أولًا: تعويذة للتواضع والشفاء من النرجسية.. أو أنطولوجيا الجوار مع البعوض

الأزمة الوبائية التي يواجهها العالم اليوم، أو بالأحرى تساؤله، تفتحنا على تأملات جديدة، ربما العالم يجب أن يتوج بحكومة كونية من الباحثين والعلماء يشتركون في إدارة العالم ورسم معالم العيش المشترك بين بني البشر. بعد ضبط موقع الإنسان وتشييد أنطولوجيا مشتركة تضبط موقع الإنسان في الكون وتحدد معالمه المعرفية والروحية، وعلاقته بباقي الكائنات التي نرتبط بها مثلما نرتبط بهذا الكون. وما الوباء الذي ساء للعالم إلا تنبيهًا للإنسان، ولقيمه وعلاقته ببعضه. مثلما هو تنبيه إلى الغفلة والنرجسية التي نعيشها في علاقتنا بالطبيعة أو ببعضنا البعض. فقد ثبت بالدليل أن الإنسان عبر أجياله المتلاحقة معني بتشييد علاقة انسجام ورعاية، سواء تعلق الأمر بالعلاقات الإنسانية، أو بالطبيعة وباقي الكائنات.

يمكن القول: إننا في حاجة إلى فلسفة للتواضع، تعيد ربط الإنسان بالموجودات الأخرى في عملية انسجام ورعاية وضبط للحدود بشكل يضمن استمرارية وتوازن هذا الكون. فإذا كان اليوم الخطر بيولوجيا طبيًا، فغدًا من الممكن، أو من المؤكد، أنه سيكون من نفس المجال، أو ربما يكون إعلاميًا – عبر انهيار الأنظمة المعلوماتية العالمية وفسادها، وربما يكون الخطر من قلعة الذكاء الاصطناعي، وربما من الطبيعة نفسها التي باتت تبعث إشارات عبر التغيرات المناخية محذرة الإنسان من عجرفته وأنانيته تجاه باقي الكائنات، التي يعتبرها وجدت لخدمة مصالحه وأغراضه بشكل مفرط.

ويجب ألا ننسى أن الخطر مستقبلًا قد يكون من ذاتنا – أقصد الطريقة والقيم التي بات الإنسان يدين بها، ويخضع لها من داخل النظام العالمي الجديد الذي يقوم على الجشع والربح والمنافسة والفردانية المرضية، التي تنسى المصير المشترك والرباط الوثيق الذي يجمع بني الإنسان في معادلة معقدة ببعضه، وبالطبيعة وبباقي الكائنات. ومن حسنات الوباء العالمي الجديد سيئ الذكر هذا، أنه جعلنا نختبر منظومة القيم العالمية، ومدى صلاحياتها، وقدرتها على تشييد عالم إنساني منسجم ومتماسك ومتضامن. وإن كانت تجارب الدول تختلف في مدى تضامن شعبها ووقفه وانضباطه لحظة الأزمات، وإن كنا نؤمن بأن الدراسة الفلسفية والسوسيولوجية.. لنمط تعامل كل دولة مع الأزمة سيمكننا من اختبار مدى جدارة كل نظام وكل أيديولوجيا، إلا أن الأشرطة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وقنوات الأخبار.. تبين مدى خضوع الأفراد عالميًا لقيم السوق الرأسمالية والاحتكار والتسابق على السلع والادخار ورغبة في الفرار إلى بلدان أخرى دون التفكير في الآخر وأمنه واستقراره.

هكذا يمكن القول أن الفيروس العالمي أصاب الإنسان في أنانيته مجددًا. وهو ضربة رابعة تنضاف للضربات الثلاث التي وجهها كل من كوبرنيك عندما حرك الأرض ووضع الإنسان في الهامش ونقله من المركز، مرورًا بشارل داروين ونظرية التطور التي اعتبرت الإنسان ليس كائنًا فريدًا من نوعه، بل استمرارًا لأجداده المحتملين من القردة، وسيجموند فرويد الذي فتح قارة اللاشعور كمركز تحكم أساسي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في فهمنا للبشر.

هكذا ذكر الفيروس الإنسان بأنه لن يكون دائمًا السيد، حتى وإن خرج من الأزمة منتصرًا، مذكرًا الإنسان بموقعه في الكون وحاجتة إلى فلسفة للتواضع، والضعف. مضيفًا _ أقصد الفيروس أن الضربات السابقة كان من المفروض أن تقود إلى عالم يعيش فيه الإنسان والحيوان في انسجام، ورعاية بشكل يضمن الاستقرار وأمن الأجيال، لا تدمير الطبيعة والرغبة في السيطرة التي ثبت مؤخرًا أنها تنقلب على الإنسان. مثلما أن الضربة الأخيرة لفرويد كان من المفروض أن تقود إلى تشخيص أمراض الحضارة الرأسمالية والقيم المرافقة لها، وما تخلقه من وهم وجشع وأمراض نفسية تقود العالم إلى جنون جماعي سببه تبني قيم ومبادئ تأسست على تمزيق قيم التضامن والمصير المشترك والموقع الحقيقي الأنطولوجي للإنسان في الكون في عملية تواضع دائمة تبني محبة دائمة مع البشر، والحجر، والأشجار، والباعوث، والجراد، والرب.

ثانيًا: ترياق القيم أو في غرق مركبة تيتانيك

إن تسرب وباء كورونا إلى العالم الإنساني وانتشاره، يظل لغزًا ومحط تأويلات وتراشقات اقتصادية وسياسية… مفتوحة على المجهول، مثلما ظل تسرب المياه إلى مركبة تيتانيك الضخة، وبالتالي غرقها مسألة لغز أيضًا. إن الغرق يجعلنا نقف على المصير المشترك للإنسانية، بعدما انتقل الفيروس من نقطة بعينها – من مدينة إلى كافة أرجاء العالم. هكذا وجدنا، الحدود والجمارك تقف عاجزة أمام الأمور الصغيرة الامرئية والمدمرة في نفس الوقت. لا شيء أوقف الفيروس، ولا أحد من حراس الحدود شاهده، أو ختم جواز سفره مرخصًا له بعبور الحدود، ويقوم بجولة حول العالم في ظرف قصير متفننًا في حصد الأرواح، وكأنه ملك الموت خرج متعطشًا يقرع طبول الفناء معلنًا يوم الحشر في بث تجريبي بئيس يسائل الإنسان، وما أعده من زاد لمواجهة خفايا الدهر.

هكذا تسرب الفيروس مثلما تسربت المياه إلى الباخرة الكبرى لتيتانيك، فوجد سكان المركبة بطبقاتها المختلفة من بروليتاريا – رفاق ليوناردو ديكابريو المنتحر طبقيًا، إلى الأرستقراطيين عشاق الشبمانيا والموسيقى والحفلات الباذخة، كل يسبح وينجرفون إلى موتهم في هلع. على نفس المنوال يتراءى لنا العالم اليوم على شاكلة تلك المركبة، وبمجرد من تعطل وحصل ثقب في جانب صغير من المركبة، غرق الجميع ولم ينفع هناك لا مال، ولا انتماء طبقي، إلا التدخلات الاستعجالية وما أعد من احتياطات. فقد تبين بالملموس أن العالم جسم واحد، وإن مرض أحد أعضاء الجسم أو تعطل تداع له سائر الجسد. ويبدو جليًا أن ما يبقى في مثل هذه الحالات، وما يصمد أكثر. هي الحكومات التي تتوفر على مؤسسات قوية، ومبادئ وقيم إجتماعية تجعل كل أفراد المجتمع جسم واحد. يتعاونون في ظل دولة وقانون يخضع لمبدأ الثقة والتعاون المسؤول الواعي بالمصير المشترك. وما دامت الفوارق غير جلية في تعاطي الحكومات المختلفة مع الأزمة.

 ومع دامت الدراسة الفلسفية والسوسيولوجيا… لأشكال تعاطي الأفراد من داخل أي نظام ومختلف تفاعلاتهم مع الأزمة غير منجز، نكتفي بالكلام على التعاون بين الدول، وكيف أن الحل من المستحيل أن يكون فرديًا، فالحل دائمًا وأبدًا كان جماعيًا. لقد وجدت الحكومات في حاجة إلى خبرة بعضها البعض، فاستعانت إيطاليا بالصين، واستعانت الصين بكوبا وباقي الحكومات.. مثلما وجدت الدول في حاجة إلى التعاون على مستوى الحدود، وضمان أمن مواطنين كل دولة أينما وجدوا على بقاع الأرض، وحمايتهم من الوسم الاجتماعي الذي قد يلحق بهم الأذى. بعدما تم وسم بعض المواطنين بكونهم فيروسات تتحرك في صورة إنسان. هكذا وجدنا أنفسنا أمام قيم العنف والعنصرية والوسم.. في حين أن اللحظة تقتضي فلسفة للضيافة والترحاب في حدود التعاون الممكن دون إلحاق الأذى ببعضنا البعض.

لقد كشف الوباء عن هشاشة النظم الاجتماعية، أو بالأحرى عدم تجدر المبادئ الكونية التي شيدها الفكر الإنساني وملازمتها للطبائع الإنسانية. مثلما كشف عن هشاشة الدول، وغياب نظم الحماية الاجتماعية التي بإمكانها استيعاب اللحظات الصعبة من التاريخ، والأخذ بيد كل الفيئات الإجتماعية. فانشغل المواطنون بالتدافع على المأكولات لتخزينها، ووسم بعضهم بمختلف أشكال التمييز. خصوصًا الآخر، الدخيل على البلد الذي لا زال يعد غريبًا ومسؤولًا عن شرور المدينة كلها بتعبير الفيلسوفة جوليا كرستيفا، وأكثر من هذا يعد فيروسًا.

في حين أن المرحلة تقتضي مساندة الأخر وضيافته؛ لأن الكل عالق بعد تعطيل أغلب الرحلات دوليًا. مثلما أن الوباء جعلنا نختبر قيم نظام السوق والتنافس، فلحظنا كيف أن المستثمرين استغلوا المرحلة للاغتناء، وارتفعت الأثمان، وعم الغلاء. في الوقت الذي كان من المفروض أن تظهر الفئات الاجتماعية نوعًا من التضامن والتعاون، لكن الجشع والإستغلال وغياب القيم الوطنية، أو أي وعي بالمصلحة الجماعية كان هو الطاغي.

لكننا نذكر أن المياه التي تسربت إلى مركبة تيتانيك الضخمة، أغرقت الجميع وفي لقطة تراجيدية فوضوية قام أفراد من الطبقة الشعبية للباخرة، برمي أفراد من الأرستقراطية في البحر والعكس أيضًا. إنها مرحلة الفوضى الجماعية، التي يفك فيها الفرد يده من يد أخرى لتلاقي الموت، أم اليوم فنحن في حاجة إلى فهم أن الابتعاد وسحب اليد هو منح للحياة. هكذا يعيد الوباء العالمي هندسة القيم، وبالأحرى قلبها وإعادة النظر فيها.

لقد تغيرت الأشياء من حولنا مرحليًا، وخرق السياسي بروتوكول السلام وطقوس التحية التي عمرت لقرون حتى صارت مقدسة، دون أن يحدث أي خلل في نظام الطبيعة، ودون أن يؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد، ودون أن يعتبره الحاكم ضرب في رمزيته. لقد أعاد الفيروس تربيتنا، لقد أتى وهو يحمل معه قوانين وتعاليم جديدة. لقد مسح الطاولة، ودخل علينا معلنًا الموت لكل من رفض أن يبدأ من البداية، متعلمًا أولًا غسل يده. لقد أتى ليذكرنا بأننا لم نكتسب ولم نتربَّ بعد على أبجديات النظافة، إنها لحظة إعادة تربية جماعية من البداية، من غسل اليدين إلى كيفية رأيتنا وتعاملنا مع الأشياء والعالم.

لقد جاء الوباء، ليذكرنا ربما بأننا تربينا على الاقتراب كثيرًا من بعضنا في المكان، لكننا لم نتعلم بعد القرب القيمي. هكذا جاءت اللحظة التاريخية لتثبت مدى هشاشة القرب الذي نزعمه من بعضنا، إنه قرب مزيف. قرب هش وفارغ، معطل من ناحية الغايات الإنسانية الكبرى. ربما هو قرب غير مكتمل، لا يتجاوز القرب بمعناه الغريزي، أما القرب الأكسيولوجي – بمعنى التجاور في العالم، أنطولوجيا متعاونين ومسؤولين، فهذا درس آخر لازال في عالم المضنون به على غير أهله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد