دائما ما نتحدث عن الفساد في بلادنا ونقول إنه نتاج أربعين عامًا مضت، بينما يراه بعضهم نتاج ستين عامًا، وبعضهم يقول إنه في عهد مبارك فقط كل حسب هواه وحسب ميوله الشخصية وآرائه التاريخية لكن في حقيقة الأمر الفساد المالي والإداري في مصرنا المحروسة عمره من عمر الأهرامات الثلاثة، بل ربما من قبلها الله أعلم، لكن من المؤكد أن الفساد قديم قديم في بلادنا.

الفساد كظاهرة لا يخلو منها مجتمع، وقد عانت من مساوئها كل الحضارات البشرية؛ فهي ظاهرة ذات جذور عميقة تأخذ أبعادًا واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها وتختلف درجة انتشارها من مجتمع لآخر وكذلك من فترة زمنية لأخرى.

في مصر صور الفساد المالي والإداري الموجودة اليوم نفسها هي الموجودة منذ مئات السنين من الرشوة وبيع الوظائف والاختلاس والإهمال في العمل وتزاوج السلطة برأس المال، فساد من قبل الحكام يكتوى بناره المحكومين ولا يملكون إلا أن “يصبروا على جار السو” فمقاومة المصريين للفساد مقاومة ضعيفة في أغلب الأحيان؛ لأنهم وللأسف سرعان ما ينغرس بعضهم في ذلك الفساد بطريقة أو بأخرى.

ربما أبدو متحاملاً في وجهة نظري تلك، لكن بنظرة سريعة في تاريخنا الطويل سنرى صورًا عديدة من الفساد في مختلف عصور مصر، بالطبع ما سنذكره سيكون على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وربما ما نجهله يفوق بكثير ما نعلمه من تلك الأمثلة والمظاهر وسنعمد لذكر تلك الأمثلة من العصور التي كانت فيها الدولة قوية، ولن نحاول أن نتذكر مواقف من الوقت الذي اتسمت فيه الدولة بالضعف، لأن من البديهي وجود الفساد في دولة ضعيفة.

لعل أول قصة من قصص الفساد في مصر تطالعنا في العام 2200 ق.م تقريبًا وهي قصة الفلاح الفصيح، تلك القصة المشهورة التي تتلخص في:

أن فلاحًا فقيرًا يدعى خون-انوب  كان يقطن قرية تسمى حقل الملح قاد قطيعًا صغيرًا من الحمير بحاصلات قريته وسار به نحو المدينة يريد أن يبيع حاصلاته، وكان الطريق يحتم عليه أن يمر بضيعة موظف فاسد لدى الوزير الأول للفرعون وعندما رأى هذا الموظف الفلاح وقطيعه دبر حيلة لاغتصاب القافلة بما عليها، فقام بإغلاق الطريق بصناديق الكتان ليضطر الفلاح أن يعبر الطريق من خلال النزول لحقل ذلك الموظف الجشع المزروع بالقمح وتقوم الحمير بالتهام بعض سيقان القمح فتهيأت بذلك الفرصة للمدعو (تحوتى ناخت) لكي يستولي على القافلة، صحيح أن الفرعون علم بالقصة من خلال رسائل الفلاح التي أُعجب الفرعون بفصاحتها ورد الفرعون على الفلاح قافلته غير أن هذا لا يمنع أن  تكون هذه الحادثة قد تكررت قبل ذلك، ولم يكن فلاحها فصيحًا.

وبمرور العصور ظل الفساد موجودًا؛ فهو وإن وُجد في ظل الحضارة المصرية القديمة التي تعتبر أزهى حضارات وقتها فهو بالأحرى موجود في العصور التي تلت انهيار الحكم المصري القديم ودخول مصر تحت طائلة استعمار من جنسيات وأعراق متعددة.

وبمرورنا في فترات التاريخ سنصل إلى العصر الإسلامي في مصر، ذلك العصر الذي شهدت مصر فيه طفرة جعلتها مع ميلاد الدولة المملوكية قوة عظمى في العالم وقبلة العالم العربي والإسلامي.

لكن سنجد  أن الفساد معنا يلازمنا، وهنا تستوقفني قصة بعينها حدثت سنة 311هـ في الفترة بين قيام الدولة الإخيشيدية وانهيار الدولة الطولونية، والقصة يمكن أن نقول إنها تحدث حتى يومنا هذا، ودائمًا ما شكونا منها، في ذلك العام كان عامل الخراج في مصر هو أبا علي الماذرائى وهو من أسرة اشتهرت بقيامها بالأعمال الإدارية في الدولة، وكان مركز الخلافة في بغداد قد اتخذ نظامًا يشبه ما نسميه الآن نظام التفتيش؛ حيث يرسل أحد كبار الموظفين للبحث في الشئون المالية والإدارية لمختلف الولايات ومراجعة عمال الخراج وكان المرسل من بغداد في هذا العام علي بن عيسى، ومفاد القصة أن ابن عيسى مر بأحد الجسور فقدر نفقته بعشرة دنانير، ووجد عمال الخراج يحتسبونه بستين ألف دينار، فسأل ابن عيسى عن ذلك فطلبه الماذرائي منفردًا لتوضيح الأمر، وقال له ما ملخصه بأن راتبه ثلاثة آلاف دينار، وأنه يحتاج للعمال والخيول والملابس التي تليق بمنصبه، وهو كذلك يحتاج لإرسال الهدايا للوزير والخليفة في بغداد وأتباعهما ومن يأتيه من موظفي دار الخلافة برسائل أو غيره، فهو يحتاج للإنفاق على إقامته وألمح له بأنه أرسل له هو ولأولاده الهدايا، وهنا صمت ابن عيسى لاقتناعه بحجة الماذرائي.

قصة أعتقد أننا لو غيرنا الأسماء والتاريخ سنجدها بيننا.

ونمضي في رحلتنا حتى إذا ما ذهبنا لعصر الفاطميين سنجد الفساد موجودًا، ولن نشير لحوادث كثيرة بل سنشير فقط إلى أن مقتل الوزير الأفضل بن بدر الجمالي حوالى سنة 515هـ  استغرق  فقط نقل تركته من منزله حتى دار الخلافة أربعين يومًا!

والحادث نفسه سنجد شبيهًا له في العصر المملوكي في زمن السلطان الناصر محمد الذي يعد من أعظم سلاطين المماليك، ويعتبر عصره عصر رخاء وتنمية، فعندما قتل نار الخاص النشو أُقيم لبيع ثروته 29 حلقة مزاد هذا بخلاف العقارات.

وناهيك عن بيع المناصب بالمال حتى منصب القضاء دخل ضمن ما يُباع حتى إن بعض المؤرخين كانوا يتعجبون من تولي أحد وظيفة دون أن يكون قد بذل فيها المال.

مع بناء مصر الحديثة على يد محمد علي لم يترك الفساد مصر ويهاجر بل ظل موجودًا، وتشير المصادر إلى وقائع فساد متعددة، وكان من أبرز أسباب الفساد وقئذ عدم ثبات قيمة الموازيين وعدم ثبات قيمة العملة وضعف مرتبات الموظفين، ومن وقائع الفساد الموجودة معنا مثلاً أن صراف قسم المنصورة أخذ من مال الدولة 100 كيس ليشارك أحد اليهود في التجارة على أن يردها عند إغلاق الحساب، وكان بعض المشايخ بالتآلف مع القائمقام يقومون بالاستيلاء على ممتلكات الأهالي مثلما فعل شيخ قرية ديونه بالغربية بالتحالف مع القائمقام حيث استولى على طاحونة أحد الأهالي وباعها بمبلغ 250 ريال: وغيرها كثير من الوقائع.

وآخر مشهد سنتوقف عنده هو للرئيس جمال عبد الناصر في أحد خطاباته وهو يتحدث عن الفساد في مصر وأشار إلى وجود اختلاس من قبل بعض الموظفين الفاسدين.

بقي أن نشير في النهاية أن تلك الوقائع التي ذكرناها كانت مجرد أمثلة وليست حصرًا بكل الوقائع ونشير أيضًا إلى أن الدولة كانت  تحارب هذا النوع من الفساد في عصور قوتها التي تكلمنا عنها؛ فالفساد موجود دائمًا لكن هناك حاكم يحاربه فيندحر الفساد، وهناك حاكم يتركه فيزيد الفساد، وحاكم هو فاسد بطبعه فيتغول الفساد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفساد, مصر

المصادر

ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور.
أبو المحاسن: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
أيمن فؤاد سيد: الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد.
رزق نورى: الفساد في عصر محمد علي.
سليم حسن : موسوعة مصر القديمة.
سيدة إسماعيل الكاشف: مصر في عهد الإخشيديين.
عرض التعليقات
تحميل المزيد