لا أنكر أن مسلسل «قيامة أرطغرل» وامتداده المؤسس عثمان شيق من ناحية الحبكة الدرامية والأداء الرائع لممثلي ومخرجي المسلسل، ولكن وجب علي كمشاهد الإشارة إلى بعض القيم السلبية الخطيرة التي يروج لها هذا العمل الفني. واضح أن المسلسل يحمل فكر الإسلام السياسي ويروج لمشروع توحيد المسلمين ومواجهتهم للعالم الخارجي كقوة متلاحمة، ولكن للأسف المسلسل يروج لقيم يدعي انتقادها بعض الإسلاميين أنفسهم كثيرًا. أسرد من هذه القيم خمسة:
1) استبداد الحاكم طالما يتحدث باسم الدين
من الواضح تمامًا أن المسلسل يعمل علي شرعنة استبداد الحاكم طالما يتحدث هو باسم الإسلام ويدعي أنه يعمل على نصرته. يظهر ذلك في شكل حكم أرطغرل واستبداده بقبيلته ومطالبته الجميع بالطاعة العمياء وألا يلقي المخالف عقابًا شديدًا قد يصل للقتل. يصور المسلسل هذا السلوك على أنه السلوك الصحيح من الناحية الأخلاقية مما يروج لفكرة استبداد الحاكم طالما هو متدين ويدعي استهداف رفعة شأن الإسلام. بالطبع هذا ينافي الأخلاق لأن الاستبداد السياسي والانفراد بالقرارات، وخاصة التي تؤثر على مصائر المحكومين، مرفوض بشكل مطلق ولا يوجد مبرر له تحت أي ظرف، وإلا سيأتي كل حاكم ويعلن نفسه الحاكم بأمر الله تحت ذريعة نصرة الإسلام، كما يحدث في ما يسمى بالمملكة العربية السعودية مثلًا.
2) الولاء الأعمى للقبيلة بغض النظر عن مدى صحة توجهاتها وأفعالها
يروج المسلسل لفكرة العصبية والولاء الأعمى للقبيلة. وهذه فكرة متخلفة لعبت دورا في مراحل تاريخية كانت تعمها الفوضي السياسية والصراعات الدموية، ولكن مع التطور السياسي والفكري اللذين وصل العالم لهما الآن، يعتبر الولاء الأعمى للقبيلة (أو للوطن، أو للأهل، أو أي كيان) انحياز غير مبرر يؤدي حتمًا إلى ظلم كبير.
3) الطبقية الجامدة
يتجلى الترويج للطبقية في المسلسل في صورة تفضيل أسياد القبائل وتثمين مشاعرهم وكرامتهم وحياتهم أغلي بكثير مقارنة مع عموم الناس. فحين يموت جندي عادي لا يهم ولا يلحظ أحد إلا أهل المقتول المسكين، ولكن إن مات أو حتي جرح أحد من الأسياد تقرع له الطبول وتقام له مراسم جلل ويصرخ منه الجماهير. هذا يرسخ مفهوم الطبقية وانعدام المساواة بين أفراد المجتمع.
4) الانتقام
يتردد كثيرا في المسلسل الهتاف «انتقام» مع أرطغرل رافعًا سيفه ويردد وراءه باقي القبيلة الهتاف كقطعان المواشي، مما يروج لفكرة الانتقام، والتي تعد فكرة تنطلق من العاطفة، وليس من العقل مما يدل علي بدائيتها وتخلفها. الإنسان (وبخاصة الحاكم) المتحضر المتمدن لا ينجرف وراء المشاعر والنزعات ويسعى للانتقام، بل يسعي لإقرار العدل وتحسين علاقاته مع محيطه الاجتماعي.
5) الخير المطلق والشر المطلق
يصور المسلسل الشخصيات بشكل حدي، إما أشخاص خيرون 100% أو أشخاص أشرار 100%. هذا يتضمن أن الأشخاص الخيريين فوق مستوى الشبهات، وبالتالي فوق المساءلة والشكوك، وأن الأشرار لا يأتي منهم أبدًا أي خير. هذا النظرة الحدية بعيدة عن الواقع الذي نعيشه، فكل الناس ترتكب الخير أحيانًا والشر أحيانًا، حسب هيكل الحوافز الذي يجدون أنفسهم فيه. وإن وجد أناس عم فيهم الخير أكثر من الشر، فهم أيضًا عرضة للإفساد والشر، وإن وجد أناس وصفو بالشر، فهم بالتأكيد يرتكبون بعض الخير أحيانًا. الخير والشر هو جزء أصيل في نفسية كل فرد.
الدراما هي مربي ومطور في المجتمع، كالمدرسة، وكالأسرة، ويجب التشديد على القيم التي تروج لها وتزرعها في النفوس. وبخاصة في نفوس صغار السن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فاسدة, قيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد