لا يجهل الخبراء ولا السياسيون ولا الإعلاميون ولا قادة العسكر في مصر خطورة الموقف، ولا أنهم يدمرون الجيش والبلاد، ويقسمون المجتمع ويفتتون البلاد، ويمزقون الأمة ويقزمون مصر لصالح العمة إسرائيل. وأنهم منعوا حرية البلاد وبناءها الحقيقي وتماسكها المجتمعي بما هيجوه من مؤامرات خبيثة وإعلام متآمر، ثم ثورة مضادة وانقلاب عسكري، ثم ذبح المسلمين ونهب الثروات وإشاعة الإباحية والتضليل.

كما لا يجهلون أنهم يُعلون من مكاسب الطائفية المدمرة، سواء الطائفية الدينية أو السياسية أو الأيديولوجية، وأنهم يغيبون غالبية الأمة وهويتها المسلمة، ويدمرون الأجيال القادمة.

لا يجهلون أنهم يحاربون المسلمين في غزة، ويحاربون المسلمين في ليبيا، ويحاربون المسلمين في السودان المسلم. لكنهم لا يحاربون العدو الإستراتيجي: إسرائيل، ولا يحاربون من أجل نهر النيل ومصدر المياه؛ فإسرائيل صديق بل رمز ونموذج لدولة ديمقراطية حديثة، وأثيوبيا التي تهدد وجود مصر كأمة وشعب ووجود، والسد الذي أصبح مصدر فناء لشعب مصر، (سد النهضة) أصبح مصدر خير مشترك! ولا حل إلا الحوار! وحقيقة الحوار هي تلقي أوامر أثيوبيا دون تعديل.

لا يوجه السلاح لتأمين مصدر المياه لحياة هذا الشعب، ولا لتقليم أظفار العدو الإستراتيجي الذي سرق الأرض وهتك العرض واغتصب المقدسات وقتل الآباء والأجداد وسرطن البلاد وأفسدها عسكريًا ثم سياسيًا واجتماعيًا. لا يجهل مراقبٌ لا من داخل الانقلاب ولا من خارجه حقيقة الأوضاع وخطورتها، لكن كلمة السر هي (الفساد).

يسكت الكثيرُ لأنهم اشتُروا بما يشبع بطونهم. فلا تجد إلا بطونًا تبلع وأفواهًا تتلقى الحرام وشهوات تتلمظ للمزيد. الحقيقة القابعة خلف كل هذا أن الفساد هو توأم الانحراف العقدي، مؤداهما واحد وحقدهما واحد ووحشيتهما واحدة وقسوتهما واحدة؛ يسحقون من في طريقهم بحقد أعمى وحيوانية منحطة.

لذا يعالج القرآن العظيم الأمرين، فيصحح الانحراف وينعى الشرك، وكذلك ينهى عن الفساد (ولا تطيعوا أمرَ المسرفين الذين يُفْسِدون في الأرض ولا يُصْلِحون)، (فلولا كانَ من القرونِ من قبلكم أولو بقيةٍ ينهون عن الفسادِ في الأرضِ إلا قليلاً ممَّنْ أنجنينا منهم)، (الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصبَّ عليهم ربُّكَ سوْطَ عذاب).

ولهذا بُعث الرسل يعلمون الكتاب ويزكون الناس، (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) فالتزكية قرينة التعليم؛ لترفع الجهل وترفع انحرافات القلوب، فتُعرّف الناس الحق وترغبهم فيه. فالقلب الفاسد لا ينفعه المفهوم الصحيح لأنه يكره الحق، لكن تصحيح القلب وتزكيته؛ يجعله يحب الحق ويسعى إليه فإن عَلِمه أحبه وتمسك به.

لا يكفي أن يَعلم الناس الحق بل لا بد أن يعملوا به. ولذا فلا يكفي أن يقال للناس مفهوم صحيح دون تعليمهم إرادة الخير والرغبة في الآخرة وحب النظافة والرغبة في التطهر. قد تدفع الشهوات صاحبها لمعصية أو كبيرة، وقد تؤدي إلى كراهية الدين وحربه، وقد تؤدي إلى استئصال أمة!

فأدرِكوا دينكم وبلادكم وأمتكم من كلا الانحرافين العقدي والخلقي، أدركوهما من عداء الإسلام عقديًا ومن الفساد، تحت وطأة التغريب والعلمانية، وتحت وطأة الشهوة والانحراف الخلقي.

والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فساد, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد