فـي هذا المقال سوف أتناول أزمة فيروس «كورونا» من الناحية الاجتماعية.

في البداية لم أستغرب حقيقة من تداول الأكثرية من الناس بأن هذا الوباء مسرحية سياسية بامتياز، تريد من دولة أ الامتثال لدولة ب، والدولة أ تريد فرض سطوتها على تلك المنظمة، والدولة ج تطارد القضية الفلانية وهكذا. والذين يحاجون بهذا الرأي هم أنفسهم الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، وأن هناك قوى فوق العادة تتحكم بنظام هذا الكون، أحيانًا من خلال ما يسمى «الماسونية»، وأحيانًا تكون الدول الكبرى في النظام السياسي الدولي هي من تفتعل هذه الأوبئة والمشاكل لكي تحرك بعض الملفات السياسية العالقة، أو بتحالفهم مع كبار رؤساء شركات الأدوية والأسلحة وهكذا. وهؤلاء بالذات يستمتعون بالحديث بهذه الروايات، بل تجدهم في دور السينما يتلذذون بمتابعة الأفلام الخيالية البعيدة عن الواقع. 

ومن الأصوات كذلك من تناول هذه الأزمة العالمية من الناحية الدينية، وأنها من علامات الساعة وأن هذه هي نهاية العالم، وبعض الروايات تقول بأن المرض الذي سوف يفتك بالبشر يأتي من الشرق وكأنه أتى متوافقًا مع الأزمة الحالية (من الصين). ويطالب مؤيدو هذا الرأي بالتمسك أو الرجوع إلى الدين، ويقولون إن هذه الأوبئة ما هي إلا نتاجًا للفساد المتزايد.

والحزب الأخير ينظر لهذه الأزمة بأنها مادة إعلامية دسمة وتضييع للوقت والجهد وتشتيت لحياة الناس، وهذا الفئة بالتحديد من الناس  البسطاء، والذين على الأقل لا يريدون التفكير في الأمر، وبالعادة ما يرددون بعض العبارات وأشهرها: «الحافظ الله». 

في الحقيقة أن جميع هذه الفئات الثلاثة ابتعدوا عن الواقع، وأيضًا اهتموا كثيرًا بالتنظير والتحليل والتشكيك. أقول لهم ربما آراؤكم أو قراءاتكم، أيًا كانت بسيطة أو عميقة، تكون صحيحة أو مقبولة، ولكن هل يجب علينا الابتعاد عن الواقع ومحاولة التنظير عن وباء انتشر من دولة إلى دولة كما ينتشر النار في الهشيم بسرعة كبيرة؟ لقد جعل الدول تغلق حدودها في وجه الدول الأخرى، واتجهت لإيقاف برامجها، وتعليمها، ونشاطاتها، الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، وهو ما تسبب بتعطل مصالح تلك الوحدات الدولية وتكبدها خسائر كبيرة تقدر بمليارات الدولارات، سواء في سوق الأسهم العالمية، أو القطاعات الأخرى المتأثرة، على سبيل المثال لا الحصر: قطاع الطيران.

أغلب تلك الدول التي هبطت حصصها في الأسهم هي الدول الرأسمالية الشرسة، وكذلك الشركات العابرة للقارات كـ«آبل»، وهذه الدول الرأسمالية، أو المادية، أكثر من تدافع عن كل ما يعطل حصصها السوقية والربحية، بل أحيًانا هي نفسها التي تؤثر في السياسيين لتحريك سرايا الجيوش للحفاظ على مصالحها. وهذا يدل بكل وضوح على أن هذا الوباء العابر للقارات هو تحد حقيقي لدول العالم لعام 2020. 

أنا هنا التمس العذر لجميع الفئات الثلاث التي لم تأخذ وباء كورونا بجدية، فهذا الفئات من الناس اعتادوا على تصرفات مماثلة من الناحية التي ينظرون اليها من خلال تلك الأزمة، ولكن المهمة الرئيسة لجميع من سمع وأدرك هذا الوباء المتنقل أخذ الحيطة والحذر، والأخذ بالأسباب، وأن ينظر كيف ينجو من الوباء وليس من مسؤولياته الكشف عن الحقيقة! أو مسببات الوباء فهناك من هم فعلًا ينظرون إليه، ولكن وإن كان هناك فضول في معرفة ذلك فلا مانع أن يكون بعد انتهاء هذه الأزمة العالمية.

أخيرًا تعمل مراكز الدراسات الإستراتيجية والاستشرافية عند وقوع أزمة ما على حلها أولًا، ثم ترجع لمسبباتها لكي تتداركها في المستقبل. هذا بالضبط ما أريد إيصاله، يجب الأخد بالأسباب ومحاولة النجاة من هذا الوباء، وبعدها سوف يكون من الممتع تبادل الأحاديث ووجهات النظر حول المسببات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد