فساد يفوق كل التوقعات

تعودت منظمة الشفافية الدولية إصدار تقارير عن حجم الفساد في معظم دول العالم من بينها دول عربية تعاني الفساد السياسي والمالي حيث تقدر حجم أموال الفساد عالميًا بأكثر من تريليوني دولار سنويًا، نصيب الشرق الأوسط من حجم هذا الفساد يفوق ال 200 مليار دولار سنويا، ذلك الفساد هو السبب الرئيسي في الصراعات والحروب الأهلية الحاصلة في أكثر من بلد عربي بسبب استحواذ المسؤولين على مدخرات وثروات البلد تاركين شعوبهم في وضع مأساوي وحالة يرثى لها من الفقر والجوع والعوز والمرض. صراعات أصبحت الأمم المتحدة معنية بوضع حد وحل لها دون الرجوع للسبب الرئيسي لهذه الصراعات من سوريا إلى ليبيا واليمن التي تقوم الأمم المتحدة بدور في حلحلة الوضع عبر مبعوثين لإنهاء الصراع والاحتراب في تلك الدول دون الرجوع للتقارير السنوية التي تتحدث عن حجم الأموال التي نهبها مسؤولو تلك الدول مع عدم الخوض أو حتى الإشارة في المشاورات والمفاوضات عن ضرورة العمل على استعادة تلك الأموال المنهوبة المودعة والمستثمرة في خارج تلك الدول التي تعاني شعوبها أشد أنواع الفقر والعوز والمجاعة، عدم جدية الأمم المتحدة في خوضها ولو من باب الإشارة لاستعادة تلك الأموال التي تقدرها تقاريرها الدولية بأكثر من 500 مليار دولار، فإن حلولها ما هي إلا حلول ترقيعية مؤقتة وستعود حليمة لعادتها ويستمر الفساد والنهب ليعود الشعب للثورة من جديد ضد أنظمة فاسدة ناهبة ظالمة لشعوبها، وستعود معها الصراعات مرة أخرى وستشمل دولًا أخرى كانت تمثل حالة من الاستقرار.

ولا أظن أن نوابغ الامم المتحدة من مستشارين وخبراء وأساتذة يغفلون أن كل الصراعات منذ خلق البشر كانت من أجل الاستحواذ والسيطرة على ثروات الشعوب سواء الصراعات والحروب ببن الدول أو في إطار الدولة الواحدة، الكل يلهث خلف المال والجاه والثراء لدرجة أصبحت الوظيفة الحكومية والمسؤولية شغف ورغبة كل الشباب فهي أقرب طريق لتحقيق المال بالثراء والوجاهة والاحترام في المجتمع.

فالإدانة لمسؤولين عرب سابقين بالفساد المالي في تقارير المنظمات الدولية، لا تحمل جديدًا بحد ذاتها، بل تفاجئك بما تذكره من حجم الأموال التي جمعها أولئك عن طريق الفساد، حيث يؤكد تقرير، أعده خبراء بتكليف من الأمم المتحدة، أن رئيسًا سابقًا جمع ثروة تقدَّر ما بين 12 إلى 20 مليار دولار خلال فترة حكمه، على امتداد عشرات السنوات تولى فيها السلطة.

من الصادم أيضًا، في معطيات التقرير، أن الرئيس المعني بالتقرير استطاع أن يضع أمواله في أكثر من عشرين بلدًا، في حسابات بنكية سرية، وأن يلتف على العقوبات الدولية التي صدرت بحقه، بإعادة إخفاء أمواله للحيلولة دون تجميدها، وواصل ولم يساعد على العملية السياسية الانتقالية في بلاده. وقد أشار التقرير إلى أن الآليات التي اعتمدت دوليًا أتاحت له وأفراد أسرته والمقربين منه، توقع صدور عقوبات، مما مكنه من اتخاذ تدابير استباقية، قبل صدور العقوبات ضدهم.

فساد  لدى الدول المتقدمة

دولة ديمقراطية عظمى كفرنسا والتي تشهد انتفاضة وحراكًا شعبيًا وربما هي ثورة ضد النظام بسبب الفساد السياسي والمالي الذي تمارسه السلطة وشركاتها الكبرى، فرنسا التي تحتل المركز 23 في مؤشر الفساد العالمي من أصل 180 دولة، تُعتبر الأسوأ من بين الدول الأوروبيّة.

فحجم الفساد في أوروبا يقدر بـ60 مليار دولار حسب آخر مسح أجرته المفوضية الأوروبية وإن الفساد يمثل مشكلة لنصف الشركات التي تعمل في أوروبا لدرجة أن مواطني أوروبا وصلوا لقناعة أن الوضع يزداد سوءًا، لا تمر فترة زمنيّة حتى تنفجر إحدى قضايا الفساد في فرنسا، فحادثة وزير الاقتصاد الفرنسي جيروم كاهوزاك الذي اتّهم عام 2016 بتبييض الأموال والتهرب الضريبي، إضافة لفضيحة مرشّح اليمين للرئاسة الفرنسية فرنسوا فيّون، الذي قام باختلاس أموال عامة عندما كان عضوًا بمجلس الشيوخ، وهو اتهام أضيف إلى القضيّة المتعلّقة بزوجته بينيلوب التي شغلت وظيفة وهمية مكّنتها من الحصول على نحو نصف مليون يورو خلال 10 أعوام.

ما خفي أعظم، فشبكة الفساد في العديد من البلدان تنخر البنية المؤسسة لكل إدارات الدولة، واذا كان هناك ست دول عربية ضمن أكثر عشرة دول فسادًا على المؤشر العالمي لمكافحه الفساد، من بين 177 دولة وردت في قائمة المؤشر، فهذا لا يعني عدم انتشار الفساد بين الدول المتقدمة (الولايات المتحدة – فرنسا – بريطانيا – إيطاليا – اليابان) لكن يبقى التركيز على دول العالم الثالث علمًا بان أكثر الدول استقبالا لأموال الفساد هي أكثر دول العالم ديمقراطية وحرية والأدنى في مؤشرات الفساد.

لكن هذا لا يمنع هذه الدول الديمقراطية ولا يعطيها الحق في عدم التعاون في الكشف عن حجم أموال الفساد، وأن التقارير التي تصدر سنويا لا قيمة لها في ظل عدم القدرة على استعادة هذه الأموال المعروف مكان تواجدها وحجمها.

قوانين مزدوجة مع وضد

صحيح ان قوانين كل دول العالم التي يتم إيداع الأموال في بنوكها توفر حماية للسارقين، على سبيل المثال أصدرت سويسرا قانونًا عام 2011، حول رد الأموال غير الشرعية، ألقى كل العبء على سلطات الدول المنهوبة أموالها لإثبات شرعية هذه الأموال، رغم أن السلطة الفدرالية لمراقبة الأسواق المالية (فينما) اتهمت العديد من البنوك السويسرية بأنها تمارس عمليات غسيل أموال منهوبة ومهربة، منها أموال مصدرها مصر وتونس واليمن وليبيا والعراق، بالإضافة إلى دول عربية وأجنبية أخرى.

ولعل الأمم المتحدة التي تسعى لوضع حلول للأزمات والنزاعات تدرك أن حجم الفساد والاستحواذ على مقدرات الشعوب هو السبب في كل الصراعات والاحتراب الحاصلة حاليًا.

ولعل خبراء الأمم المتحدة يعلمون سبب الحراك الشعبي العربي المعارض، أو ما يتم تسميته بـ«ثورات الربيع العربي»، الذي كان بالإمكان تسليط الضوء عليه مبكرا وعلى حجم الفساد، والنهب المنظم للمال العام من قبل المسؤولين أموال تكفي لاستنهاض الأمم لا أعتقد أن المجتمع الدولي لا يفهم سبب هذه الثورات العربية ولا أجزم أن الأمم المتحدة الراعية للسلم العالمي وتدخلها المتأخر باستمرار تعلم أن سبب ثورة الشعوب وانقلابها على أنظمة الحكم هو الفساد الذي كان سببا في الفقر والجوع والعوز والمرض وكان من الواجب عليها عدم السماح للفاسدين بالإفلات من الحساب والعقاب، وإن الإدانة الدولية تبقى لا قيمة فعلية لها دون أن تساعد فقراء العالم على استرداد أموالهم المنهوبة.

لكن تبقى الحقيقة المؤلمة وما لا نفهمه الازدواجية المستمرة والمتعمدة من قبل الأمم المتحدة والمتواصلة منذ سنوات في معظم الملفات العربية، من ضمنها ملف الفساد الضخم المترهل، في الوقت الذي تعطى فيه أرقام خيالية عن حجم مشاريع الإعمار في سوريا الذي تقدره مصادر بـ388 مليار دولار وفي العراق بـ200 مليار وفي ليبيا 300 مليار دولار، لا تكلف الأمم المتحدة نفسها عناء السؤال والبحث عن أضعاف هذه الأموال المهربة التي تم نهبها من قبل مسؤولي تلك الدول، أموال جلها موجود ومودع في بنوك العالم الغربي، أموال تغني عن عقد تلك المؤتمرات ومشاريع الإعمار المكلفة، أعيدوا تلك الاموال فقط والشعوب كفيلة بإعادة إعمار بلدانها بأموالها لا بأموال الآخرين بقدراتها وبإمكانياتها الذاتية.

والحقيقة التي لا ينبغي لنا إغفالها أبدًا هي «طالما هنالك الثروة والمال، إذًا لا مجال للسلم والسلام بين بني البشر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد