هذا المقال لا يتبنى أي توجه سياسي أو عقدي يبشر به، ولكن يطرح تساؤلا موضوعيا لا يندرج في خانة الفصل بين الدعوي والسياسي: لماذا ينشأ الفساد في البيئة العربية الإسلامية رغم الموروث الديني المجرم للفساد والمشرع للعقوبات ضده؟

يعاني العالم الإسلامي اليوم من محن، لعل من أهمها استشراء ظاهرة الفساد الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة في حجمه وتنوعه، وآثاره المدمرة على اقتصاديات هذه الدول، واتخذ عدة صور ومظاهر وأشكال.

فما كان مغيبا من قبل ويُحرم الحديث حوله، أصبح يجد الاهتمام من طرف الباحثين والخبراء والمنظمات الدولية المختصة بظاهرة الفساد، ولعل أبرز هذه المنظمات «منظمة الشفافية الدولية» من خلال إطلاقها لمؤشر مدركات الفساد، وهو مؤشر سنوي تصدره المنظمة بحيث يعتمد على فحص واقع الفساد في القطاع العام لدى الدول المشمولة في المؤشر والتي يبلغ عددها هذا العام 168 دولة، وتعتبر مصادر بيانات ومعلومات المؤشر متنوعة من أراء الخبراء من القطاع العام والخاص. وأشار تقريرها الصادر مؤخرًا، بأن مستويات الفساد وسوء استخدام السلطة ما زالت مرتفعة، فقد حصلت 85% من الدول العربية التي شملها المؤشر وعددها 13 دولة على درجة أقل من 50% على المؤشر.

حيث بين التقرير أن ثلث الفساد المالي مركزه الوطن العربي، ونصفه في العالم الإسلامي، وأن حجم الفساد المالي في العالم بألف بليون دولار، منها ثلاثمائة بليون في الوطن العربي وحده، أي أن حجم الفساد المالي في الوطن العربي يساوي ثلث الفساد العالمي، فإذا أضفنا حجم الفساد في الدول القائمة في العالم الإسلامي الأخرى فإن حجم الفساد في العالم الإسلامي يتجاوز نصف الفساد العالمي، والفساد المقصود في هذا التقرير ينحصر في سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية، فكيف لو تحدث التقرير عن أنواع الفساد الأخرى الأخلاقية والبيئية والإدارية.

هذه الأرقام الصادمة ليست تونس بمعزل عنها، فهي مثال جيد كأحد الدول التي أصبح الفساد مشكلة خطيرة وظاهرة سرطانية يهددها منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد أن تفشت جرائمه وزادت معدلاته زمن النظام الديكتاتوري الذي أطاحت به الثورة، حيث إنه كان السبب الرئيسي لعدم المساواة والحيف الاجتماعي واحتكار الثروات من قبل مجموعة محظوظة من الناس على حساب بلد بأكمله.

المؤلم أن كثيرا من خبراء والمختصين يرون أن الفساد في تونس، استفحل بعيد الثورة جراء تراخي الحكومات المتعاقبة وتخاذلها في معالجة المسألة وغياب الإرادة السياسية في مكافحة هذه الظاهرة، إضافة إلى ما وصفوه بـ«ضعف الدولة وبروز العصابات الجديدة في المجالات كافة«، وهذا يعود أساسًا إلى قصور التدابير التقليدية لعلاج مشكلة الفساد من ضعف وعجز وانعدام فاعليته لتنفيذ التشريعات والقوانين الجزائية، وضعف آليات المساءلة والشفافية. ما أدى إلى انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية وقطاع العام والوظيفة العمومية والقطاع الخاص، وتحوله أي الفساد إلى سلوك متعارف عليه لدى التونسيين.

فالأرقام خير مثال، فتونس احتلت المرتبة 76 من مجموع 168 دولة بخصوص مؤشر مدركات الفساد لسنة 2015 مقارنة بسنة 2014. مما جعلها تتقدم نحو الفساد بثلاث مراتب، خاصة وأنها تشهد تراجعًا في المؤشر منذ الثورة حيث كانت تحتل المرتبة 59 سنة 2010 والمرتبة 73 خلال 2011. إلا أنها تحصلت على 38 نقطة من أصل 100 نقطة السنة الماضية مقابل 40 نقطة سنة 2014، علما بأنه كل تتراجع في عدد النقاط يجعل من تلك البلد أكثر فسادًا.

إن الحديث عن الفساد لا يخص مجتمعا بعينه أو دولة بذاتها, وإنما هو ظاهرة عالمية تشكو منها كل الدول، ولكن كل من الدول الناجحة جعلت من مكافحته ثقافة ترسخت في المجتمع، فلا تستطيع أن تجد من يُبيِّض الفساد في السويد أو النرويج أو اليابان، رغم أنها الأقل تدينا، ولكن هذه الدولة (تونس التي يدين أغلب سكانها بالإسلام ولا يخلو خطاب الماسكين بزمام الحكم فيها منذ اندلاع الثورة بآيات الذكر الحكيم واستحضار سير الخلفاء والصالحين وبضرورة السير على منهاج النبوة من خلال أن السياسة أخلاق أو لا تكون، والعدل الاجتماعي و…) ، لا تخطئ عيني الناظر إليها صور الخلل، والمفارقات الكبيرة، والمباينات الشاسعة بين واقع المجتمع التونسي ومنهج الإسلام دينه الرسمي الذي ذكر الفساد في قرآنه الكريم بلفظه 6 مرات «فساد» فيما يصل العدد الكلي لكلمات جذر الفساد «فسد» إلى 50 مرة في إحدى وعشرين سورة قرآنية تحذر من شيوع الفساد وانتشار مظاهره في جهاز الحكم والإدارة.

إن الله سبحانه وتعالى حذر من أن من أهم أسباب انهيار الأمم وزوالها وتفككها وتفسخها، شيوع مظاهر الفساد في الدولة قال تعالى «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» (الإسراء / 16).

بيَن الإسلام في تأصيله النظري للفساد ومظاهره ونتائجه، بأن رابطا بين الفساد وشيوعه من جهة وبين تفكك الأمم واضمحلالها من الجهة الأخرى، في علاقة سببية لا ينفع معها كون هذه الشعوب مسلمة أو غير مسلمة حتى أن ابن تيمية يقول «أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل أكثر مما تستقيم مع الظلم، فالله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة المترفة والفاسدة وإن كانت مسلمة، فالدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام».

فهنا أستحضر ما قاله لي أحد الأصدقاء بأن الناظر يرى صور الانحراف كثيرة وعميقة في تونس المسلمة والديمقراطية، ومتعددة الأمثلة وبيّنة فيما تبديه من ممارسات ظاهرة أو مستترة، حتى إن الإنسان إذا أمعن في جمع هذه المتفرقات، وأكثر من حشد الأمثلة والصور ظهرت حينئذ ربما صورة مفزعة، تجعل اليأس يدب إلى النفوس، ويوهن من عزائمها وبالتالي نجد أن هناك انفصامًا بين المجتمع ودينه بين النظرية والتطبيق، وبين التصور والسلوك، وبين القناعات والأداء، ومرد هذا إلى ضعف التدين وغلبة الهوى والسعي واللهث نحو تحقيق المصالح الشخصية، إضافة لضعف الرقابة الداخلية ورقابة المجتمع لنضيف إليها غياب الإرادة السياسية الصادقة، والإطار التشريعي والقانوني لمكافحة الفساد، إضافة إلى وعود المترشحين للانتخابات الماضية (الحكام الجدد وسابقيهم) والتي تعلقت بمحاربة الفساد وبقيت حبرًا على ورق.

إن جزءا من عبثية هذا الواقع تلخصها قصة «قانون مصالحة الفاسدين والمفسدين». سنة ونصف من الإصرار على تمريره رغم أنوف الجميع. ورغم إصرار الجميع كل مرة على إسقاطه في الشارع والمجلس وهيئات التحكيم المختلفة ما زال المدافعون عنه (الائتلاف الحاكم) يتحايلون، تارة على النص بزعم تعديله وتارة على رافضيه بالتعتيم على مواعيد طرحه. وآخر محاولاتهم في غمرة رمضان والصيف والركود والحر الشديد. كأنه صار شرطا لبقاءهم. أو ربما كان شرطا لوصولهم.

هذا المشروع «قانون المصالحة الاقتصادية والمالية» الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية هذه الأيام، لمصالحة الفاسدين يرسل إشارة واضحة مفادها أنه سيتم التسامح مع الفساد دائما وأبدا، وأن سرقة المال العام ونهب موارد الدولة هي جزء من تاريخ تونس يكرر كل فترة وحين. وأن جوهر الثورة التونسية -التي اندلعت بحركة يائسة من رجل واجه ظلمًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا-، ليست سوى تحالف الأضداد بوصول الشيخين لسلطة الحكم ومصالحة الفاسدين والمفسدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فاسدون
عرض التعليقات
تحميل المزيد