أصبحت الحالة الصحية للاقتصاد المغربي متدهورة عند الفقراء وجيدة عند الأغنياء حد التخمة، فالتفاوت في أنماط التنمية كان وما زال نتيجة خلل في تدبير عمليات إنتاج واستهلاك وتوزيع الثروة الوطنية، الأمر الذي يخلق تذمرًا وسخطًا نفسانيًا ينعكس بالضرورة على السلوك الاجتماعي للأفراد، من جراء العنف البنيوي الممارس عليهم من طرف أجهزة الدولة، فيتجه «الغاضبون» بالضرورة لممارسة «عنف مضاد» سواء ضد أنفسهم من خلال تعاطي شتى أنواع المخدرات، أو ضد المجتمع من خلال الجريمة، أو ضد الدولة عن طريق تهديد السلم الاجتماعي، وبهذه الطريقة تتم مراكمة قاذورات التخلف في مزبلة التاريخ  المغربي.

إن المغرب الاقتصادي يفتقر لاستراتيجية للتنمية الشاملة في إطار إشراك ومشاركة جميع الطبقات الاجتماعية والفعاليات الاقتصادية في عملية إنتاج الثروة، وكذا توزيع ثمارها بشكل عادل على جميع شرائح المجتمع المغربي، وبالتالي، توجيه ثمارها لخدمة الاقتصاد الوطني، حتى يتسنى للمغرب تحقيق الانتقال الاقتصادي المنشود إلى مصاف الدول الصاعدة.

أما العمل في إطار البرنامج الدولي لتوزيع «العمل المتخصص» المفروض من طرف أسياد النظام الاقتصادي العالمي الجديد عبر قنواته المؤسساتية الدولية، فلا يكرس سوى ثقافة وقيم الرضوخ إلى سياسات الرأسمالية العالمية والاحتكارات الكبرى المتخصصة في صناعة ما يسميه سمير أمين بـ«التنمية الرثة».

تشير جميع التقارير الدولية المبنية على إحصائيات موضوعية إلى أن الاقتصاد المغربي هو اقتصاد ليس بالصاعد ولا بالنامي، بل هو اقتصاد متخلف، نظرًا للأهمية التي يشغلها الاقتصاد غير المهيكل في الناتج الوطني الخام. وفي هذا السياق، يمكن للباحث الموضوعي الجاد أن يستعين بالقيمة الدلالية لمفهوم «التنمية الرثة»، لتوصيف ذلك الفشل الهائل الذي يعرفه النموذج التنموي المغربي، فثمارها تقطفها حصريًا المراكز الإمبريالية ومندوبوهم الوطنيون على أرض «الأطراف» التابعة لهم، أولئك الذين رسموا استراتيجية الإفقار الممنهج المرتبطة بـ«المنطق الأحادي للتراكم الرأسمالي»، القائم على مبدأ «احتكار التنمية» على حساب تنمية مجتمعات «دول الأطراف»، التي عرف اقتصادها نموًا هائلًا لأنشطة اقتصادية جانبية غير منظمة، تحقق على الأقل لممارسيها الاستمرار على قيد الحياة داخل إطار ما يسمى بالاقتصاد غير المهيكل.

وبكلمة واحدة، تعد «التنمية الرثة» نتيجة حتمية لتبعية نخبنا السياسية والاقتصادية التابعة للدوائر الإمبريالية ولوبيات الفساد التي تتعيش من عائدات «اقتصاد الريع» وعدم جدية المؤسسات السياسية والرقابية المغربية بمعية النسيج المدني في محاربة الفساد والمفسدين.

أسباب التخلف كثيرة،من بينها وجع «الإنسان الفاسد»، حيث تكمن مسؤولية العنصر البشري المشرف على تدبير اقتصاد البلاد، والذي يعاني من «دودة الفساد» التي تنخر عقله التدبيري، متسببة في أمراض متنقلة اجتماعيًا، كغياب الأخلاق المهنية بأبعادها المعرفية والسلوكية، باعتبارها أخلاقًا لازمة لعقلنة وترشيد الموارد الطبيعية والبشرية الضرورية لإنتاج الثروة الوطنية، وتوزيعها بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع.

يعتبر الفساد ظاهرة قديمة قدم الحضارة، فالعبارة السائدة بين صفوف الفاسدين «من يعمل في معمل العسل يستحيل أن لا يذوق منه» تعود جذورها التاريخية للوح وجد في ركام الحضارة الهندية قديمًا. كما أن من بين المحاولات الدؤوب لتعريف مفهوم الفساد، نسجل محاولة منظمة الشفافية الدولية التي حصرت ممارسة الفساد في القيام بعمل «يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته»، و رغم المحدودية الدلالية لهذا التعريف، فإن معظم المؤسسات الاقتصادية الدولية عرفت الفساد انطلاقًا من الممارسات الفعلية على أرض إدارة المصلحة العامة، وبالتالي يمكن تعريف الفساد من خلال مظاهره المتجلية والخفية، ومنه: يصبح فاسدًا كل من مارس شططًا في استعمال سلطة ممنوحة له تعيينًا أو انتخابًا، سواء في مجال المال العام أو في مجال استغلال النفوذ.

كما يمكن تحديد أبعاده – الفساد – من خلال تشخيص أعراضه المستشرية في المجتمع الإداري المغربي والتي يمكن سردها في التالي: التهاون في تطبيق مبدأ دولة الحق والقانون وتطبيقه فقط على البعض دون الآخر، والمحاباة من أجل مصلحة شخصية على حساب المصلحة العامة، الرشوة والمحسوبية، وغياب مبدأ تكافؤ الفرص وإقصاء الكفاءات المؤهلة، تفويت الملك العمومي بطرق غير قانونية وغير شفافة، التلاعب بالصفقات العمومية، اختلاس المال العام، الاستقواء بالموقع السياسي قصد الحصول على امتيازات اقتصادية بشكل غير قانوني… إلخ.

في زمن «الربيع الديمقراطي»، ولمواجهة مظاهر الفساد، نزل الشباب المغربي المتعلم من منصة «العالم الافتراضي» إلى ساحات التغيير وميادين التحرير، وعوض أن يركب الشباب المختنق بدخان نار «الفساد الاقتصادي» قوارب الموت، ركب أمواج الاحتجاجات السلمية للتعبير عن سخطهم على زبانية النار التي التهمت أدوات الإنتاج وقنوات تمويل أنشطتها الخلاقة للثروة الوطنية. مما أدى إلى معاناة سيزيفية يتحمل عبء سخرتها رجال الغد المتطلعون لإرساء قواعد العدالة الاجتماعية بوطنهم المحروق، متشبثين بشراع «حركة 20 فبراير» الذي رفرف في علياء بحيرة المغرب السياسي الآسنة، مرددين أهازيج الحرية والكرامة على إيقاعات طبول محاربة الفساد والاستبداد. فتزعزعت أركان معبد الفساد ومصالح كهنته بمختلف درجاتهم في السلم الفسادي، فرد الاعتبار لمبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة» قانونيًا وإعلاميًا بعدما كان موؤودًا في تربة رفوف الإجراءات التنظيمية.

بعد أن رفعت الحركة الاحتجاجية المغربية شعار «الشعب يريد إسقاط الفساد»، تساءل البعض عن المعنى الحقيقي للفساد الذي أخر تقدم «المغرب الاقتصادي»، وجوابًا على ما سبق، يمكن القول إن الفساد الإداري والاقتصادي لا يعني إهدار المال العام، واستغلاله لأغراض شخصية تحت ذريعة خدمة الصالح العام فقط، الفساد هو اختلال أخلاقي لفرد مريض ينعكس سلوكه اللاأخلاقي على المجتمع برمته، من خلال تعثر عجلة التنمية المجتمعية اقتصاديًا، كما يساهم في هدم منظومة القيم الأخلاقية المجتمعية ثقافيًا. وبالتالي، يجب أن نقارب موضوع الانهيار القيمي في الممارسة السياسية والإدارية مقاربة فكرية، كما تجدر الإشارة لوظيفة المثقف في مكافحة الفساد على الواجهة الفكرية، ومحاولة تفكيك الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الممارسة الإدارية الفاسدة والمفسدة للمجتمع، عبر محاولة فهم الخيط الناظم بين النظرية والممارسة الفاسدة.

إن الثقافة الاجتماعية المؤطرة للسلوك الفاسد لدى أفراد المجتمع، تنتشر كالنار في الهشيم في الوجدان الشعبي واللاشعور الجمعي، فتصبح المقاربة القانونية الزجرية غير قادرة على الحد من استشراء نار الفساد في الفضاء العام بمؤسساته العامة والخاصة والمدنية. فهل يمكن لنا أن نحقق التوازن الاجتماعي بناء على أخلاق نبيلة؟

تعتبر الأخلاق بمثابة الكوابح التي تحول بين الإنسان وسلوكه الهدام تجاه نفسه ومجتمعه في إطار الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع والتحلي والتزين بقيم احترام الواجب العام والقيام به على أكمل واجب في سبيل الرقي بالفضاء المشترك الذي يجمع الجميع، وقد أشار أحمد شوقي مؤكدًا على ضرورة القيم الأخلاقية في بناء الأمم من خلال بيته الشعري:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

لكن، يؤسفنا أن نشير إلى أن «الضمير المهني المغربي» أصبح ضميرًا غائبًا عن صناعة سلوك إنساني مستقيم، ومستترًا عن واجهة العلاقات الإنسانية، كما غاب دور المؤسسات المجتمعية التربوية في تكوين أفراد مشبعين بقيم المواطنة الحقة وأخلاق الاستقامة ومناهضة الفساد.

فما أحوجنا في أيامنا هذه لتدريس «مادة الأخلاق» نظرية وممارسة داخل مؤسساتنا التربوية، فأزمتنا الأخلاقية ليست مرتبطة بالقول بالأخلاق وإنما بالعمل بها، كما يجب التأصيل النظري لنظرية أخلاقية جديدة تقوم على نقد ثقافتنا الأخلاقية القائمة على «أخلاق الخوف» من عذاب النار أو «أخلاق الطمع» في جنة الفردوس التي لم تفلح في تجاوز عثرة منظومتنا الأخلاقية القائمة على الدين. يجب ربط الأخلاق الفردية بالأخلاق الاجتماعية، والتأسيس النظري لأخلاق المسؤولية تجاه الذات والمجتمع، بعيدًا عن فكرة نسبية الأخلاق وربطها بالمصلحة.

كما يجب محاربة ذلك «السياسي» الذي يعيش بِالسياسة ومنها، وصناعة «السياسي» الذي يعيش للسياسة، ذلك السياسي الأصيل الذي يعيش يوميًا «غصة أخلاقية» قائمة على مبادئ راسخة (رئيس الأوروغواي السابق أنموذجًا).

إن النظرية الكانطية في الأخلاق تقوم على قاعدة أخلاقية أساسية، توجه السلوك البشري على المستوى العملي في حياة الفرد اليومية، محورها «احترام الذات والآخرين» وعدم استغلال الآخرين أو حوسلتهم – تحويلهم لوسيلة – لتحقيق أهداف الذات النرجسية.

وبناء على هذه النظرية تصبح الأخلاق أحد مظاهر الضبط الاجتماعي لدى الأفراد، وتشكل دافعًا ومحركًا، وتعمق لديهم إحساسهم بالانتماء إلى مجتمعهم، كما تساعدهم على التكيف مع واقع المجتمع الذي يعيشون فيه، وبالتالي خدمته بشكل خلاق.

إن المجتمعات المزدهرة تقوم على أسس مؤسساتية حديثة، يمكن تلخيص آخر ما توصل إليه العقل السياسي الإنساني في مفهوم «دولة الرفاه»، الذي يقوم بدوره على التدبير العقلاني والراشد لمقدرات المجتمعات، من خلال نخبة سياسية تسهر على خدمة الشعب الذي فوضها ديمقراطيًا لتسيير شؤونه العامة، وكذا مساهمة كل أفراد المجتمع كل من موقعه الاجتماعي في بناء فضائهم العام المشترك، وذلك بمشاركتهم وإشراكهم في إطار مناخ صحي يقوم على تكريس ثقافة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» في التعاطي مع المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، ويجعل صلاح الفرد في صلاح المجتمع بناء على فكرة أن «الفضاء العام» هو ملك للجميع، والمساهمة بشكل جماعي في ترشيد الثروة العامة، وتتبع تدبيرها، والتدخل عبر الآليات المؤسساتية هي مسؤولية الجميع، وعندما يصبح الإنسان غير قادر على الخضوع للقواعد والمبادئ المجردة الكفيلة بتكبيل سلوكه الفاسد والمفسد للمجتمع، يلجأ المجتمع للقانون كآلية لتجذير الأخلاق في سلوك الإنسان الذي يفتقدها، حيث يتم الضرب على يد كل من تخلف عن الالتزام بـ«الواجب العام».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد