يتمنون عدم انتهاء الحروب والصراعات، ما أن تشتعل أزمة في مكان ما من العالم، حتى يبدأوا بالاستعداد وجمع المعلومات، ترتعد فرائصهم التسويقية، ويبدأوا بالتحضيرات استجابةً للأزمة الجديدة.

لست أتحدث عن تجار السلاح، ولا عن أجهزة المخابرات الدولية، كما أنني لم أعن منظمات الجريمة والإرهاب العابرة للحدود، أو لوبي حكماء صهيون الذي يحكم العالم من خلال مؤامرات سريّة. وما عدا الأخير (لعدم إيماني بوجوده أصلًا)، فإن الذين عنيتهم قد يشملون كل ما سبق، وربما كانوا أكثر خطورة منهم جميعًا.

أطلق عليهم الزميل جو حمورة مصطلح: (عثث المجتمع المدني)، كما استفاض المدون عساف العساف في  وصفهم بمقال بعنوان (الإنجي أوزيون الجدد) وكل تلك الأوصاف في الحقيقة لا تفي هؤلاء حقّهم.

من المهم أن أشير  في بادئ الأمر إلى أنني لا أقصد تعميم محتوى هذا المقال على كافة منظمات المجتمع المدني والعاملين في القطاع الإغاثي؛ ذلك لأن العديد منهم يقوم بمهمات إنسانية عظيمة يغيرون من خلالها حياة الكثيرين للأفضل، لكن وبالمقابل، فإن جزءً ليس بيسير من العاملين في حقل المجتمع المدني يعتاشون منه دونما أي اعتبارات إنسانية، وفي الكثير من الأحيان دونما أي كفاءة أو مؤهل، والمفارقة أن المنظمات كثيرًا ما تغض الطرف عن تلك التجاوزات التي يرتكبها هؤلاء، بشكل قد يوحي بمعرفة ودراية ضمنية.

منظمات المجتمع المدني أساسها ودورها في حقل العلاقات الدولية

ظهر مفهوم المنظمات غير الحكومية لوصف فواعل لا تنتمي لأي من البلدان (نظريًا)، ولكنها تؤثر في العلاقات الدوليّة، ويتم إنشاؤها لأغراض معينة، فهي بذلك تشبه الشركات الربحية التي تمتلك رؤيا ومهمة وأهداف قصيرة وبعيدة الأمد.

كانت البداية تشكيل منظمة عصبة الأمم بدعوة من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي ارتأى فيها بديلًا عن نظام توازن القوى الذي ساد أوروبا وأدى لنشوب الحرب العالمية الأولى، ومن المثير للسخرية أن كلاًّ  من ويلسن وفرانكلين روزفلت الذي تلاه في رئاسة الولايات المتحدة قد فشلا في إقناع الكونجرس الأمريكي بوجوب الانضمام إلى عصبة الأمم؛ مما تركها جهازًا عاجزًا عن تحقيق أي من أهدافه، لحين اندلاع الحرب العالمية الثانية وتمخضها عن الاستبدال بعصبة الأمم ما يعرف اليوم بمنظمة الأمم المتحدة، والتي تحمل هدف تنظيم العلاقات الدولية والحفاظ على الأمن والسلم العالميين من خلال عمل أقسامها الرئيسة الستة، وما ينبثق عن كل منهم من أجهزة ومؤسسات ومنظمات تنضوي تحت ألوية العمل الإنساني.

ومع أن العديد من المنظرين ورجال السياسة يرون أن البشرية قد قطعت شوطًا كبيرًا في طريق إحلال السلام العالمي من خلال تشكيل الأمم المتحدة، إلا أن نجاحاتها ونفوذها وفاعليتها قد بقيت نسبية، كما بقي دورها محدودًا في معظم النكبات والأزمات الإنسانية التي عاصرت اندلاعها.

ومع ظهور الاتحاد الأوروبي كفاعل جديد في السياسات الدولية، وبسبب تأثيرات العولمة بدأت العديد من منظمات المجتمع المدني الرديفة بالظهور، ليأخد بعضها طابعًا عالميًا، ويبقى نشاط البعض الآخر محليًا ومحدودًا ضمن إحدى الدول.

منظمات المجتمع المدني فساد منقطع النظير في حفظ الأمن والسلام الدوليين

طالت اتهامات الفساد العديد من منظمات المجتمع المدني وصولًا إلى الأمم المتحدة ذاتها، فقد صدر الفيلم الهوليودي Backstabbing for Beginners في مطلع العام الحالي (2018) والذي يتحدث عن حجم ومستويات الفساد في برنامج النفط مقابل الغذاء الذي كان مفروضًا على العراق، حيث وصل حجم الفساد لثلث عائدات البرنامج، برقم يعادل 21 مليار دولار، وطالت الاتهامات شخصيات عديدة، من بينها رئيس البرنامج القبرصي بينو نسيفن.

ولم تقتصر تجاوزات موظفي الأمم المتحدة على الفساد المالي والإداري فحسب، إنما وصلت لحد ارتكاب جرائم الاغتصاب بحق من يفترض أنهن ضحايا نكبات وأزمات إنسانية، حيث يشير تقرير أعده أندرو ماكلويد المدير السابق في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن موظفي الأمم المتحدة ارتكبوا أكثر من 60 ألف حالة اغتصاب على مدار العقد الماضي.

لن أكتفي بهذا القدر من الملفات لأن كل ما ذكرته لا يمثل سوى قمة الجبل الجليدي، بينما يبقى معظمه مغمورًا بالماء، لذا أريد أن أطرح بعض الأمثلة التي قرأت أو سمعت عنها من أشخاص عملوا ضمن منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية، خاصة تلك التي تعنى بالأزمة السورية.

١- المحسوبيات واحتكار الوظائف وتشكيل التكتلات والعصابات: تحرص منظمات المجتمع المدني عمومًا على الظهور بمظهر كوزمابوليتي (أممي) لايميز بين الأشخاص بحسب النوع، الجنسية، لون البشرة، أوالأيديولوجيا، لكن في المقابل فكثيرًا ما سمعت عن أشخاص تم استبعادهم من إجراءات التوظيف، ليس بسبب نقص الكفاءة، وإنما لأسباب غامضة لا تمت للترشح الوظيفي بصلة، ومن المرجح أن معظم إجراءات التوظيف تلك شكلية، ففي الواقع نجد أن معظم الوظائف يتم توزيعها بشكل ممنهج على أساس المعارف والأصدقاء، أولًا ثم لاعتبارات الجنسية واللون، كما يمكن أن تكون الأيديولوجيا والانتماء السياسي من ضمن معايير الاختيار في بعض الأحيان.

٢- الفساد المالي والعمولات والتعاقدات: يمكن أن تظهر المناقصات وعمليات اختيار الموردين بمظهر مثالي وبأنها تتم وفقًا لمنظومة تراعي الكفاءة والفاعلية وتحافظ على أموال الجهات المانحة والمتبرعين، لكن وفي المقابل، ولأن تلك المنظمات تعمل في العديد من المناطق الساخنة، يصعب تعقب هؤلاء الموردين؛ مما يتيح فرصًا للفساد قد تتراوح بين تقاضي العمولات، وبين أن يأخذ المورد شكل شركة مساهمة مملوكة من قبل العاملين في المنظمة نفسها، وغالبًا ما تكون مسجلة باسم أحد معارفهم أو أقربائهم؛ كي لايلفتوا الانتباه.

٣- لعب دور سياسي واستخباراتي والتعامل مع الإرهابيين: حيث يمكن لتلك المنظمات التأثير في مجريات الأحداث من خلال الضغط على أطراف النزاع أو رشوتهم أو تفضيل طرف على طرف لاعتبارات سياسية قد تهم المانح، كما يمكن أن يقوم العاملين في تلك المنظمات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات التي تمس أمن الدول القومي، وفي بعض الأحيان قد قام العاملين في منظمات المجتمع المدني بالتعامل مع الإرهابيين وتقويتهم ولا تقتصر الأمثلة على الأزمة السورية، بل يمكن أن تمتد جذورها إلى أفغانستان، فلا يخفى الدور الذي لعبته كل من الولايات المتحدة ودول الخليج العربي في خلق ما يسمى بتنظيم القاعدة من خلال التبرعات التي كانت ترسل لأفغانستان بغرض تقوية المجاهدين الذين قاموا بمحاربة المد السوفيتي، عبر ما سمي آنذاك بمكتب المجاهدين، ويتحدث فيلم Charlie Wilson’s War عن قصة عضو الكونجرس الأمريكي تشارلي ولسن الذي كان ينظم عملية التبرعات، وبالنسبة للراغبين بالاطلاع على مرجع أكاديمي بهذا الخصوص فلا يمكن أن أجد أفضل من كتاب توماس هيغهامر (الجهاد في السعودية: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب).

كما قائمة التجاوزات تطول لتشمل الاستغلال الجنسي، واستغلال الأطفال، والاغتصاب، ونشر البروباجندات الكاذبة، وتزييف الحقائق، وتغيير الوقائع، ونشر التقارير الكاذبة، والتحيز، وعدم الموضوعية، والكثير غيرها، ومعظم هذه الجرائم موثقة بتقارير ومنشورة على الشبكة العنكبوتية.

في النهاية لا بد من الإشارة، إلى أن قسمًا كبيرًا من تلك المنظمات وحتى الجهات المانحة قد وضعت بالفعل معايير للشفافية والحوكمة، كما أنها قد بدأت برسم سياسات صارمة تتعلق بعدالة التوظيف، منع التحرش ومكافحة الفساد، وأوجدت إجراءات تهدف إلى التشجيع على الوشاية (Whistleblowing Policy) في حال وقوع أي من التجاوزات المذكورة مع التركيز على حماية الواشي.

إذًا فإن هذا المقال لا يعني بأن موقفي معادٍ لتلك المنظمات، إنما يندرج ضمن ما يمكننا أن نعتبره وجهة نظر نقدية بحتة لأنه وبتقديري الشخصي فإن هنالك حاجة ملحة للضغط شعبيًا وحكوميًا على جميع منظمات المجتمع المدني بهدف الالتزام بتنفيذ معاييرهم، وزيادة آليات الشفافية والحوكمة. ويمكن أن يتمثل الحل في إنشاء برلمان للأمم المتحدة يحمل صلاحيات واسعة بشكل مماثل لبرلمان الاتحاد الأوروبي (الذي أدت زيادة صلاحياته لاستقالة الجمعية الأوروبية بعد اتهامها بالفساد)  على سبيل المثال.

لكن إنشاء برلمان مماثل يبقى أمرًا مستبعد الحدوث بسبب قصور القانون الدولي الذي ينظم عمل ونشاط تلك المنظمات، من جهة وبسبب طبيعة تكوين منظمة الأمم المتحدة التي تراعي توازن القوى ومصالح دول مجلس الأمن والدول المانحة بالدرجة الأولى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد