فريق الثورة والثوار والمناضلين في بلدان ثورات الربيع العربى يعانون من صعوبات كبيرة في ملف إدارة التنوع والاختلاف سواء على المستوى الأيديولوجي، أو العرقي، أو الثقافي، أو اللغوي. فالعديد من قوى الثورية المتنوعة مازالت على عدم توافق وتعاون وتواصل فيما بينها بسبب ضعف مهاراتها وأدواتها في إدارة التنوع والاختلاف، وهذا انعكس على أداء الثوار ووفر فرصًا سانحة للأنظمة المستبدة في المنطقة والمعادية للحراك الثوري لنثر بذور الشقاق والنزاع وسط المجتمع والثوار والقبائل والمؤسسات؛ من أجل تقويض أحلام الجماهير العريضة في نيل حريتها وكرامتها وامتلاك زمام أمرها.

 

فمهارة إدارة التنوع والاختلاف وفض النزاعات الداخلية أمر حيوي لنجاح الثورة ولا يقل أهمية عن حاجة الجيش إلى سلاح المهندسين الذي يشق لمدرعاته الطرق، ويفتح لقواته الثغرات، ويفكك حقول الألغام ويضبط مرمى النيران حتى لايقتل جنود الجيش الواحد بعضهم بعضا؛ ولذلك سنفصل في الأسطر التالية بعض إستراتيجيات وآليات إدارة التنوع والاختلاف الكفيلة بتنمية عضلات الثوار الفكرية والميدانية لتكون قادرة على بناء جسور التواصل بين المكونات السياسية والاجتماعية في بلدانهم وذلك خلال مسارين أحدهما قصير المدى والآخر طويل المدى وفق التالي:

 

أولاً: المسار قصير المدى وفيه:
المحور الأول عنوانه: العمل بفلسفة بناء الجماعة الوطنية لا بمنطق الأغلبية السياسية: ينبغي للحركات الثورية والأحزاب الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني في بلدان الربيع العربي أن تتعامل مع بعضها بفلسفة الجماعة الوطنية ذات المصير والهدف الواحد وليس بمنطق الأغلبية والأقلية السياسية الضيق القائم على اقتسام الغنائم وعدد المقاعد النيابية والقوى التصويتية، وهذا ما عبر عنه المستشار طارق البشري بمصطلح بناء التيار الأساسي للأمة في كتابه الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، وهنا يقع عبء كبير على الأغلبية سواء كانت اجتماعية أو سياسية في احتضان الأقليات وطمأنتها وأحيانا التنازل عن بعض مكتسباتها في سبيل الحفاظ على وحدة وتماسك الجماعة الوطنية، فالمراحل الانتقالية في حياة المجتمعات تدار بالتوافق والتراضي وليس بمنطق الضربة القاضية ولمس الأكتاف والصراع الانتخابي الضيق، ويعد النموذج التونسي مُتقدمًا على غيره في هذا الملف خصوصا أداءحركة النهضة التونسية صاحبة الأغلبية السياسية ولكنها أبدت مرونة سياسية جيدة في التعامل مع الأحزاب الأخرى التي لم تحصل على الأغلبية.

 

المحور الثاني عنوانه مد الجسور لا بناء القلاع :
بناء القلاع والحصون بين الكيانات الاجتماعية والسياسية وعزلها عن بعضها البعض كان ومازال من أبرز أساليب الطغاة، فقلما تجد مؤسسة مدنية عربية تجمع أفراداً من الشيعة والسنة في سوريا، أو من المسلمين والمسيحيين في مصر أو من اليساريين والإسلاميين في تونس؛ لذلك ينبغي على القوى الثورية الواعدة أن تقدم للمجتمعات نموذجا حضاريا ينتمي للمستقبل يُبشر بقيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية عبر إطلاق مئات المؤسسات المدنية والأحزاب والمبادرات القائمة على بناء الجسور بين كل المكونات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الوطن دون تميز أو إقصاء أو تهميش بعيدا عن الشعارات الطائفية التي تفرق ولا تجمع.

 

ثانيا: المسار طويل المدى وفيه:
المحور الأول: يتم فيه إنشاء مراكز دراسات وتفكير مهمتها الرئيسة هي ضبط عالم الأفكار من خلال الإجابة على العديد من الأسئلة المتعلقة بهذا الملف مثل كيف نحافظ على وحدة الجماعة الوطنية؟ وما هي خبرات الدول الناجحة في هذا المجال وكيف يُمكن الاستفادة منها؟ وما هي طرق فض النزاعات بالطرق السلمية والحضارية؟ ويتم أيضا من خلال هذه المراكز التعمق في الدراسات التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية وغيرها من المجالات الأكاديمية التي تساعدنا في صياغة استجابات خلاقة وحقيقة لتحدي الانقسام والفرقة ويكون من مهام هذه المراكز أمران هما:

 

1- محاربة منابع ومظاهر الأفكار الانقسامية في شتى مناحي الحياة الاجتماعية وحواضنها المختلفة سواء كانت الإعلامية والتربوية وخصوصا الدينية من زاوية رصد الخطاب الديني السائد في الكنائس والمساجد والحوز والفضائيات ومحاولة تصوبيه نحو دعم قيم التسامح والتعاون والتعايش.

 

2- وضع خطط ثقافية لنشر قيم الوحدة والعيش المشترك في الأجيال الصاعدة عبر المناهج التعليمية والبرامج الثقافية ووسائل الفن المختلفة من مسرح وسينما وتليفزيون.

 

المحور الثاني: ويتمثل في إنشاء فرق إطفاء سريعة الحركة تكون مهمتها الرئيسة إطفاء الحرائق الطائفية والإثنية التي تشتعل في المجتمع ومحاصرتها ومنع امتدادها إلى مناطق أخرى، و تشكل هذه الفرق من أطياف المجتمع المختلفة ويكون فيها لجان تقصي حقائق، و سفراء للنوايا الحسنة من الدعاة العقلاء من كل الأطراف، ووجهاء المجتمع، وكل من له تأثير على العقل الجمعي العام، و الهدف من هذه الفرق هو توفير حاضنة اجتماعية مدنية تسهر على ملف معالجة الحرائق الإثنية والطائفية والفئوية.

 

وفي الختام أعتقد أن هذين المسارين السابقين لو تم التعامل معهما بجدية واهتمام يمكن لمجتمعاتنا العربية الثائرة أن تقلع نحو فضاء الحرية والمساواة والعدالة متجاوزةً عواصف الفتن الطائفية التي تسعى الأطراف الخارجية لزرعها ونشرها في جسد المجتمع من أجل إجهاض حلم بناء شعوب عربية قادرة ومستقلة وحرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورات, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد