سنستكمل في هذا المقال ما بدأناه في المقال الأول والمقال الثاني بالحديث عن الفساد العلمي والذي بدأناه بسرد أمثلة قديمة وحديثة للإفساد المتعمد لمخرجات البحث العلمي والانتقائية المقصودة لكل ما يعظم الأرباح أو المصلحة الخاصة لذوي نفوذ مملكة السياسة والاقتصاد أو الإمبراطورية الرأسمالية، أو ما سميناهم كهنة الدولار، عن طريق طمس الحقائق ووصم أي نتائج علمية تهدد عروش السطوة والهيمنة السياسية والاقتصادية بالهرطقة والدجل. اليوم سنتطرق إلى مثال آخر يبرز دور تمويل الشركات الكبرى للبحث العلمي وأثره في طمس الحقيقة أحيانًا وإفساد العلم أحيانًا أخرى.

في قصة صناعة التبغ سردنا كيف ابتدعت الشركات فكرة تمويل البحوث العلمية، وبالتالي التحكم في نتائجها، وذلك لتخفيف الضغط الواقع على منتجاتها، من جراء تنامي الأبحاث الطبية المنشورة آنذاك، التي ربطت بين التدخين والإصابة بالسرطان والأمراض الأخرى المؤدية للوفاة. الغرض من هذا التمويل لم يكن أبدًا الوصول للحقيقة، بل العكس تمامًا، طمسها وبث الجدل والتشكيك العلمي في مزاعم أضرار التدخين الصحية، وترويج لفكرة ظلت سائدة لعقود، بأن العلم لم يتوصل بعد لإجابة مؤكدة حول أسباب نشأة السرطان، ناهيك عن ربطه بالتدخين. هذا السيناريو تكرر مع الأسف ثانيةً مع صناعة أخرى تنتج مادة تسمى «السكر». وللمصادفة التي لا تخلو من الطرافة، وجد العلماء أن السكر المصنع يؤثر في الجزء نفسه من المخ الذي يؤثر فيه أيضًا النيكوتين بالتبغ، كما الكوكايين والهيروين وغيرها من مسببات الإدمان، وذلك بالعمل على زيادة إفراز هرمون الدوبامين، الجزيء المفتاح في الشعور بالسعادة والنشوة، والذي يلعب دورًا جوهريًّا في آلية الإدمان.

من المعروف أن الإنسان لم يعرف استهلاك السكر بشكله الحالي إلا في العصر الحديث. قديمًا استخدم معظم الناس العسل حصريًّا لتحلية المذاق، وبالطبع لم تكن الحلويات الشرقية أو الغربية كما نعرفها اليوم من مفردات مطبخ العالم القديم. إنما ازدهرت وانتشرت تلك الوصفات فقط بانتشار السكر المصنع، خاصةً بعد أن تحولت عملية استخراجه من قصب السكر أو نبات الشمندر الذي يعرف بالبنجر، من عمل مكلف وشاق إلى صناعة أصبحت بمتناول الجميع، وبالتالي تحول السكر الذي كان قديمًا سلعة تباع بالجرامات حصريًّا لعلية القوم، نظرًا إلى سعره الباهظ، مما أكسبه آنذاك لقب الذهب الأبيض، إلى سلعة رخيصة تباع حاليًا بالمتاجر الكبيرة للمستهلك العادي في أشولة.

نحن لن نفصل علميًّا بهذا المقال وبسبب ضيق المساحة، الفرق الهائل بين تناول السكر الطبيعي بالعسل والفواكه، وبين تناول السكر الأبيض المستخرج صناعيًّا، والذي ربما نفرد مقالًا مفصلًا عنه، لكن وفي سياق موضوع المقال سنعرض تفاصيل التدخل العمدي لشركات تصنيع السكر والمنتجات الغنية به في مخرجات ونتائج الأبحاث العلمية، بهدف ترويج مدفوع الأجر استمر لعقود وما زال حتى يومنا هذا، لنظريات تنفي تمامًا أي أضرار للسكر المصنع والمنتجات الغنية به على صحة الإنسان، وتحيل مشكلات السمنة وأمراض القلب والسكر إلى تناول الدهون والكولسترول.

في دراسة علمية ترجع لعام 2016 تحت إشراف دين شيلينجر وزملائه بجامعة سان فرانسيسكو، أجري مسح للدراسات والأبحاث العلمية التي نشرت بين عام 2001 وعام 2016 والتي تتناول السؤال التالي: هل من علاقة بين تناول المشروبات الغنية بالسكر المصنع كالمشروبات الغازية، وبين الإصابة بالسمنة أو مرض السكر؟ هدف هذا المسح كان: أولًا فرز الدراسات من حيث تأكيد هذه العلاقة أو نفيها، وثانيًا فرز تلك الدراسات من حيث التمويل المالي المباشر لها. من المعروف أن شركات تصنيع تلك المنتجات تنفي تمامًا أي علاقة، مستعينًة في ذلك بدراسات علمية أيضًا، تمامًا كما استعانت شقيقاتها شركات تصنيع التبغ من قبل.

وجد الدكتور شيلينجر أن هناك 60 دراسة علمية منشورة في تلك الفترة التي شملها المسح، مرتبطة جميعها بدراسة العلاقة بين تلك المشروبات وبين الإصابة بالسمنة ومرض السكر. من تلك الدراسات الستين، كان هناك 34 دراسة تؤكد تلك العلاقة، وبالمقابل 26 دراسة نفت تمامًا أي علاقة، لكنه وجد أن الدراسات الستة والعشرين التي نفت أي علاقة بين استهلاك تلك المنتجات وبين السمنة ومرض السكر، كانت جميعها ممولة بالكامل من شركات مرتبطة بالسكر، وفقط دراسة واحدة من بين الدراسات الأربعة والثلاثين التي تؤكد تلك العلاقة كانت ممولة من هذه الصناعة. هذا يعني أن جميع الدراسات والبحوث العلمية المنشورة في تلك الفترة والتي نفت أي أضرار صحية للسكر كانت ممولة بالفعل من شركات مرتبطة بالمنتج موضع الدراسة، وإذا كان هذا ليس تضاربًا صارخًا للمصالح فما هو، أليس بهذه الطريقة يلعب المتهم دور المحامي والقاضي في الوقت نفسه بهذه المحاكمة العلمية؟

نتيجة هذا البحث بالمناسبة أكدت ما جرى نشره من قبل في دراسة علمية أخرى، تناولت العلاقة بين التمويل ومخرجات الدراسات والأبحاث العلمية المرتبطة تحديدًا بالصناعات الغذائية، والتي اقتصرت في تلك الدراسة على المشروبات الغازية والعصائر والألبان. وجدت تلك الدراسة التي أشرف عليها لينارد ليسر من جامعة هارفارد، أن من بين الدراسات والأبحاث المنشورة موضع المسح لم يُعثر على دراسة واحدة جرى تمويلها من شركة، تنتهي بتأكيد أي أضرار صحية مرتبطة بتناول منتجات الشركة الممولة للبحث، بل العكس تمامًا تؤكد جميعها فائدة تلك المنتجات على الصحة العامة.

ربما يقول قائل هذا طبيعي ومنطقي، فهل يتوقع عاقل أن تنفق أي شركة الملايين على تمويل أبحاث علمية قد تشوه سمعة منتجاتها، وبالتالي تخسر مرتين، مرة عند تمويل تلك البحوث ومرة عند عزوف المستهلك عن شراء منتجاتها. والرد المنطقي على هذه الحجة هو أننا نتحدث عن أبحاث علمية من اختصاص علماء، تتمثل مهمتهم الأساسية في البحث عن الحقيقة وليس في القيام بعمل ترويجي، هو من اختصاص خبراء علاقات عامة، والذين تتمثل قدراتهم الإبداعية بالمقابل في إعطاء صورة دعائية لمنتج ربما تكون مختلفة عن الشكل الحقيقي، وإذا ذاب الفرق بين النشاطين المختلفين تمامًا، وهما البحث العلمي من جهة والدعاية والإعلان من جهة أخرى، فلا أدري إن كنا ندرك حقًّا العواقب الوخيمة من جراء ذلك.

الملفت هو أن محاولة شركات السكر ومنتجاته لتبرئة نفسها من تهمة الإضرار بالصحة وتحديدًا فيما يخص السمنة وأمراض القلب والسكر، عن طريق تمويل دراسات وأبحاث علمية تتولى هذه المهمة، كانت دائمًا مرتبطة بإلقاء اللوم على منتجات أخرى، ألا وهي منتجات الألبان الغنية بالدهون كاملة الدسم والكولسترول. وهو الجدل المستمر حتى يوم الناس هذا، بين العامة والخبراء على حد سواء، حول السؤال الأشهر فيما يخص التغذية، وهو من يا ترى المتهم الرئيس في الأضرار الصحية، هل هو السكر أم الدهون؟ لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن هذا الجدل بدأ بفعل فاعل وليس تلقائيًّا، تمامًا كما بدأ التشكيك والجدل في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حول المتهم الرئيسي المتسبب بسرطان الرئة، هل هو التدخين أم الاستعداد الوراثي أم التلوث البيئي أم تاريخ الميلاد، إلى آخره، بالطبع كما اقترح وخطط لذلك السيد جون هيل مدير شركة «هيل ونولتون» للدعاية والإعلان في اجتماعه برؤساء شركات التبغ، وهو ما فصلناه في المقال السابق.

أوجه الشبه بين قصة التبغ وقصة السكر مذهلة، لا تنحصر فقط فيما ذكرناه ببداية المقال عن تأثير تناول السكر المصنع في المخ وتسببه بالإدمان، تمامًا كما يفعل النيكوتين، بل تتعداه إلى استعانة شركات السكر أيضًا بشركات العلاقات العامة الكبرى، كشركة «كارل بيور» لتنظيم تكتيكاتها وإجراءاتها في مواجهة الاتهامات المتزايدة لربط السكر بالأضرار الصحية، تمامًا كما استعانت شركات التبغ من قبل بشركة «هيل ونولتون» للعلاقات العامة، التي استحوذت على شركة «كارل بيور» في الثمانينيات من القرن الماضي، ربما كي تمعن بتأكيد صلة القرابة بين القصتين. وجه الشبه الآخر بالقصتين هو اقتران الارتفاع الجنوني بنسبة الإصابة بالسمنة وأمراض السكر والقلب مع الارتفاع الكبير والمتزامن باستهلاك السكر المصنع والمنتجات الغنية به كالمشروبات الغازية، والحلويات، والأطعمة المحفوظة، تمامًا كما ارتفعت الإصابة بسرطان الرئة جنبًا إلى جنب مع الازدياد الهائل باستهلاك التبغ.

وجه الشبه التالي وهو مفاجأة كبرى ربما للكثيرين، هو أن السيجارة تحتوي على نسبة عالية من السكر تبلغ بالمناسبة عشرة أضعاف نسبة النيكوتين، ليس فقط نتيجة تراكمه من تحلل المواد النشوية خلال عملية تجفيف نبات التبغ، ولكن أيضًا بسبب إضافة المزيد من السكر أثناء عملية الإنتاج. لذا يزعم كثير من الخبراء أن السجائر كانت ستصبح أقل خطرًا وإدمانًا لولا وجود السكر بكمية كبيرة فيها. شركات التبغ تضيف السكر لغرضين أساسيين، هذا إن افترضنا حسن النوايا باستبعاد الغرض الثالث الأشد قسوة، وهو القتل العمدي للمدخنين بسبب خطورة استنشاق المواد المسرطنة التي تنتج عن احتراق السكر. الغرض الأول هو جعل عملية استنشاق التبغ ممكنة من خلال إكسابه نكهة مستساغة وطعمًا شبيهًا بالكراميل الذي هو ببساطة السكر المحترق. الغرض الثاني غير المعلن بالطبع، هو تحفيز عملية الإدمان، لمعرفة شركات تصنيع التبغ بحقيقة تأثير السكر في المخ كما أوضحنا سابقًا. وبالتالي ليس مستغربًا اعتبار شركات السكر ليس فقط شريكة في جرائم شركات التبغ، بل أيضًا في أرباحها، فكلما زاد إنتاج السجائر، زاد طلب شركات التبغ للسكر لأنه بالفعل من مدخلات الإنتاج، ولهذا السبب تصنف شركات التبغ بأنها ثاني أهم مستهلك للسكر بالعالم، في المرتبة الثانية مباشرةً بعد شركات المواد الغذائية الغنية بالسكر، بالنظر إلى عدد السجائر المنتجة عالميًّا، والبالغ 5.6 تريليونات سيجارة سنويًّا.

وجه الشبه الآخر بين القصتين هو وجود تسريبات لآلاف الوثائق والمكاتبات السرية لمسؤولي شركات تصنيع السكر واللوبي الخاص بها، جرى كشفها بمحض الصدفة من قبل طبيبة أسنان دفعتها حيرتها الشديدة للبحث عن تفسير لصمت كل من السلطات المسؤولة عن الصحة العامة وكبار الباحثين والعلماء عن أضرار السكر، رغم فداحة تأثيره السلبي ليس فقط في الأسنان، وهو مجال تخصصها، لكن أيضًا في أعضاء ووظائف الجسم الأخرى. كان سؤال تلك الطبيبة، البديهي في الواقع، والتي عملت جاهدة للبحث عن إجابة له، أتملك صناعة السكر نفوذًا خفيًّا تسيطر به على الرأي العام، وسياسات الصحة العامة، وعلى مفاصل البحث العلمي المتجاهل لأخطار السكر، والمتحامل بكل ثقله بدلًا عنه، على الدهون والكولسترول؟

الإجابة الشافية والوافية كانت وسط ركام وغبار تلك الوثائق التي وجدتها تلك الشابة داخل كراتين مهملة بإحدى المكتبات. حيث عثرت على خطط مفصلة لسياسات العلاقات العامة للشركات المنتجة للسكر والمنتجات الغنية به في مواجهة أي اتهامات علمية للسكر بالإضرار بالصحة، وعلى قوائم تفصيلية لمشروعات بحثية ممولة من قبل ائتلاف صناعة السكر، والتي نتج منها مئات المنشورات العلمية شكلت على مدار عقود الرأي العام السائد ببراءة السكر واتهام الدهون والكولسترول، وعلى مكاتبات سرية بين مسؤولين بائتلاف شركات السكر وبين باحثين بجامعات مرموقة كهارفارد، تثبت تمويل ومتابعة بحوث علمية برأت السكر وأدانت بالمقابل الدهون والكولسترول، وعلى فواتير مالية واجبة الدفع لمستشارين معروفين في أوساط صنع القرار يعملون لشركات السكر والمنتجات الغنية به، وعلى مكاتبات داخلية لائتلاف صناعة السكر تتطابق في الكلمات والمضمون مع تقارير حكومية صدرت بالفعل بتواريخ لاحقة لتلك المكاتبات، وجرت فيها تبرئة ساحة السكر من أي ذنب صحي وعدم التوصية بالإقلال من تناوله، وأخيرًا عثرت على أدلة قاطعة عن وقف تمويل شركات السكر لمشروعات بحثية، بعد التأكد من أن نتائجها تميل لإدانة السكر، والتيقن من عدم إمكانية شراء ذمم العلماء القائمين عليها.

بقي أن نشير إلى أن كم الوثائق السرية لشركات السكر التي كانت هذه الطبيبة أول من يكشفها، زادت بكثير لاحقًا بسبب العثور على وثائق جديدة من مصادر مختلفة، على سبيل المثال من باحثين ومسؤولين قدامى بشركات السكر أو الشركات المرتبطة به، توفوا وتبرع ذووهم بمكتباتهم الشخصية الغنية بالوثائق دون سابق تمحيص للمكتبات العامة. أو من مسؤولين وموظفين حاليين أرادوا الوشاية عن عمد بأرباب أعمالهم لأي سبب من الأسباب. وتبنت جامعة سان فرانسيسكو موقعًا إلكترونيًّا يمكن لأي مهتم زيارته وتصفحه، يجمع كل ما عُثر عليه من وثائق ومكاتبات داخلية كانت معظمها سرية لعدد من الصناعات الكبرى كالتبغ والسكر والأدوية وغيرها، تكشف عن الكثير من الأساليب غير السوية لتلك الشركات.

الجدير بالذكر أن هناك المزيد والمزيد من النماذج الأخرى التي لم نسردها، والتي انتهجت مسار شركات التبغ والسكر نفسه مع منتجاتها في إفساد العلم وطمس الحقائق، إما لتعظيم أرباحها وإما لإعاقة أي إجراءات لحظرها أو لمسائلتها. كشركات الأدوية مع بعض عقاقيرها المثيرة للجدل والمتسببة بأضرار جانبية تفوق أحيانًا في آثارها السلبية المرض الأصلي المراد علاجه. أو كشركات الكيماويات مع مبيداتها وأسمدتها المسرطنة. أو كعمالقة التصنيع الثقيل مع انبعاثاتها المساهمة في التلوث واختلال التوازن البيئي والاحتباس الحراري. أو كشركات الاتصالات مع موجاتها الكهرومغناطيسية المنطلقة من أبراج التقوية المنتشرة بشتى أنحاء المعمورة، والتي ربما يكون لها آثار سلبية محتملة في الصحة العامة. أو كشركات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية مع خدماتها وتطبيقاتها المؤدية لأمراض اجتماعية ستظهر آثارها ربما لاحقًا.

الخلاصة هي أن الصناعات العملاقة في مجالات عدة، لم تألُ جهدًا في التحكم بمخرجات البحث العلمي عن طريق تمويل مشروعات بحثية هي أقرب في الواقع لحملات الدعاية منها إلى العمل العلمي السليم والمنزه عن التحيز إلا إلى الأرقام والنتائج. كل هذا كي تبقى هي بمأمن من أي تهديد يحاول أن يزعزع الصورة المثالية التي تريد هي أن تسوقها لمنتجاتها، مستعينة بنتائج تلك الأبحاث الممولة في إقناع كلٍّ من المستهلك بأمان وسلامة منتجها وعدم وجود دليل علمي موثوق يؤكد الأضرار المزعومة من هنا أو هناك، والصادرة من علماء تعمل هي أيضًا على خنقهم ماليًّا بقطع التمويل، أو اغتيالهم معنويًّا بتشويه مكانتهم العلمية والتشكيك في منهجية أبحاثهم.

هذا الاستخفاف الذي تتعامل به الشركات الكبرى مع جمهور المستهلكين لمنتجاتها الضارة، والقاتلة أحيانًا، لم يكن بالطبع ليحدث لولا الفساد المنتشر بأروقة السياسة والأجهزة الحكومية، التي يجب أن تحمي المستهلك، الذي هو بتعبير آخر المواطن الذي ينتخبها بالأنظمة الديمقراطية، ويدفع من ثرواته المنهوبة لبقائها بالأنظمة الديكتاتورية. هذه الحماية كما يرى العلماء ذوو الضمير، وهم كثر، تتطلب التدخل الفوري لوقف هذا الهزل المسمى تمويل أو رعاية قطاع الصناعة للبحوث العلمية بالجامعات والمعاهد البحثية والمؤسسات الرقابية الحكومية، والذي أصبح، خاصة بالعالم الغربي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمشروعات البحثية، لأن ببساطة هذه البحوث، وبسبب تضارب المصالح الواضح لا تمت للعلم النزيه بصلة، بل هي عمل ترويجي للصناعة، ولا يصح أن يغلف بإطار علمي جاد. وإن أرادت الصناعة المساهمة حقًّا في تنمية المجتمع عن طريق تشجيع البحوث، فالسبيل الشرعي الوحيد هو دفع الضرائب المستحقة بأمانة للدولة، والدولة خادمة المواطن هي التي تمول من تلك الضرائب البحوث العلمية، لتحرر أيضًا بذلك العلماء من الضغوط ويتمكنوا من نشر نتائج أبحاثهم دون ابتزاز من الممول أو الراعي. ولأن تمويل البحوث سيكون هكذا من المحفظة العامة، سيصبح هدف البحوث أيضًا المنفعة العامة، أي المواطن.

المواطن الذي يتوسم من العلماء الحياد والنزاهة تمامًا كما لو أنهم قضاة في نزاع علمي يخص صحته وحياته، ينشأ بينه وبين منتج يتحكم فيه ذوو سلطة ونفوذ مالي وسياسي كبيرين. لكنه وجد بالسنوات الأخيرة أن شعورًا متناميًا يتولد لديه باهتزاز مصداقية الرأي العلمي، لعدم استقلاليته وتلوثه المتزايد بتضارب المصالح. وإن لم يتم الحل الجذري للفساد العلمي ومكافحته واقتلاعه في القريب العاجل، فسينتهي الأمر ربما بفقدان الثقة تمامًا بين المواطن والرأي العلمي، وهذا أسوأ ما نتمناه؛ لأن النتيجة الحتمية لفقدان الثقة بالعلم هي تفشى الجهل والفوضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد