منذ انتشار فيروس كورونا في هذا العالم انتشار النار في الهشيم، حتى رأينا تسارع الأنظمة الرشيدة في ممارسة سياسة الحجر الطبي في المستشفيات؛ خوفًا من انتشار الوباء، ورغبة في تطويقه، وذودًا عن صحة المواطنين، والتي يعدونها أمانة في أعناقهم، ورفعوا التحدي ضد هذا البلاء الذي حل بالبلدان فلم يفرق بين العربي والأعجمي، ولا المسلم ولا الكافر، ففتك بكثير من الناس، وهلك خلق كثير.

هذا الفيروس الذي بقي السبب الرئيس لانتشاره مجهولًا لحد الساعة، وعلى الصعيد السياسي فقد أشعل هذا الأخير فتيل حرب كلامية وإعلامية بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والصين من جهة أخرى، ومع الانتشار الرهيب لهذا الداء تخاطر إلى الذهن ورجع بي الزمن إلى العام الثامن عشر من الهجرة، حين حل بالشام أمر جلل ومصيبة عظيمة، ألا وهي «طاعون عمواس»، الأخير نسبت تسميته لقرية في الشام تبعد حوالي 30 كيلومترًا عن مدينة القدس، والذي حدث في زمن أمير المؤمنين عمر الفاروق -رضي الله عنه- فحصد كذلك الأرواح، ويتَّم أطفالًا، ورمَّل نساء، وشرَّد أمة بأكملها، وقد كانت حصيلة هذا الطاعون مروعة بأتم معنى الكلمة، حيث تذكر مصادر التاريخ أن عدد الذين ماتوا من جرَّائه يقارب العشرين ألف، ولعل أسماء بعض ضحايا الطاعون كفيلة برسم فظاعة المشهد الذي عاشته الشام عامة، والمسلمون خاصة، حيث إن الحصيلة تضمنت أسماء من كبار الصحابة على غرار: أبي عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وآخرين.

هذه الظاهرة التي ادعى البعض أنها مصطنعة مخبريًّا وأن الدواء عند الصانع فلا حاجة للقلق، سببت الكثير من الخسائر المادية فمثلًا في مجال الطيران تشير التوقعات إلى إمكانية خسائر فاضحة، بحيث قد تخسر شركات الطيران العالمية 113 مليار دولار من مبيعاتها في حال استمرار انتشار فيروس كورونا، وفقًا لما ذكره اتحاد النقل الجوي الدولي. العديد من المؤسسات الدولية تدق ناقوس الخطر، حيث أشارت العديد من التقارير إلى أن الاقتصاد العالمي سيواجه في المستقبل القريب حالة من الركود الاقتصادي، هذا راجع إلى التوقعات المطروحة أمام رجال الاقتصاد بتراجع الطلب بشكل رهيب؛ مما سيؤدي حتمًا إلى توقف العديد من المصانع، وعجز الشركات على الإنتاج بسبب تفشي فيروس كورونا، كما أن هذه المخاوف تتبعها تراجعات حادة في أسعار النفط، وسط النزاع المحتدم، والذي يطفو على الساحة العالمية هاته الأيام بين كبار منتجي النفط، حول زيادة أو خفض الإنتاج، مما تسبب على مدار الأسبوع في موجة هبوط شديدة لأسعار البترول.

أسعار الذهب كذلك لم تسلم من هذه الاختلالات الاقتصادية، إذ تأثرت على المستوى العالمي حيث صعدت أسعار المعدن الأصفر نظرًا إلى الإقبال الكبير عليه؛ بحكم أنه ملاذ آمن بالنسبة للعديد من المستثمرين، وسط خروج هؤلاء المستثمرين من أسواق الأوراق المالية ما دفع البورصات العالمية للهبوط بمعدلات كبيرة، ولعلها أعتى أزمة ستصطدم بالاقتصاد العالمي منذ أزمة الكساد الكبير سنة 1929، حيث إن التقرير الصادر عن الأمم المتحدة يشير إلى أن انخفاض الإنتاج الصيني قد قدر بـ 2% سنويًّا، مما تسبب في انخفاض في التجارة بين الدول لما يقارب 50 مليار دولار لحد الآن، كما أن التقرير ذكر أن من بين الاقتصادات الأكثر تضررًا هو الاتحاد الأوروبي بما يعادل 15.5 مليار دولار، والولايات المتحدة بما يعادل 5.8 مليار دولار، واليابان بما يعادل 5.2 مليار دولار، كما أضافت «باميلا كوك هاميلتون» المسؤولة الاقتصادية الأممية: «أنه بالنسبة لاقتصادات الدول النامية التي تعتمد على بيع المواد الخام فإن الشعور بهذه الأضرار (مكثف جدًّا)».

هذه الخسائر التي ذكرنا فيضًا من غيض، وقد ذكرتها على سبيل المثال لا الحصر، وعلى سبيل التوعية بالمخاطر والتحديات التي سنواجهها في قادم الأيام، فلا أعتقد أن المجال والزمان يكفيان لعد الأزمات التي يخلفها الفيروس الذي أفزع وما يزال يفزع كل الدول دون استثناء.

إن المقاربة بين فيروس كورونا وطاعون عمواس، هي أن الأزمات عندما تضرب الأمم تتباين الاستجابات مثلها مثل المناعة التي يمتلكها الإنسان، فالإنسان الذي يملك مناعة قوية هو من يمتلك سرعة في الاستجابة المناعية، الشيء نفسه بالنسبة للدول، إن أردت معرفة مدى رشاد الحكم بالأمم فطالع الأزمات وتعاملها معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد