فيروس كورونا : بين الإنزلاق السياسي والتأطير التديني ..

أعتقد أن ثمة تساؤل قد طرأ على كثير من الناس بمن فيهم النخبة المثقفة، والتي ما زالت بطور البحث عن الدليل الشرعي والمنطقي لمثل هذا الشبح المرعب، فيروس كورونا، والذي ترتب عليه أن أجلت كثير من الدول رعاياها، وعلقت رحلاتها، وتوقفت الحركة السكانية، وبادرت دول بإيقاف عملية الاستيراد من الصين الصناعية، إلا أن السؤال الذي يجول في عقولنا، أهو عقابٌ إلهي أم سنةٌ كونيةٌ مثله مثل الظواهر الطبيعية التي تخلف العديد من الأضرار، وسلب الأرواح البشرية بين غمضة عين وانتباهتها؟

في الحقيقة فإن المتتبع للآراء المتفاوتة سيجد أنها تدور في إطار ثلاثة آراء:

الرأي الأول:

أن سبب ما يحصل هو عقاب إلهي بحق الصينيين، من جراء ما فعلوه من التعذيب والتنكيل والتهجير لإخواننا المسلمين من الإيغور مؤخرًا، وهذا من عدل الله وحكمته، بأن عجل لهم العقوبة في الدنيا والآخرة، فنجد أن هذا الرأي أثبت الحكم دون مراعاة لسنن الله الكونية؛ وأقحم نفسه في قدر الله مستندًا إلى بعض المبررات والأدلة غير المنطقية.

الرأي الثاني:

الفيروس جندٌ من جند الله، مثله مثل الكوارث الطبيعية، كالزلازل والبراكين، والخسوف والكسوف، والأوبئة والأمراض الناتجة من الطبيعة؛ فكل ما يحصل هو دليل على عظمة الله وقدرته المطلقة، وهي آية من آيات الله لتخويفهم وتإنذارهم، «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا»، فإن كان حاصلًا بالكفار فهو لنا على سبيل العبرة والعظة، وأن نتعظ ونرجع إلى الله بالتوبة النصوحة، وإن كان بحق المؤمنين فهو ليس إلا ابتلاءً وتمحيصًا في الدنيا، وليس علينا بمثل هذه الظروف إلا أن نتوخي الحذر والحيطة، والعمل بكل السبل والوسائل الحديثة والكفاءات البشرية المؤهلة من أجل الوقاية منه.

الرأي الثالث:

أن ما يحصل في الصين هو مجرد حرب بيولوجية، أو ميكروبية، أو جرثومية، أو بكتيرية، هدفها الأول والأخير استخدام متعمد ومقصود للجراثيم أو الفيروسات أو غيرها، وأن السبب هو أمريكا التي صنعته ونشرته في الصين؛ ترقبًا لانهيار التجارة والاقتصاد الصيني، والحد من التقدم التكنولوجي والتقني، بينما يتفرد صنف تحت هذا الفريق زاعمًا أن الصين نفسها هي من نشرته لتنشيط الدواء مقابل بيع كميات هائلة؛ لتحقق اقتصاد لا يضاهى في العالم.

في ظل كل هذه الفرضيات، الجدلية منها والقطعية، يترقب العالم برمته، بكل عناية، اكتشاف العلاج الذي سينجلي به كابوس الخوف والرعب، وعودة الحركة السكانية بشكل طبيعي في كل أقطار العالم.

إلا أننا بمنطق العقلاء وحكمة النبلاء، لا يمكن أن نقلل أو نلغي نظرية السببية، ولا أن نجعل من الكفر والإيمان سببًا واحدًا، طالما أن العلم الحديث قائم على قدم وساق في البحث والاستقراء وجمع الأدلة التي لا يمكن التشكيك بها بتاتًا، فما أنزل الله من داء إلا وجعل الله له دواء، كما ثبت في الأثر.

فالمسألة ليست إلا مسألة وقت حتى تتبخر المؤمرات السياسية والدينية، لا تآليًا ولا تعديًّا لقدر الله، فمن أخذ برأي الفريق الأول، فلنقل له إن كنت تعتقد ذلك عقابًا بحتًا بما حصل لإخواننا في الصين، فها هي العشرات من الحالات بين شعوب الأمة العربية والإسلامية، وبناء على زعمك فعقاب الله قد حل بنا كذلك، فما الذنب الذي اقترفناه حتى يطولنا هذا البلاء، وبهذا تكون قد أقحمت فكرك بانتقائية مضحكة وساذجة، وتعديت حدود العقل والمنطق، بل قد يُعد هذا تعطيلًا لعدالة الله بحق هذا التفكير الذي تعتقده، فما ذنب طفلٍ أو شيخٍ أو من ليس بيده أي صلاحية لمثل هذه الأعمال التي تصدر من قبل حكومته؟ فضلًا عن أن لا ناقة له ولا جمل في هذا التصرف، فليس من الغريب أن يتساءل بعض منا قائلًا: أليس السيئة تعُم والحسنة تخص؟ ولكن يمكننا أن نذكرهُ بقول الله تعالى: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ».

ولنعد إلى الوراء قليلًا، لنقرأ تاريخ هذا الفيروس القاتل، هل سبق الحديث عنه أو اكتشفت أي حالة منه؟

نعم، ظهر فيروس من السلالة نفسها منذ ثمانية أعوام في المملكة العربية السعودية، ووجدت له عدة احتمالات كما نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

يرجح بعض الأطباء أن السبب الرئيسي في وجوده في الصين كان نتيجة أكلهم لحوم الحيوانات البرية، والبعض يقول بسبب أكل لحوم الخفافيش تحديدًا، وآخرون يزعمون أن الفيروس انتقل للثعابين التي تستخدم لأغراض طبية، بعد افتراسها للخفافيش، وهنا تتوالى الاحتمالات دون أي ترجيح قاطع، إذ إن المصدر المباشر للفيروس ما يزال غير معروف، كما أن سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان يضم حيوانات أخرى يعتقد أنها السبب في تفشي الفيروس.

الحياة قائمة على الابتلاء، شاء من شاء وأبى من أبى، مصداقًا لقول الله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»، فالابتلاء هو الاختبار لا العقاب. الابتلاء بالنسبة للمسلم فهو اختبار، ويترتب عليه تكفير للذنوب كما ثبت عن سيد المرسلين: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه». متفق عليه.

وللعلم سينتهي هذا الفيروس طال الزمان أو قصُر، فما جعل الله من داء إلا وله دواء، بعيدًا عن التنظير الديني والسياسي، والتشفي بالبشر، كائنًا من كان؛ حتى لا نزرع الكراهية والبغضاء بيننا، والمسلم من أخلاقه أن لا يرضى بالتشفي بحق أبرياء.

ما يدهشنا أن تجد ممن يبرر ذلك عالمًا محسوبًا على مؤسسة دينية اعتبارية، وذا ثقل ديني على الساحة العربية، أو قسًّا كبيرًا يؤصل ويبشر بتنبؤات لا صلة لها بالواقع في شيء، وبهذا الحدث فربما يعيد التاريخ الكرة مرة أخرى بين رجال الدين والعلم كما حصل سابقًا، فيفتن الناس بما يقولون دون الاستناد إلى دليل شرعي ومنطقي، أو يتصدر المشهد خبير أو محلل اقتصادي يغتنم الفرصة كي يحظى بالشهرة بزعمه بأن ما ينظرِّه صحيحًا، وأن السبب نابع من المنافسة الاقتصادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد