في المقدمة أريد أن أنوه لشيء، صدقوا أن هناك فئران (آفات) تنهش في المجتمع، صارحوا أنفسكم.

في مملكة (سبأ) اليمنية، تحديدا في عهد الملك عمرو بن عامر بن ماء السماء، حيث كان يستعين بكهنة مملكته في ما يتعلق بشؤون الملك، بما يشبه اليوم المستشارين سياسيا.

ذات يوم حلم الكهنة أن الأرض ستضرب بغضب من السماء وتحل الكارثة على المملكة السبأية إذا استمرت بظلمها وطغيانها، لم يعطهم الملك أي نوع من الاهتمام.

في الوقت ذاته كان سد مأرب يتصدع بسبب الفئران (آفة) تنخر بالعوارض الخشبية التي حمت سكان سبأ من الفيضانات طوال فترة حكم أبناء سبأ، الفئران كانت تنخر الجدار بحوافرها وأسنانها، وتزيد من سرعتها كلما زاد الظلم والعناد، والقوم بين جنتيهم في طغيانهم يعمهون، هل هي استهانة من القوم بالفأر، أو أنهم لم ينتبهوا لشرورهم فانهار السد، واندفعت المياه لتنهي واحدة من أعظم الممالك في ذلك العصر، «مملكة سبأ».

و«تفرقوا أيدي سبأ». بعدما اجتمعوا في محيط واحد، تفرقوا وأخذ كل واحد منهم طريقا أنهى رواية سبأ.

ولنا في التاريخ وحكاياته عبرة، فالفساد في قطاع غزة «آفة» موجودة تشبه تماما جرذان سد مأرب، وكلما غابت القوانين والرقابة كثر الفساد وتفشى في كافة أضلع مؤسسات المجتمع سواء الرسمية وغير الرسمية، لحين ما تصبح ظاهرة نتعايش معها دون انتباه أن السد يُنخر، ودون مبالاة من أحد.

في لحظة ما سيحدث فيضان الفساد وتتمزق كل أواصل المجتمع، لو بقي البعض يطأطئ رأسه على فساد بعض المؤسسات وبعض الشخصيات، من منطلق المفهوم الخاطئ بأن السيئة تعم، لكن إذا تم اكتشافها في فترة مبكرة ستخص فقط، فلماذا لا نكشف عنها في بداية وقوعها حتى تضمحل وتنتهي، إن عدم الانتباه لآفة الفساد في المحيط الغزي والاستهانة به وعدم الكشف عنه، والإبقاء على ضخ الاستهلاكات الإعلامية بأننا نتعرض لمؤامرة، والظهور بمظهر الرداء الأبيض، سيصدع السد إلى أن ينهار ،كما حدث في مأرب.

قبل أيام أعد صحافي من قطاع غزة تحقيقا استقصائيا عن التحرش الجنسي والرشوة الجنسية في بعض المؤسسات بقطاع غزة، حقيقة إن الأمر غريب على مجتمعنا، ربما تكون هذه إحدى الآفات الخفية التي تنهش جدار السد، لكن الأغرب أن البعض لم يتقبلها وتعامل مع الموضوع وكأنه لم يوجد من الأساس، مع العلم أن هناك المئات من قضايا الفساد تحدث عنها صحافيون في عدة مواضيع مختلفة، تم التعامل معها بنفس الطريقة على أنها غير موجودة، وأن المجتمع خالٍ من الأمراض، وأننا نعيش في كنف الأفلاطونية الفاضلة (يوتوبيا).

في إشارة إلى أن المسؤولين عن تيسير أمورنا مفصومين عن الواقع، وصل التحقيق إلى درجة التهويل والفرضيات ومحاكاة المؤامرة، وتكهن البعض أنها محاولة لتشويه المجتمع، وما هي إلا محاولة للفت انتباه فأر الجدار، وأن الفساد في ظل الفراغ القانوني والغياب شبه الكامل له والتجاذبات السياسية يتغلغل في المجتمع.

في علم الاجتماع معروف بأن المجتمع الذي يعاني من ضيق في المحيط لا يصدق إلا نفسه ولا يقبل آراء وأطروحات الآخرين ، كذلك الأنظمة الشمولية التي تعيق المعرفة وتحجب المعلومات عن المواطنين، ما هي إلا حالة للبقاء والحفاظ على وضعها القائم، وأن المجتمع لا يعاني من أي نوع من الأمراض، سواء الفساد المادي أو الأخلاقي.

لماذا لا نتصارح مع أنفسنا قليلا كما تصارحت الغامدية مع نفسها وذهبت لرسول الله محمد؟

لم لا ندع الاستنكار ونذهب باتجاه تحديد المشكلة كأول خطوة في الحل، ومن ثم ننظر للفأر ونحاسبه ونحاسب أفكاره؟

الواضح أن الحدث التاريخي يتكرر ولكن ليس من نفس الأشخاص، من منا اليوم يشبه الغامدية في صدقها الذي أودى بها إلى الموت، والواضح أيضا أن الاستنكار ظاهرة اجتماعية نتجت من الأوضاع السياسية والاقتصادية، وما هو إلا محاولة لعدم وضع المستنكر في موضع الازدراء، أو لعدم جعله لقمة سائغة لخصم يناكفه بها. وتبقى مصائرنا وقضايانا ومظالمنا معلقة في الهواء، في حين أن الفئران تنخر في جدار السد، وسيسقط إذا لم نصارح أنفسنا.

هذا يعبر عن رأيي الشخصي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد