عزيزي القارئ يجب قبل كل شيء التنويه أن عنوان هذا المقال يحمل نبرة تحذيرية بالمقام الأول، وليس حكمًا باتًا على العلم أو العلماء بالفساد. فلا زال هناك من وجهة نظري، إذا انتبه المجتمع لوجود أزمة من الأساس، متسعٌ من الوقت لإنقاذ العلم ومنتسبيه من التورط أكثر ومن الغرق أعمق في وحل الفساد بالكامل وبالتالي التسبب بأضرار ربما يصعب في وقتٍ وجيز إصلاحها.

أيضًا من المهم قبل سرد الأدلة العديدة عن الفساد العلمي بحالات وأمثلة محددة، أن نشير إلى حقيقتين هامتين، أولًا أننا جميعًا كبشر لسنا معصومين من الزلل والنقص والخطأ، ولذا من غير المبرر إظهار الدهشة العميقة أو الصدمة الشديدة عند الدراية بفساد أي إنسان أيًا كان، فلا العالِم ولا الطبيب ولا الضابط ولا القاضي ولا حتى رجل الدين ملاك من السماء ولا نبي معصوم حتى نظل نحصر الفساد أو الإفساد تقليديًا فقط في السياسي، ونستثني أيًا من هؤلاء. ثانيًا أننا بإثارة هذا الموضوع نبتغي فقط دق ناقوس الخطر للجميع بأن هناك ورم خبيث كان دائمًا موجودًا يثور تارًة ويبقى كامنًا تارًة أخرى لكنه يتسارع بالنمو ويجب الشروع في علاجه فورًا قبل تضخم التأثيرات السلبية المترتبة عليه، أكثر مما نتج عنه بالفعل.

حيث أننا سنتحدث عن العلم الفاسد، فلما لا نعرج سريعًا على تعريف العلم السليم. فالعلم هو المعرفة التي تتراكم باستخدام المنهج العلمي الملتزم، على الأقل بمعظم، إن لم يكن بجميع العناصر التالية: (1) الملاحظة والمراقبة، (2) طرح الأسئلة والبحث، (3) وضع فرضية قابلة للنفي والإثبات، (4) التوقع والتنبؤ حسب الفرضية، (5) الاختبار والتجربة، (6) تحليل النتائج وإذا لزم الأمر تعديل الفرضية، (7) إعادة الاختبار والتجربة عدة مرات حتى تتطابق الفرضية مع النتائج، (8) التوصل لاستنتاجات أو نظريات أو قوانين حسب قوة إثبات الفرضية. ويمكن التعميم بأن أي ممارسة لا تشمل معظم أو جميع هذه العناصر لا تمت للعلم.

لا شك أن طلب العلم وتطوير التقنيات يعتبر من أهم وسائل تقدم المجتمعات ورفاهيتها وتحسين مستوى معيشتها. كما أن العلم قبل أن يكون أمرًا شرعيًا؛ “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا”، فهو حاجة إنسانية ملحة، بل فطرة أصيلة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أهم أعمدة العلم هو طرح الأسئلة والبحث دومًا عن إجابات لها، وهذا من سليقة البشر منذ بدء الخليقة.

لكن يجب في ذات الوقت مراقبة حدود ومشكلات وتحديات العلم، كي يظل أداًة للمنفعة العامة، ووسيلًة للرقي الحضاري، وعنصرًا لازدهار الأوطان وتقدمها، ومقدمًا للحلول التي يبحث عنها المجتمع للأزمات الطارئة، الآنية منها والمستقبلية. وإذا أردنا حقًا أن نقوي من دور العلم يجب أن ننتبه للمشكلات التي يعاني منها، نشخِّصها، نبحث في أسبابها، ونقترح حلولًا لها. فالمواجهة الصريحة والعاجلة الآن مع أزمة الفساد العلمي أقل تكلفًة بكثير من الانتظار ودفن الرؤوس في الرمال، حتى نتجرع جميعًا المزيد من الأضرار الصحية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية.

لننتقل الآن إلى تعريف الفساد. في مواضع كثيرة بالقرآن الكريم نجد للفساد تعريف ضمني بالطبع، لكن أكثرها قربًا للمعنى المراد الحديث عنه في هذا المقال، هو ما قاله الله تعالى بالآية رقم 85 من سورة هود في قوم مدين عندما أرسل لهم نبي الله شعيبًا ناصحًا “وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ”، هنا قرن الله الفساد، من منظور اقتصادي بحت، بالغش وعدم إعطاء الناس حقوقهم، بالتأكيد لتحقيق منفعة شخصية.

أما عن الفساد اليوم، فنجد له بمعجم أوكسفورد البريطاني هذا التعريف: “الفساد هو السلوك غير النزيه أو غير القانوني خاصة من أشخاص في السلطة”، وأيضًا “الفساد هو أي فعل أو تأثير يجعل سلوك شخص ما يتغير من المعايير الأخلاقية إلى غير الأخلاقية”. أما منظمة الشفافية الدولية فتعرف الفساد هكذا: “الفساد هو إساءة استخدام السلطة المخولة لتحقيق مكاسب شخصية”.

إذن الفساد بشكل أو بآخر هو الحصول، بأساليب غير أخلاقية، على مكاسب ومنفعة شخصية دون النظر أو مراعاة لأي أضرار تصيب الغير. هذا تمامًا ما سنركز عليه من خلال الحديث عن الإفساد المتعمد للعلم وبعض العلماء، من قِبَل أطراف تتحكم في مخرجات البحث العلمي، والتي تبدلت عبر الزمان من كهنة اللاهوت بالعصور الوسطى لكهنة الدولار بعصرنا الحديث.

محاولة السيطرة على مخرجات العلم وأبحاثه ترجع للعصور الوسطى والتي سيطر فيها حكم اللاهوت الكنسي المنعزل بكهنته عن الواقع والعالم الخارجي. فحرصت الكنيسة حينها على ألا يخرج أي عالِم من هنا أو هناك متسلحًا بإثبات علمي مُحكم ويطيح مثلًا بنص لاهوتي معين، لأنها كانت ترى هذا مدخلًا مخيفًا لضياع السيطرة والهيمنة بفقدانها المصداقية، إثر فقدان أحد نصوص الكتاب المقدس للمصداقية. لذا عمل نظام الحكم الكنسي على شيطنة أي مخالف في الرأي من زمرة العلماء، وما قصة جاليليو ونظريته بدوران الأرض حول الشمس، والتي خالفت بذلك نصًا كنسيًا لاهوتيًا عنا ببعيد. هذا كان مثالًا قديمًا لإفساد ليس فقط مخرجات البحث العلمي، بل الأهم لإفساد العلماء أيضًا. لأن نتيجة هذا القمع والشيطنة لمخالفي التيار السائد، كانت تعني تلقائيًا تكوين طبقة عريضة من العلماء دعنا نقول، المسالمين الطيعين غير المتجاوزين للخطوط الحمراء المفروضة عليهم، حتى لو كانت تلك الخطوط غير علمية. وهذه النتيجة السلبية الخطيرة أصبحنا نراها مع الأسف مصاحبة لكل فساد وإفساد علمي قديمًا وحديثًا.

ربما ينبغي أن نذكر في هذا السياق أن هناك ماكينة إعلامية تدور رحاها منذ سنوات قليلة مدفوعة غالبًا من الكنيسة الكاثوليكية، والتي تعتبر نفسها وريثًة لكنيسة العصور الوسطى المظلمة، تروج بأن العكس تمامًا هو الصحيح، وأن الكنيسة الكاثوليكية وتحديدًا في العصور الوسطى هي من دعمت ونشرت ورعت العلم، ولا يوجد ما يوجب الندم أو الاعتذار، بل أن العلم والعلماء هم من يدينون لكنيسة العصور الوسطى بالشكر والعرفان.

تعاقبت القرون وتحول العلم تدريجيًا من سطوة الكنيسة، التي أرادت قديمًا إحكام الهيمنة على المجتمع بنصوص لاهوتية بغرض حصر الحظوة السياسية والاقتصادية على كهنتها ونخبتها فقط، لكن ومع الأسف ليس كما يروج البعض نحو التحرر والاستقلال الكامل، بل إلى سطوة مستعبِد جديد، لا يحكم هذه المرة بنصوص لاهوتية، بل بأوراق تعرف أحيانًا بالدولار وأحيانًا بأسماء أخرى، مثيرًة للعاب كل فاسد ومحفزة لتسليم الراية من مملكة العصور الوسطى الكنسية القديمة إلى المملكة الجديدة وهي “إمبراطورية الرأسماليين العظمى”.

بداية إفساد العلم في العصر الحديث كانت من وجهة نظري، قصة نشأة ورواج علم تحسين النسل بأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. هذا العلم الذي يعتبر رائده العالم البريطاني فرانسيس جالتون، الحاصل بالمناسبة على لقب فارس، ووسام ملكة بريطانيا، وعدة جوائز رفيعة أخرى.

تأثر جالتون بشكل أساسي أولًا بالفيلسوف اليوناني أفلاطون، تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو، الآباء الروحيين الثلاثة للحضارة الغربية الحديثة، وثانياً بابن خاله عالم الأحياء البريطاني تشارلز داروين. أما الأول، أفلاطون، فدعا بكتابه “الجمهورية” لانتقاء سكان مدينته الفاضلة الافتراضية الشهيرة من أفضل طبقات المجتمع وتشجيع التناسل بينهم، وفي المقابل وأد أطفال الطبقات الدنيا أو، وهذا ما قاله بالنص: “إخفائهم بشكل ما في أماكن تلائمهم”. حتى تلميذ أفلاطون وهو أرسطو كتب في كتابه “السياسة” بالنص أيضًا: “…فليكن هناك قانون يحظر على أي طفل مشوه أن يعيش”.

أما الثاني، داروين، فكان صاحب نظرية التطور الشهيرة التي نصت على: “جميع الكائنات الحية لها سلف واحد، وأنها تطورت بمرور الزمن بواسطة الانتقاء الطبيعي“، تحت مبدأ البقاء للأفضل الذي ينفي بشكل تلقائي مبدأ الخلق المستقل للإنسان ويستبدله بنظرية تطوره بفعل انتقاء الطبيعة لأفضل الجينات والصفات الوراثية. بالصدفة جاء أيضًا في زمن داروين، راهب نمساوي يُدعى جريجور مندل، وصاغ قوانين لتوريث صفات ظاهرية لشكل نبات البازلاء، كلون زهرته وشكل بذرته، لكنها أغرت فيما بعد أتباع جالتون لتطبيقها على البشر، لأنهم خلصوا منها أن الآباء الجيدين ينتجون دائمًا أبناء جيدين، ليس فقط فيما يخص الشكل الظاهري والبناء الجسماني كما سنرى.

واقتنع جالتون بعد أن قرأ كتاب داروين “أصل الأنواع“، أن بالإمكان تحسين الجنس البشري بالتهجين الانتقائي. تمامًا كما لو كان البشر خيولًا عربية أو كلابًا ألمانية. وقام مستخدمًا قوانين الإحصاء وتحليل النسب ببناء نظريته الخاصة في الوراثة، والتي تعتبر نواة علم تحسين النسل، ومفادها أن ليس التنشئة، ولا الظروف الاقتصادية، ولا السياسية، ولا الاجتماعية، بل الطبيعة فقط، عن طريق الجينات، هي من تلعب الدور الأبرز في توريث شكل وذكاء وسلوك ومزاج بل وفقر أو غنى الأشخاص. استهدف جالتون بنظرياته حول تحسين النسل في النهاية، استخدام العلم لغرض تحسين جودة البشر عبر الأجيال من خلال تغيير التركيبة السكانية؛ عن طريق تفضيل تكاثر أنواع معينة من الناس على غيرهم. بالتالي وجب على جالتون وأتباعه تصنيف المجتمع لشرائح تتفوق فيها شريحة على الأخرى بالصفات الجيدة التي تمتلكها من النواحي الجسدية والذهنية والسلوكية. ثم الدعوة لتشجيع التزاوج وزيادة النسل فقط بين الشرائح المصنفة عاليًا في مقياسه.

في كتابه “أسئلة في ملَكات وقدرات الإنسان وتطورها” عرّف جالتون العلم الجديد على أنه: “الدراسة العلمية لآليات التحكم المجتمعي الذي يمكن أن يؤدي إما إلى تحسين أو تشويه الحالة العقلية والجسدية للأجيال القادمة”. وقسم ذلك التحكم المجتمعي إلى نوعين: إيجابي وسلبي. أما التحكم الإيجابي فيُعنى بالجهود الرامية لزيادة الصفات المرغوب فيها بالمجتمع، مثلًا باقتراح تسهيلات مادية لتزاوج الصنف الممتاز من البشر، وتوعية الطبقة الراقية بانتقاء شريك الحياة من بينهم فقط، مرورًا بعمل بنوك لجيناتهم الجيدة وحتى تشجيع التلقيح الصناعي بينهم، أما التحكم السلبي فيشير للجهود التي تهدف لتقليل الصفات غير المرغوب فيها بالمجتمع، على سبيل المثال بواسطة برامج منع الحمل الموجهة، مرورًا بالإجهاض وحتى التعقيم الإجباري للصنف الرديء، حسب تصنيفه، من البشر.

المذهل من وجهة نظري هو أن مبادئ جالتون لتحسين النسل، تطورت بسرعة البرق من نظريات، كان يجب أن تظل حبيسة النقاش العلمي المستفيض حول صحتها العلمية من الأساس، لسياسات وإجراءات راجت شعبيتها وتبنتها حكومات عديدة بالغرب وخاصًة بالولايات المتحدة الأمريكية، تهدف للقضاء على وإبادة الجنس الأدنى في مقياس جالتون للذكاء والتحضر. وهي الفئات التي تم إلصاق جميع العلل والاختلالات الاجتماعية والسلوكية بها، كالفقر والجريمة والتخلف العقلي والإدمان وغيرها. وبدأ الشروع بتنفيذ حلم مدينة أفلاطون الفاضلة على أرض الواقع بتفعيل التعقيم الإجباري للمعوقين والخارجين عن القانون والملونين وسكان أمريكا الأصليين وذلك للحد من نسلهم. كما نشأت على إثرها أيضًا قوانين الفصل العنصري بين السلالة الأرقى، البيضاء بالطبع، وبين الآخرين المصنفين كسلالات أدنى حسب تقييم أنصار علم تحسين النسل. وتم سن قوانين تقيد دخول المهاجرين على أسس عرقية وإيديولوجية واقتصادية واجتماعية.

الجدير بالذكر أن علم تحسين النسل ظل يحظى بشعبية جارفة وقبول واسع بالعالم الغربي منذ نشأته أواخر القرن التاسع عشر حتى تم تطبيق قوانينه على اليهود من قبل هتلر والنازيين الألمان إبان الحرب العالمية الثانية. هنا انقلب السحر على الساحر وبدأ النظر فجأة لعلم تحسين النسل في عموم العالم الغربي على أنه يفتقد للمعارف البيولوجية وبأنه أقرب للفاشية والعنصرية منه للطريقة العلمية، فتوارى نسبيًا بالعلن لكنه ظل وحتى اليوم يمارس أبحاثه في أماكن عدة.

لا شك أن أي ذي فطرة سليمة وليس بالضرورة أن يكون عالمًا وخبيرًا سيرفض تلك المبادئ لعلم تحسين النسل جملًة وتفصيلًا والتي تحصر مثلًا التشوهات الجسدية في العوامل الوراثية رغم وجود أدلة على تأثير الملوثات البيئية خاصًة مع تنامي النهضة الصناعية في سلامة الأجنة والمواليد من التشوهات وليس فقط نقص أو زيادة كروموسوم. كما أن الإدمان على المسكرات بالتأكيد آفة اجتماعية وليس مرض وراثي. وهل ينفي أحدًا أن الإجرام سلوك شاذ مرتبط بإهمال الأخلاق أو تفشي المظالم وليس سلوك محدد سلفًا بالوراثة. الطريف أن أمريكا نفسها وللمفارقة لو عملت بمبادئ تحسين النسل كما ينبغي كان يجب أن تطبق التعقيم الإجباري على البيض وليس الآخرين لأنهم هم أكثر من غيرهم أنسال من ارتكبوا جرائم هائلة من استعباد للملونين وإبادة جماعية لهم أثناء نقلهم وللهنود الحمر السكان الأصليين. حتى الذكاء والقدرات الذهنية لا شك أن عوامل التربية والتعليم لها اليد العليا أيضًا في تنميتها أو تثبيطها. وأما الفقر والغنى فهل يشك عاقل أن العدالة الاجتماعية أو عكسها هي من توسع أو تضيق الفجوة بين طبقات المجتمع في القدرات المالية. الخلاصة أن إلصاق جميع علل المجتمع على العوامل الوراثية فقط، فضلًا عن أنه تمييز عنصري لكنه غير علمي في المقام الأول لأنه يتجاهل جميع الحقائق آنفة الذكر.

لكن وهذا ما يهمنا في سياق هذا المقال، ما الذي ساعد جالتون وأتباعه في وصول درجة شعبية أبحاثه المشبوهة ونظرياته العنصرية، حسب اعتراف الغرب لاحقًا بذلك، إلى حد تبني أهم أنظمة الحكم آنذاك لتوصياته، بل وإقرار سياسات فعلية لتنفيذها على أرض الواقع. إنه الفساد ولا شك، ووجود مصالح اقتصادية وثيقة لعدد من الشرهين الرأسماليين سواء سياسيين أو رجال أعمال ناسبهم وجاء على هواهم تلك النظريات التي تدعم نزعتهم العنصرية من جهة وتبرر وحشيتهم نحو الأقليات المختلفة، خاصة في أمريكا، من جهة أخرى. وبذلك يُباد أصحاب الأرض الأصليين، ويُقمع أنسال العبيد، ويصنف المهاجرين على أساس عنصري، بترخيص علمي معترف به، حتى يخلو للنخبة البيضاء “الراقية” نهب واستغلال الثروات الطبيعية والبشرية على حساب “الآخرين”، التي رأت تلك النخبة أن هؤلاء “الآخرين” ليس فقط لا يستحقون المساواة والعدالة الاجتماعية، بل لا يستحقون الحق في الحياة من الأساس.

في هذا المثال البغيض، أَمدَّ الطرف العلمي، الطرف الرأسمالي بالمسوغ القانوني المسنود علميًا للجشع والاستغلال واحتكار الثروة، ورد الجميل الطرف الرأسمالي للطرف العلمي بالاعتراف الواسع به، وبتكريم رواده من العلماء بالأوسمة الرفيعة والجوائز المرموقة، وبتمويل دراساته وإغداق العطاء على معاهده. فتولد هنا تعاون تكافلي بين طرفين، أحدهما يتسلح بالعلم والآخر بالسطوة والدولار، لتنفيذ مشروع أقل ما يوصف به هو إبادة جماعية بشرية وتفرقة عنصرية مقيتة، لم يحاسَب عليه مروجوه حتى اليوم، بل وللمفارقة ما زالوا معززين مكرمين يُشار لهم بالبنان في مجالات عدة. وهذا ما نراه من خلال قائمة جديرة بالقراءة، لعدد من المشاهير الذين أيَّدوا علم تحسين النسل، بما ينطوي عليه من فوقية عرقية لا جدال فيها وتمييز عنصري لا اشتباه فيه، والتي تضم مثلًا من بين ما تضم، الأديب البريطاني، الحاصل على جائزتي نوبل والأوسكار جورج برنارد شو، والذي أيد مبادئ علم تحسين النسل ولكنه وللإنصاف لم يؤيد إجراءات التعقيم الإجباري، ورئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل، والعالم البريطاني المرموق، مكتشف بنية الحامض النووي والحاصل أيضًا على جائزة نوبل فرانسيس كريك، وأخصائي التغذية الأمريكي المعروف، مخترع وجبة رقائق الذرة الشهيرة بالكورن فليكس جون هارفي كيلوج، وغيرهم.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد