لعل أبرز ما سيذكره التاريخ أنه من معالم السنة العشرين من هذا القرن، هو ظهور النوع الجديد من فيروس كورونا المسبب لمرض كوفيد-19 وكيفية ظهوره المثيرة للجدل من سوق للمأكولات في الصين، ثم انتشاره إلى أنحاء العالم أجمع، في تحدٍّ نادر للقدرات البشرية وللتطور الطبي والتكنولوجي.

في خضم ما سببه هذا المرض من موجة الذعر العالمية التي بدأت من توقف الحياة في مدن مكتظة في الصين، وتحولها إلى مدن أشباح إلى التدابير المشابهة في أغلب مدن وحاضِرات العالم، حيث تم إيقاف حركات الطيران وإلغاء السفر من وإلى دول برمّتها حتى إعلان حالات الطوارئ الصحية، وأخيرًا سقوط النظام الصحّي تمامًا في دولة متطورة كإيطاليا، والتي فاقت الوفيّات فيها تلك التي في الصين نفسها.

خلال ذلك كلّه استُعيدت من التاريخ أخبار الأوبئة والطواعين التي اجتاحت البشرية، وكيف تعاملت معها كل حضارة في زمانها وسُردت القصص عن الحالة المدنية والسلوك الاجتماعي لتلك الحضارات خلال الأزمة. فمن حرق المرضى ودفنهم أحياءً في أوروبا، إلى بناء المستشفيات وأنظمة الحجر الصحي بنفس الوقت في الشام ومصر.

تسببت تلك الأمراض في موت أعداد هائلة من البشر، بينهم قادة سياسيون وزعماء اجتماعيون وعلماء بارزون في التاريخ.

بنظرة خاطفة -يصحبها شيء من التأني التاريخي- إلى الماضي ونظرة عميقة إلى الحاضر يمكننا ببساطة ملاحظة تأثير المنظومة القيمية للحضارة على سلوك الإنسان فيها، وملاحظة الفروق في ذلك بين الحضارات وكيف أن تلك الفروق لم تتغير لآلاف السنين حتى وقتنا الحالي.

فالناظر إلى الدول الأوروبية في العصور الوسطى، سيرى طقوس الحرق لمرضى الجذام وسيسمع الأطباء يُشخّصون مرضهم على أنه «أرواح شريرة» فكان إنهاء وجود المريض تمامًا حرصًا على حياة الحيّ شيئًا مقبولًا جدًا لدى العقلية الأوروبية بشكل عام، فرغم تلبّس ذلك بلباس اعتقادي «أرواح شيطانية» كان رد الفعل ماديًّا بامتياز وذلك لأن قيمة المادية متأصلة بالإنسان الأوروبي منذ العصور الوثنية، رغم أن الدين السائد في أوروبا بتلك الأيام «المسيحية» لا يأمر بذلك أبدًا.

بينما يرى من ينظر إلى الشرق الأوسط وحضارة العرب الصحراوية التي شهدت في تلك الفترة نفسها ظهور دين الإسلام وحكم خلفائه لأراضي غرب ووسط آسيا وشمال أفريقيا، أنه كانت تُنشَأ مستشفيات خاصة لمرضى الجُذام ويُعالجون حتى فُقدان الأمل تمامًا من المريض ويموت أثناء علاجه ورغم ذلك تقام له شعائر التغسيل والتكفين والصلاة والدفن إكرامًا للميت كما ورد في شعائر الإسلام.

في الحقيقة أنه عند العرب كان الأمر أعمق من شعائر الإسلام ذاتها في نفوسهم، فشعائر تكريم الميت موجودة في الدين المسيحي الذي كانت تدين به أوروبا بذلك الوقت، لكنها أحرقت المرضى تمامًا كما تقدّم سابقا، فالأمر يتعلق بالمنظومة القيمية التي كانت سائدة في النظام الاجتماعي للعرب وكانت تحكم نفوسهم وجاء الإسلام متوافقا معها، حيث كان الوفاء والكرم والعفو عند المقدرة من الآثار التي وردت في الأدبيات الجاهلية لأولئك العرب.

تلك كانت النظرة المتأنيّة للماضي، فماذا عن الواقع الحالي الذي عُني لأقصى الدرجات بحقوق الإنسان ونظم لها المواثيق وقام على حمايتها الدول العظمى في الأمم المتحدة؟!

بالتأكيد تغير العالم، ساد العلم والمعرفة وتطورت الأنظمة الطبية والتشخيص والعلاج وأغلب الدول المحترمة توفر علاجًا مجانيًا لمواطنيها، حتى أن بعض الدول الديمقراطية لا تزال تعارض الموت الرحيم حرصًا على حياة الإنسان وشهدنا ذلك بالفعل في كثير من الأمراض والأوبئة التي اجتاحت العالم كجنون البقر وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، وشهدنا تفاني الدول في حفظ حياة مواطنيها ومن يرى ذلك يقتنع تمامًا أن من يصف الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية أنها أنظمة ماديّة لا قيمة بها للإنسان، وأهم ويظلم تلك الأنظمة وشعوبها ويحتاج لأن ينير عقله ويتعلم منهم الحضارة والحداثة وحقوق الإنسان.

في الحقيقة كلّا..

الوجه الجميل لأي شيء تراه فقط عندما تكون الأمور تحت السيطرة، لكن عند الأزمات الحقيقية لن ترى إلا الوجه الحقيقي والحقيقي فقط للإنسان في داخل الحضارة، ولن يكون هناك جدوى لطبيعة النظام الحاكم فمثلاً:

في الصين الاشتراكية وعندما خرج الوباء عن السيطرة وانتشرت العدوى كالنار في الهشيم انتشرت المقاطع للمرضى يبصقون في الأماكن العامة ويلعقون مقابض الأبواب ومفاتيح المصاعد لنشر المرض إلى غيرهم (لن نموت وحدنا).

في الصين نفسها ترك والدان طفليهما في المطار وحيدين وركبا الطائرة هروبًا بعد الاشتباه بإصابة طفليهما بالفايروس.

مثالان يتضح بهما أن القيم المادية لا تزال مسيطرة على نفوس تلك الشعوب ولم يأتِ النظام الاشتراكي إلا تلبية لها وتوافقًا معها وبرأي آخر: هذه ليست طبيعة الإنسان الصيني القديم ولكن قد كان النظام الاشتراكي ذا سطوة على أنفس الشعب حتى برمج الإنسان كما يريد النظام تمامًا فأنى لمن لا يدرك نفسه وغيره إلا مادة كأي مادة في الكون أن يفكّر في حياة إنسان آخر عندما يشعر بالخطر.

لتزاداد يقينًا فقد جاءت نفس المقاطع بالضبط لمن يبصق ويلعق ولكن بوجوه ليست صينية وإنما فرنسية وألمانية وبريطانية أي من النظام الرأسمالي الذي كان السبب الرئيس لانتصاره على الاشتراكية هي الحرية الشخصية في مقابل شبه العبودية التي كان يفرضها الاشتراكيون على شعوبهم، وجاءت القرارات بنزع أجهزة التنفس عن المرضى الأكبر سنًا فالأكبر بعد انهيار النظام الصحي في إيطاليا.

جاءت الصور للمعارك بالأيدي والأدوات الحادة في مراكز التسوق على منتجات التعقيم والوقاية والمناديل الورقية وكيف يحدث التدافع الذي يذهب ضحيته كبار السن بلا أي رحمة، حيث تم إفراغ رفوف مراكز التسوق في أيرلندا والتي تنتج ثلاثة أضعاف كفايتها من الغذاء.

نعود وننظر إلى الشرق الأوسط تلك «الدول النامية» المحتَقرة المنعوتة بالإرهاب والجهل والتي نرى من أبنائها من هو منبهر بل عابد لا يولي وجهه إلا شطر الغرب.

هل رأينا مشهدًا من مشاهد تلويث المصابين للأماكن العامة لنقل المرض لغيرهم؟

هل ورد مقطع لقتال عرب متخلفين على المناديل الورقية في مراكز التسوق؟

هل شاهدنا صورًا لدفع وضرب المسنين والاستئثار دونهم بالبضائع؟

هل تحول إنساننا الشرقي إلى إنسان آخر بين ليلة وضحاها؟

هل ترك أحدهم أطفاله وهرب أم أننا سمعنا عن أمهات آثرت إلا أن تبقى مع طفلها المصاب في الحجر الصحي رغم أن احتمال وفاتها أكبر في حال إصابتها؟

هل نحن بالفعل كما يقول الحداثيون العرب -باستشهادهم بالشعر العربي- «أمة ضحكت من جهلها الأمم»؟!

كلا.. في الأزمات تصمد الحضارات المؤسسة على قيم حقيقية منحوتة في نفوس أفرادها مهما اشتد عليهم الألم بين مطرقة الظلم والإفقار المتعمد وسندان الظروف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد