبناء عاثوا في الأرض فسادًا، فأهلكوا الحرث والنسل، ولم يعيروا أي اهتمام بالتضحيات الجسام التي تكبدها الشعب لتحرير أرضه.

لذلك شيء يجب أن نعلمه اليوم أننا بمواصلتنا الخروج للحراك كل جمعة، نحن ندفن أنفسنا قبل الأوان، ونرمي بأرواحنا للتهلكة وأرواح أبنائنا، فما كنا وما زلنا بصدد القيام به يرمي لبناء دولة وليس لإنهائها، فإيطاليا بدأت بثلاث حالات في مطلع فبراير قبل أن تصل للآلاف اليوم، وليست الجزائر في منأى عن هكذا سيناريو لا قدر الله، فدولتنا سوق استهلاكية تصلها البضائع من كل حدب وصوب، كما تمتلك جالية صينية وأوروبية كبيرة تعمل بأرضنا، زيادة على ذلك كم المغتربين القادمين من شتى بقاع المعمورة، دون نسيان أولئك الذين يبتغون السياحة في كل الظروف وزاروا بلدانًا كان الوباء فيها متفشيًا.

 والشيء الذي يجب ألا ننساه ونتغافل عنه، إن كانت أوروبا والصين في أزمة بعد أن أصابها الوباء، فسنكون نحن على مشارف الانقراض إن وصلنا بسبب المنظومة الصحية الضعيفة التي نملكها، كل هاته العوامل تجعلنا وجوبًا ملزمين بإيقاف الحراك مؤقتًا، ففي ظل وجود الرغبة في التغيير، للمحارب الحق في أخذ استراحة ظرفية، فقبل أيام رأيت الكويت ترفع أذان الصلاة ببيوتكم، ولكننا قبل أيام أقمنا صلاة الجمعة، وفي مسجد حينا كان المئات مصطفين متراصين لتأدية الصلاة، وكنت بينهم، فلم يدعني خاطري أن أرى الناس مقبلة للمساجد وأنا قابع أشاهد من شرفة منزلي، فإن ذهبوا جميعًا سأذهب أنا كذلك، وليكن ما يكون.

إن عقليتنا التي تتصف باللامبالاة وترك كل أمر للعلي القدير قد تودي بنا لما لا يحمد عقباه، فالحيطة والحذر واجبة، والإيمان بالقضاء والقدر أوجب، والنظام لن يخسر شيئًا بوفاة الآلاف، بل سيعطي نفسه الحق ويلصق بنا الباطل كما جرت العادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد