كل ما تقدّم عن تصدر العلم بأزمة القرن، فسوف تعيد البشرية النظر فيما تعلمته، وكأنها لم تتعلم بيوم ما، ستصاغ كل نظريات ما تعلّمته البشرية في المائة عام المنصرمة، وما قبل ذلك، فالوباء لم يكن مفاجئًا وحسب، بل إنه شكّل صدمة لسكان الأرض بكل جوانب الحياة. كان الجميع واثقين بأن الحضارة التي صودف ومرّوا بها، هي من أوسع الحضارات وأجملها على الإطلاق، سُهّلت فيها سبل الحياة. الإنسان فيها أفضل حالًا على مر العصور، ليس بدائيًا يلبس الجلود الممزقة للحيوانات أو يحتطب من الغابات ويهيم صيّادًا، ولا همجيًا يشعر دومًا بالخطر فيهاجم ويقتل ويستبيح. البشرية على مر الأزمان انتقلت من حضارة إلى أخرى، ويبدو أن كل حضارة نهايتها ليست بالضرورة أن تكون بحربٍ هائلة، أو بقوة تسابقها ثم تغلبها. بل بصورة لم تكن في مُخيلة أيّ من مفكريها. نهاية الحضارات التقليدية والتي وثقها التاريخ كانت محاكاة لنوعية ونمط مسببات وجود تلك الحضارة نفسها. مما يجعلنا نعيد النظر بكل ما تعلمناه، وليس الأمر حتميًّا أن يعيد التاريخ نفسه وفي نسخة مطابقة لتعاقب البدايات والنهايات معًا.

وعلى سبيل المثال، لطالما شغل التلوّث بالَ العلماء، وحمّلوا بالطبع وزره على الحكومات التي لم تلتزم بالتوازن الطبيعي في سباقها الصناعي المؤذي، فأصدروا التقارير المكتوبة والمرئية، وعللوا أسباب الاحتباس الحراري، وذوبان الجليد، وكل التهديدات التي من شأنها تحطيم الكوكب. إلاّ أنّهم برغم أهمية ما نادوا به، لم يلقوا الجدية الحقيقية إزاء تقاريرهم. وبقي التلوث يحيط رئتي الإنسان والأرض على حدّ سواء. وظن الجميع بأنه لا جدوى من مؤتمرات المناخ لدول لا تحترم المناخ. وأكمل الدور في تلك الكوميديا السوداء قرار الرئيس الأمريكي ترامب بإبلاغ الأمم المتحدة بالانسحاب من معاهدة باريس للمناخ، بالرغم من الحجم الصناعي العظيم الذي تشغله الولايات المتحدة في العالم، والمؤثر طبعًا شأنه شأن الدول الصناعية الأخرى في المناخ. القرار كان عدم الاعتراف الكامل بالأدلة العلمية التي قدّمها العلماء بالتأثير الصناعي في احترار العالم، وكانت مبرراته الأعباء الاقتصادية الجائرة على الولايات المتحدة. ولتجميل صورة ذلك الانسحاب قال وزير خارجية تلك الدول في بيان له: (إن المقاربة الأمريكية تلحظ واقع مزيج الطاقة العالمي وتستخدم كل موارد الطاقة والتكنولوجيا بشكل نظيف فاعل بما في ذلك الوقود الأحفوري والطاقة النووية المتجددة). في الوقت نفسه، لقي ذلك القرار اعتراضًا داخليًّا قبل أن يكون خارجيًّا حينما وصف زعيم الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ روبرت مينيديز بقوله إن ادارة ترامب استهزأت بحلفائها وصرفت النظر عن الواقع وزادت من تسييسِ أكبر تحدٍّ بيئي يواجهه العالم. كل وجهات النظر التي سادت حقبة ما قبل كورونا ستعاد صياغتها شأنها شأن كل المحافل والصعد. فقد فرض هذا الطارئ العظيم وجهة نظره هو، وتجاهل واستخف واستهزأ بكل النظريات السياسية والمواقف الدولية والفعاليات الاقتصادية وكل ما من شأنه أنْ يتدخل الإنسان فيه ويضع فرضياته ونظرياته عليه. بلحظة واحدة وبقرار خاطف خفي وغير محسوب له، أجبر أمريكا مثلها مثل كل دول العالم المختنقة بالدخان والضباب الصناعي والملوثات الأخرى، أجبرها على إيقاف المصانع كلها ودفعة واحدة. وترك المجال للسماء أنْ تُزيل منها كلَف الأبخرة السامة وبقع الدخان والغازات المؤذية. وتنفست السماءُ بقدرة عجيبة كما لو أنها تعود بالزمن إلى الوراء، بدون مصانع، وبنقاء لم تألفه الأرض منذ زمن بعيد. أليس هذا ما يدعونا لأن نعيد كل نظرياتنا كبشر، ونراجع كل الملاحظات التي دوّنّاها والدروس التي تعلمناها والتجارب التي مررنا بها؟

لقد كان العالم يتجه إلى الهاوية، مع أنه الآن مهدد بهاوية أعمق، وعلى أمل أن يزول تهديد هذا الوباء، فلن يكون كل شيء كما كان قبل غزو كوورنا للأرض. وأحال مدينة ووهان قاعدته الرئيسية للانطلاق نحو جهات الأرض كلها، جعلها مدينة نقاء تام بعد أن أوقف بضغطة زر واحدة مصانعها، وكشفت الأقمار الصناعية ذلك الفرق العجيب بين أيام ما قبل الغزو وما خلاله وما بعده. أرتنا عيون الأقمار الصناعية الفرق في سماء أوروبا بعدما انزاحت غيوم الأمراض الأخرى.

إنها رسائل لم تكن في خلد أي أحد على الأرض، رغم الافتراضات والتنبؤات. لم يكن بخلد أحدنا أن يوقف فيروس ضئيل حيواتنا من أجل إعادة تنظيمها، ويوقف حركة العالم من دراجات بخارية وسيارات وشاحنات وطائرات وسفن عملاقة ومداخن قديمة وحديثة من أجل تعبيد طرق الحياة. فهل تعلّمت البشرية عبر كل سنين التلقي شيئًا؟ ستبدأ البشرية في وضع مفاهيم جديدة للتنبؤات والتوقعات لم تكن مطروقة من قبل، وتعيد تنظيم رؤاها وفق منهج تجريبي كان من صناعة الأزمة الكورونية المُرّة. فثمة وجهات نظر عالمية، سياسية واقتصادية واجتماعية تقول بأن العالم ما بعد كورونا ليس كالعالم الذي قبله. هذه الرؤى من قبل أولئك المختصين هي في حقيقتها تغيّر ثقافي عالمي من شأنه أن يؤثِر في الأفعال المكتسبة والناشئة بسبب هذا الوباء. وأبسط مثال على ذلك، يشير الاجتماعيون إلى أن المصافحة ما بين الناس ستختفي لأعوام طويلة. ونظن أن هذا السلوك الاجتماعي هو في الأصل مفتاح التقارب ما بين الناس، وهو بداية اللقاء والشروع في صحبةٍ ما من أجل عمل أو موعد أو تعارف. غياب المصافحة ليس أمرًا خطيرًا، لكنه تغير بالسلوك الاجتماعي حدث بسبب ظروف طارئة ليس من السهولة إزاحتها في الموعد القريب.

إذن، ما الذي تعلمته البشرية وقت اجتياح كورونا لعالمها؟ لقد اكتشفتْ أنها كانت ترفل في زهو القرن الواحد والعشرين بكل ما حققه من منجزات، وفي أنها قد بلغت مرحلة الكمال، وأنها في حضارة تستطيع أن ترسم وتتخيل المستقبل القريب بكل بساطة، بل إن تصاميم العمران والفن والسيارات كانت تتوغل إلى العقل المستقبلي وتأخذ منه بعض الأفكار لغرض الإبداع كما لو أنها خيال جامح قفز إلى هناك وجلب تلك الأفكار. وفي لحظة خاطفة، تغيّر الكثير. وصار على البشرية تعلّم رسم خريطة القرن الواحد والعشرين بفلسفة جديدة، وفق تعديلات مفروضة على مباحثها المعروفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد