على مدار الخمسين سنة الماضية، زادت حالات تفشي الفيروسات القاتلة، وأصبح انتشارها سريعًا وكأننا في حرب بيولوجية، وأحدثها فيروس كورونا، الذي انتشر في الصين، وانتقل إلى عشرات الدول الأخرى، من بينها الجزائر، هذا الفيروس يكمن خطره في سرعة انتشاره، إمكانية مجابهته ضئيلة جدًّا في حالة الانتشار، فكلما ضعفت المنظومة الصحية زاد الخطر، فتزايد عدد المصابين هو ما يصعب مجابهته.

يتبادر إلى ذهن من يطلع على كيفية تعامل هذا الشعب مع الوباء بأنه شعب غير واعٍ وجاهل وأحمق، بسبب عدم اكتراث الشعب لخطورة الوضع، لكن قبل الحكم عليه يجب معرفة الفيروسات التي عاش معها هذا الشعب طيلة 35 سنة الأخيرة، التي جعلت منه لا يخشى الموت ولا يهتم بوباء.

فيروس الإرهاب أو الحرب الأهلية، عايش الشعب فيروس الإرهاب طيلة 10 سنوات أبيد فيها الشعب بطرق مروعة، ذبح وحرق وتنكيل، وكانت أحسن طريقة للموت في هذا العهد هي الموت بالرصاص، وهو موت رحيم مقارنة بالطرق الأخرى، وأغلقت على الشعب جميع منافذ الهروب، واضطر إلى مقاومته إلى أن يهلك أحد الطرفين، انتصر الشعب رغم أن الحرب الأهلية خلفت مئات آلاف الموتى والمفقودين، واليتامى والأرامل.

ومع نهاية فيروس الإرهاب مباشرة، تعرضت الجزائر لفيروس أقل دموية لكن أخطر بكثير وهو فيروس BOUTEF -400 وهو فيروس سياسي واقتصادي، اجتماعي استغل نهاية فيروس الإرهاب وسيطر على الوطن الجريح، واستطاع هذا الفيروس بتمديد دورة حياته إلى 20 سنة بسبب خوف الشعب من العودة إلى الإرهاب، واستغل رهاب الإرهاب الذي كان يعيشه الشعب بذكاء ومكر.

هذا الفيروس دورة حياته مرت بمراحل عدة أولها السيطرة الكلية على الساحة السياسية من 1999 إلى 2004، وقضى من خلالها على كل المقاومات إما بالترهيب وإما بالترغيب، فاشترى ذمم الكثير، ورهب الكثير وحوَّل الجزائر إلى طاولة شطرنج كبيرة، وسيطر وتحكم في كل القطع البيضاء والسوداء، بعدها مباشرة اتجه للسيطرة على الاقتصاد، فجوَّع الشعب وأغنى فئة فاسدة سيطرت على رقاب الجزائريين، وحولت ثروات الجزائر إلى الخارج، واعتمد على سياسة رمي جزء من الفتات العائد من البترول لشراء السلم الاجتماعي وعاش الشعب على سياسة بترول مقابل الغذاء.

فقد بدد هذا الفيروس حوالي 1500 مليار دولار، لم يبنِ في الجزائر مستشفى بمواصفات عالمية، لم يبن مصنعًا، لم تطور فلاحة ولا صناعة في عهده، فنحن نشحت من الغرب الطائرة، والسيارة، والصاروخ، ونشحت منه كذلك لقمة العيش؛ فنحن نستورد الكمبيوتر، والهاتف، واللباس، والقمح، والذرة، حتى الزراعة التي ظهرت في عصر الميزوبوتاميا لم نعد نجيدها، رغم أننا نعيش على رقعة مساحتها 2381741 كيلومتر مربع، إن اليأس الذي يعيشه الشعب، وفقدان الأمل جعله يفكر في عبور البحر المتوسط على ظهر قارب تقليدي، هذا الفيروس استطاع تحويل المتوسط إلى مقبرة جماعية لهاربين من بطشه، شعب فضَّل أن يأكله السمك بدل الدود، ورغم اليأس استطاع القيام بثورة دون دم، استطاع من خلالها القضاء على الفيروس BOUTEF -400، ولم يهنأ بالنصر، بل ما زال مستمرًا في نضاله، حتى ظهر فيروس كوفيد 19 .

من قاوم هذه الفيروسات الفتاكة سيخيفه أو يوقفه كورونا؟
نعم، يجب أن يخاف!

إن الوباء الذي تعرض له العالم وباء مجهول، يعني عدوًّا لا نراه وينتقل كالنار في الهشيم، ولا يمكن السيطرة عليه، ومنظومتنا الصحية ترقد في غرفة الإنعاش، إن التعامل مع الوباء أو الجائحة في الدول المتخلفة، أو الدول التي ضاعت، أو أضاعت طريق النمو، يمر بثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: عدد الحالات من 1 إلى 100 مصاب يكون بالحجر الصحي في أماكن يقرب تصنيفها للسجون، مع تقديم بعض الإسعافات الأولية ومحاولة علاج الحالات بالأدوية المتوفرة.
المرحلة الثانية: من 100 إلى 1000 مصاب تدخل عوامل أخرى، وهي الوساطة، واحتكار الأدوية، ووسائل الحماية البسيطة تختفي بعد ظهور تجار الموت، الذين يتحولون إلى أثرياء مباشرة بعد نهاية الأزمة، ويصبح المريض في رحلة بحث عن مكان للموت.
أما بعد الألف مصاب تبدأ المرحلة الثالثة، وهي المرحلة الأخطر، وهي المرحلة التي يتجرد فيها الجميع حتى من القيم الإنسانية، بعد الاستسلام وفقدان الأمل في مجابهة الفيروس، ويصبح الدواء الوحيد المتاح هو الموت الرحيم والدفن الجماعي.

إذا لم تستطع الدولة أو المنظومة الصحية توفير الحماية للشعب، يجب على الشعب أن يحمي نفسه بحجر صحي ذاتي، والابتعاد عن الأماكن الحيوية، وعدم تعريض الأهل والأصدقاء للخطر في حالة الشك بالإصابة، «عش اليوم لتقاتل غدًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد