اسمحوا لي في هذا المقال باستكمال ما بدأته في مقالي السابق عن قصة الفساد العلمي. آملًا تسليط الضوء أكثر وأكثر على أزمة بدأ الصوت يعلو من البعض في الإشارة إليها، الكثير منهم بالمناسبة علماء يتمتعون بضمير حي، لا يريدون أن يكونوا أحذية في أقدام شركة عملاقة كبرى، أو ممول فاسد لأبحاثهم العلمية، كما لا يرغبون في أن يصبحوا هم المطهر والغسول للأموال الفاسدة التي تتدفق كالمطر في حسابات حفنة من رأسماليين تعودوا على كسب الأموال والتربح أيًّا كانت عواقب الأعمال أو الخدمات أو المنتجات التي يسوِّقونها. علماء ينادون في النهاية بحماية العلم، وأن يظل علمًا منزهًا عن الأهواء والمصالح الخاصة، عِلمًا يطمئن المجتمع مثلًا على أمان منتج ما، فقط عندما تتوافر له بالفعل دلائل علمية مؤكدة على سلامته، وفي الوقت نفسه يحذر المجتمع دون تردد من أضرار منتج معين، عندما يتحصل على مؤشرات لا تقبل الشك في آثاره السلبية. عِلم قادر على فعل ذلك كله دون إغراء أو إغواء أو ضغط أو تهديد من هنا أو من هناك.

لننتقل إلى حادثة مؤسفة أخرى من تداخل وتضارب المصالح نتيجة لتلك العلاقة الآثمة بين ممول مفسد من عالم الأعمال، ومتلقٍ فاسد من العلماء. وهي قصة صنَّاع التبغ وإفساد العلم. يعتقد الكثيرون أن صناعة التبغ – وهي بالمناسبة شركات عملاقة بلغت مبيعاتها في عام 2020 وحده 878 مليار دولار أمريكي – هي السبب في نشأة المصطلح الدارج «تضارب المصالح»، المستخدم بكثرة لوصف الفساد العلمي الحديث الممنهج والممول من أصحاب المصالح من الرأسماليين الجدد ملاك ومساهمي الشركات العملاقة، الذين سميناهم مجازًا في مقالنا السابق كهنة الدولار.

يمكن تعريف تضارب المصالح بأنه «أي تصرف أو موقف يحقق بأي صورة من الصور مصلحة خاصة مادية أو معنوية لفرد أو لمؤسسة، يكون متعارضًا مع أداء واجب ذلك الفرد أو تلك المؤسسة الذي كان من المفترض أن يصب في مصلحة طرف آخر، قبل المصلحة العامة». ومن هنا جاء المصطلح، لأن المصلحة الخاصة «تتضارب» وتتعارض فيه مع المصلحة العامة.

الجميع يعرف أن صناعة التبغ تعد من أكبر الصناعات في العالم بإيرادات ضخمة، وبالتالي فهي تمتلك المال الكافي لشراء – إن أرادت – ذمم الكثيرين من الفاسدين في جميع المجالات، بغرض تعظيم الأرباح، أو تفادي إجراءات التقاضي أو الحظر، أو حتى منع زيادة الضرائب المفروضة عليها، والتي يمكن أن يطالب بها الرأي العام من مشرعيه، نظرًا للخسائر الرهيبة في الأرواح التي تُزهق، والأموال التي تُنفق بسبب أضرار التدخين المباشرة وغير المباشرة، التي قدرها مركز مكافحة الأمراض الأمريكي (السي دي سي) بحوالي 480 ألف وفاة (أي أكثر بكثير من وفيات كورونا)، و300 مليار دولار سنويًّا على التوالي بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها.

السؤال هو كيف تمكنت صناعة تتسبب في هذه الخسائر الهائلة من تثبيت أقدامها وحماية نفسها على مدار هذه العقود وحتى اليوم. الإجابة من المفترض أن تكون بديهية، وهي الفساد. نعم، الفساد المعروف بخلطته السرية الحامية من أي مساءلة قانونية أو ملاحقة قضائية. العجيب أن صناعة التبغ رأت الذهاب خطوة أبعد من الحلم فقط بالإفلات من العقاب، أو بتأخير حظر أو قيود تُفرض على منتجاتها، بل قررت، ورغم تنامي الدلائل العلمية على الأضرار الصحية للتدخين، أن تعمل بمبدأ خير وسيلة للدفاع هو الهجوم، وأن تتوغل أكثر في استقطاب المزيد من المدخنين والإيقاع بهم في دائرة الإدمان، بتكتيك كان لا يمكن أن ينجح إلا باستخدام العلم الفاسد، كما سنرى الآن.

في تسريبات بدأ نشرها عام 1994 لملايين من الوثائق والمكاتبات الداخلية السرية المتداولة بين مديري شركات التبغ الكبرى وموظفيها، تعرَّف العالَم بالتفصيل ولأول مرة على أساليب وتكتيكات واستراتيجيات الشركات الكبرى للتحكم في مخرجات البحث العلمي وإفساد العلم بالعصر الحديث. من أشهر تلك الوثائق على سبيل المثال وثيقة أعدها مسؤولون كبار بشركة «براون وويليامسون» للتبغ في عام 1969، يخاطبون فيها موظفيهم لإرشادهم بالاستجابة السريعة لنتائج أبحاث علمية جديدة ومتراكمة حول الآثار الصحية السلبية للتدخين، والتي جاء فيها بالنص: «الشك» هو سلعتنا، لأنه أفضل وسيلة للتنافس مع «الحقائق» المعروضة على الرأي العام، كما أنه أفضل وسيلة لإثارة «الجدل»، وإذا نجحنا في إثارة التشكيك والجدل بالنقاشات العامة حول أضرار التدخين، فهناك فرصة لتوضيح «حقائقنا» حول التدخين والصحة.

لكن التسريبات أظهرت أيضًا، أن قبل ذلك التاريخ بكثير وتحديدًا في أواخر عام 1953، اجتمع في فندق «بلازا هوتيل» بمدينة نيويورك رؤساء أكبر خمس شركات تبغ آنذاك، وهم في غاية العصبية والتوتر مما هو قادم، إذا تعاظم دور الأبحاث العلمية المنشورة تباعًا والتي تبرز أضرار التبغ الصحية، في دفع الناس ربما للإقلاع عن التدخين، وبالتالي انهيار مبيعاتهم. اللافت أنهم دعوا لهذا الاجتماع السيد جون هيل مدير أكبر شركة علاقات عامة في أمريكا آنذاك، وهي شركة «هيل ونولتون» لطلب النصح والمشورة. لماذا السيد جون هيل بالتحديد؟ لأن له تاريخ ناجح في الدفاع عن مصالح شركات تصنيع السمن النباتي الاصطناعي في الأربعينيات أمام اتهامات أحد أعضاء الكونجرس لمنتجها بالاحتواء على مواد مسرطنة.

ما نصح به مدير شركة العلاقات العامة جون هيل مديري شركات التبغ هو أن التنصل التام من أضرار التدخين الصحية لن يجدي هذه المرة، ولا حتى التوسع أكثر في حملات الدعاية التي كانت وما زالت يُنفق عليها مليارات الدولارات، بل الحل الأمثل من وجهة نظره هو «الاحتواء والسيطرة» على ذلك العلم المروج لأضرار التدخين، بدلًا من إنكاره. وجد السيد هيل أن من الأهمية بمكان أن تعلي شركات التبغ من القيمة الإيجابية الهائلة للتشكيك العلمي في العلم نفسه.

عرف هيل أن هناك دائمًا متشككين، إذن لا استراتيجية أفضل من حصر وطلب ودعم وتضخيم آراء المتشككين من العلماء في العلاقة السببية بين الأضرار الصحية والتدخين. علاوة على ذلك، روج هيل بأن الإنفاق السخي من طرف مصنعي التبغ على تمويل العلماء وأبحاثهم قد يجذب متشككين جدد إلى الحظيرة. الهدف النهائي، وفقًا لهيل، سيكون إثارة وبث جدل علمي كبير، كي تصل رسالة للرأي العام مفادها أن قضية الآثار الصحية السلبية للتدخين لم تُحسم بعد، بل ما تزال مفتوحة. وبالفعل سيصبح الشك وعدم اليقين وحقيقة أن هناك المزيد من الحقائق التي يجب معرفتها حول الرابط بين التدخين والأمراض، هو الشعار الجماعي الجديد لصناعة التبغ ولعقود تالية.

ولم يرغب رؤساء شركات التبغ في إضاعة المزيد من الوقت، فكلفوا شركة هيل ونولتون بتشكيل وإدارة لجنة عرفت حينها باسم «لجنة بحوث صناعة التبغ»، والتي عكفت فورًا على تنفيذ توصيات ذلك الاجتماع التاريخي. ونشرت اللجنة بالفعل بعد هذا الاجتماع بشهور قليلة بيانًا صحفيًّا للرأي العام، انتشر كالنار في الهشيم بجميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، بالطبع بمساعدة اللوبي الإعلامي وبغرض تلميع الصورة.

ركزت اللجنة في هذا البيان على نقاط عدة أبرزها، اهتمام شركات التبغ الشديد بالصحة العامة للناس بوصفها مسؤولية أخلاقية تحملها دومًا على عاتقها، كما أنها تكن الاحترام لجميع العلماء الذين يزعمون وجود أضرار صحية للتدخين، لكنها تؤكد في الوقت ذاته براءة التدخين من التسبب في أي أمراض وخاصًة سرطان الرئة، وشككت في نتائج تلك الأبحاث العلمية التي ربطته بالسرطان، وأخيرًا شدد البيان على تبني وتمويل شركات التبغ لبرامج بحثية ضخمة بمئات الملايين من الدولارات للبحث أعمق في علاقة التدخين بالصحة، ونيتها التعاون بشكل وثيق مع أولئك الذين تتمثل مهمتهم في حماية الصحة العامة. الملفت أن هذا البيان الموجه للمدخنين عرف في وسائل الإعلام الأمريكية بالبيان «الصريح».

لم يتوقف الأمر بالطبع عند إصدار البيانات، بل عكفت اللجنة مباشرًة في جمع أسماء العلماء المعروفين بتشكيكهم في ربط السرطان بالتدخين، الذين تكشف لاحقًا أن معظمهم مدخنون، بالإضافة إلى علماء آخرين متخصصين في دراسة أسباب السرطان المحتملة الأخرى – غير التدخين – كالعوامل البيئية، والجرثومية، والغذائية، والنفسية، والوراثية التي ربما تساعد على تطور الأورام. ثم بدأ التواصل والتمويل المباشر لهؤلاء العلماء. كل هذا كان بغرض رئيسي هو أن تزدحم الدوريات والمجلات العلمية والنقاشات الإعلامية بنظريات شتى متعددة ومتضاربة حول أسباب السرطان، على طريقة نظريات من قتل جون كينيدي، وبذلك يخف الضغط بواسطة هذا التشويش المتعمد على الربط العلمي الدامغ بين التدخين والسرطان.

وهكذا استقرت لجنة بحوث صناعة التبغ المشكلة من شركة هيل ونولتون لاحقًا على برنامج لتمويل أبحاث علمية حول العلوم الأساسية للسرطان معدومة الصلة تمامًا بالسؤال الحرج المرتبط بعلاقة التدخين بالسرطان، على عكس مما وعدت به جمهور المدخنين سابقًا في البيان «الصريح» بالعمل الجاد للإجابة عنه. فتركز هذا البرنامج البحثي على مسائل عامة في علوم المناعة، والوراثة، وبيولوجيا الخلية، والعقاقير، والفيروسات. ويبدو أن التركيز على تلك المواضيع كان مثاليًّا من وجهة نظر ممولي تلك البحوث من شركات التبغ، لأن بحوث السرطان غير المتعلقة بالتدخين بديهيًّا لن تدين التدخين.

بالطبع كان الإعلام هو اليد الأخرى المساعدة للجانب العلمي المتواطئ مع مصنعي التبغ في نشر الجدل والتشكيك. لذا عملت شركة العلاقات العامة «هيل ونولتون» إلى تجنيد جيش من الإعلاميين والمحررين لتمرير وجهة نظر علمائها وتسليط الضوء على كل سبب محتمل للسرطان باستثناء التبغ. فكانت المقالات النمطية بين عام 1961 و1964 بالصحف والدوريات والمجلات العلمية تحمل عناوين مثل «عدوى فطريات نادرة تشبه سرطان الرئة»، و«عدوى فيروسية هي السبب في تفشي التهاب الشعب الهوائية»، و«رابط بين توسع رقعة المدن وسرطان الرئة»، و«تأثير النيكوتين على جسم الإنسان مثل ممارسة التمارين الرياضية»، و«السرطان نادر في الرجال الصلع»، و«قد يكون للعوامل النفسية والأسرية دور في سرطان الرئة». بل ألقت بعض الدراسات باللوم على «شهر الميلاد واحتمال الإصابة بسرطان الرئة»، وأخرى على «تربية الطيور وعث الريش»، وكل الأسباب المحتملة الأخرى للتسبب بسرطان الرئة، باستثناء التدخين. وهكذا أمكن لصناع التبغ باستخدام تلك التكتيكات ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد في الوقت نفسه.

أولًا، بإثارة الجدل العلمي في علاقة التدخين بالسرطان طمأنت شركات التبغ وهدأت جمهور المدخنين أن لا أحد يعرف حقًّا السبب الحقيقي لهذا المرض، إذن فلتداوموا أنتم على التدخين ولنستمر نحن في كسب المليارات. ثانيًا، استعانت شركات التبغ مرارًا بهذا التشكيك العلمي المفتعل والممول في مرافعاتها أمام القضاء، وذلك لدحض أي مسؤولية في تسبب منتجها لمرض أو وفاة أي من عملائها، فالعلم غير متفق بعد على العلاقة السببية بين التدخين والسرطان، إذن لا دليل إدانة. ثالثًا، كان هذا الإفساد العلمي من طرف صناع التبغ وبث الجدل والتشكيك مسوغًا للمشرعين أيضًا بألا يتسرعوا في سن أي قوانين من شأنها الإضرار بصناعة التبغ سواء بالحظر، أو بفرض القيود أو برفع قيمة الضرائب على منتجاتها، رغم توافر أدلة علمية قوية ومنذ الأربعينيات للأضرار الصحية الجسيمة للتدخين. رابعًا وأخيرًا، هو إرساء مبدأ المسؤولية الفردية للمدخن، فالجميع أصبح الآن على وعٍي تام بالمخاطر «المحتملة» للتدخين، لأن بالرغم من نجاح شركات التبغ في الطمس والتشويش العمدي على أي إثبات علمي لربط السرطان بالتدخين، لكن صار الكل بفضل النقاش الصاخب والمصطنع حول التبغ والصحة، يدرك بالفعل أن التدخين ربما يكون ضارًا، إذن فلا يلومن أحد من المدخنين بعد اليوم إلا نفسه على أي آثار صحية سلبية تلم به.

ربما يجب أن أنوه إلى عدم سردي للكثير من التفاصيل المقيتة، بل قل الإجرامية الأخرى؛ وذلك لضيق مساحة المقال. كمعرفة صناع التبغ مثلًا منذ بدايات الإنتاج والتسويق لمنتجهم، وفقًا لتسريبات المكاتبات الداخلية لهذه الشركات، بأهمية مادة النيكوتين مادة فعالة أساسية في نبات التبغ، وتعمدهم إضافة جرعة زائدة منه بمنتجاتهم تضمن التسبب في الإدمان، ثم إنكار تسبب النيكوتين للإدمان من الأساس في العلن، رغم الاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على زيادة جرعته في السر.

الخلاصة، وبعد رواية قصة صناع التبغ وتدخلهم العمدي لإفساد العلم والعلماء، هي أن مبدأ تضارب المصالح والذي يعد صناع التبغ هم من غرسوه في الوسط العلمي بالعصر الحديث، كان سببًا لأضرار جسيمة دفع ثمنها ملايين البشر من أموالهم ومن صحتهم ومن حياتهم. كل هذا من جراء تواطؤ حفنة من العلماء الفاسدين الذين ساهموا بأبحاثهم الممولة من شركات التبغ – مع غيرهم بالتأكيد من سياسيين وإعلاميين وعمالقة العلاقات العامة – في تأخير التوعية والتحذير والتشريع، الذي كان يمكن أن ينقذ ملايين الأرواح بدلاً من المساهمة مقابل عمولات وميزات أخرى في تكديس المليارات داخل جيوب تلك الشركات.

أخيرًا يجب التنويه أن سردي لهذه القصة رغم مرور عقود عليها، هو لتأكيد أن تضارب المصالح وبث التشكيك والجدل العلمي، كما سنرى فيما بعد، لم تكن حالة فردية لصناع التبغ، بل هي التكتيكات نفسها التي اتبعتها العديد من الصناعات الأخرى لاحقًا، بعدما رأت في هذا الأسلوب الناجح – من وجهة نظرها – خير وسيلة لاستمرار تكديس الأرباح من جراء بيع لسلع وترويج لمنتجات أقل ما يقال عنها إنها مثيرة للجدل من منظور صحي أو بيئي أو حتى اجتماعي. وسنرى كيف اتبعت بعض عمالقة التصنيع الكيميائي والدوائي والتكنولوجي في العصر الحديث ذات الاستراتيجية لاستغلال العلم وإفساد العلماء لتحقيق شعارات الفساد نفسها مثل «المكاسب الخاصة تأتي فوق المنفعة العامة»، و«التربح الشخصي يأتي قبل صحة الناس وحياتهم بل حتى مستقبل كوكبهم».

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد