أحيانا تتجاوز الحقائق قدرتنا على الاحتمال؛ ذلك حين يتعرى الواقع المظلم بحقيقة أكثر ظلاما وسوادا تتجاوز حدود التوقع والاستعداد، أو أن يقرأ شخص الأحداث قبل وقوعها، ثم تأتي متطابقة تماما وأكثر. فهذا لا شك سيجعل ردة فعلنا: عدم القدرة على الاحتمال.

دائما ما نظن أن هناك حربا علينا، وبالأخص على الإسلام …

قد يوجد وقد لا يوجد بالرغم من أن الإسلام لا يحتاج إلى مؤامرة ضده، فما يفعله بعض المسلمين بالإسلام أشد ضررا من «المتآمرين» أنفسهم، إلى الحد الذي لا نرى به سواد أنفسنا ودناءتها، لنفكر بالمؤامرة فقط.

وذهب البعض حد رؤية سيارة الإسعاف وعليها علامة الصليب الأحمر ليقول: إنها مؤامرة! لماذا لا يكون رمز الهلال!

نواري سوآت البعض منا، ممن يقتُل الناس ويهجر ملايين الأشخاص ويشرد الأطفال ويدمر البنى التحتية ويقطع الرؤوس ويروع الآمنين، لنقول عنهم إنهم إخوة قد أضلوا السبيل! إنها مجرد ردة فعل أو إنها فئة مؤمنة بغت او إنها فتنة!

لنضع اللوم كل اللوم على «المؤامرة» التي تحاك لنا، وأنهم يريدون القضاء على الإسلام وما شابه.

رغم أن من سُخرية القدر والصدفة أن بعض من يتحدث بهذا هم يعيشون بحرية دينية واجتماعية في البلدان التي من المفترض أنها تتآمر عليهم!

فهم الواقع بعقل منطقي واقعي يحل الكثير من الأمور، وكذلك فهم طبيعة الصراعات والمؤامرات. هناك مؤامرات تحدث، ولكن ليس بالضرورة أن يكون دائما الدافع واحدا. ليس لأننا مسلمون.

المؤامرات تحدث نتيجة تداخل لمصالح، وتهديد أمن دول معينة أو حتى اقتصاد أو حتى علوم وظواهر اجتماعية، ولا يقتصر فقط على الأمن. غياب التفكير المنهجي المنضبط والأخذ بالأسباب وفقه الواقع جعل الكثير يصاب بنوع من الرهبة مما يحدث، وكنوع من الاستجابة، متفاعلا مع ظروف عاطفية وبيئية، يضع تفسيره لهذه للأمور التي تحدث، محاولا دفع اللوم عنه، وعلى مجتمعه؛ لما وصلوا إليه من فشل، ليضع اللوم على الآخر بأنه من يخطط لإفشاله.

إن الثابت علميا أن المجتمع البشري يخضع لقوانين الحركة الدائمة، وأن في المجتمع عناصر تتجاذب أو تتنافر وتتفاعل مع بعضها الآخر بطريقة تؤدي إلى التأثير المتبادل الذي ينتج عنه التغيير المتواصل، والقرآن لم يغفل عن هذا؛ فـ”المؤامرات” تندرج أيضا تحت مفهوم سنة التدافع، وكما قال تعالى:

(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ) (البقرة: آية251).

علينا أن نفهم الظواهر الاجتماعية وحركتها جيدا لفهم الصورة النهائية للأمور التي تحدث. فأغلب الذين ينظرون للأزمات ينظرون لنتائجها، وليس لمسبباتها، ومن ثم يبنون آراءهم على هذه النتائج. فكما أن للكون قوانينه وسننه فأيضا للمجتمع البشري قوانينه وسننه. وسنة التغيير تسري على جميع الخلق. ونزعة السيطرة والحكم موجودة في الإنسان من زمن بعيد، تراه ينقلب حتى على أبناء جلدتهِ إذا اقتضت مصالحه هذا الأمر. فيتآمر عليهم، ويعمل المستحيل؛ ابتغاء مصالحه. فما بالك أن يكون ذلك على مستوى العقل الجمعي!

ربما نحلل أن المؤامرات على كوريا الشمالية مثلا تندرج تحت مفهوم الإسلام؟

وما بال المؤامرات على روسيا وغيرها؟

فالدول والجماعات تتنافس فيما بينها، وكنتيجة للتنافس هذا تنتج الكثير من المفاهيم والأيدولوجيات والصراعات، سواء الفكرية أو المادية.

ربما يكون هناك معارضة للأفكار الجديدة والأيدولوجيات الجديدة الناشئة، وهذا طبيعي، حالها حال أية أيدلوجية فتية نشأت وظهرت، وتم تبنيها في المستقبل.

ربما يكون هناك معارضة لانتشار الأيديولوجية الإسلامية والرؤية الإسلامية كنمط حياة، ويتم تبنيها من قبل أنظمة ومنافستها الأيديولوجية الغربية. كما يعارض غالبية المسلمين نمط الحياة الغربية والأيديولوجية الغربية.

أمريكا مثلا تحالفت مع كل تيارات العالم الإسلامية الشيعية منها والسنية، المتطرفة، وغير المتطرفة، بدءً من تنظيم القاعدة في أفغانستان إبان الاحتلال السوفيتي إلى الأنظمة الإسلامية والعربية. فإنها تبحث عن مصالحها، وليس ما يحركها هو الكره كما نظن دائما.

ربما يكون هناك كره أو رفض أو تمني زوال لدين معين أو فكرة أو أيديولوجية معينة، لكن هذا لا يرتقي دائما إلى تكريس الحياة لوضع مؤامرة كونية لإزالة مليار ونصف، في الوقت الذي أنت فيه لديك مصالح وتبادل تجاري ودبلوماسي معهم.

وفقا للباحثين السوريون، أظهرت دراسة قام بها مجموعة من العلماء في جامعة Kent في انكلترا بعض الرؤى والتفسيرات المحتملة لاعتقاد الاشخاص، فمثلا: غالبا ما يكون الأشخاص الذين يعتقدون بإحدى نظريات المؤامرة أكثر ميلا لأن يعتقدوا بنظريات مؤامرة أخرى، ومن الممكن حتى أن تكون تلك النظريات متناقضة، والاعتقاد بإحداها يعني منطقيا أن تكون الأخرى مُلفقةً حتما! وأفادت الدراسة بأن الناس قلما يميلون للإيمان بنظرية المؤامرة بسبب تفاصيلها، وغالبا ما يؤمنون بها بسبب معتقداتٍ لديهم تدعم نمط تفكير المؤامرة بشكل عام، فالبعض ينظر إلى أحداث العالم من خلال عدسته الإيديولوجية الخاصة، كما أن الاعتقاد بنظريات المؤامرة يظهر غالبا عند الأشخاص الذين يشعرون بفقدان القوة، والارتياب، ونقص عامٍ بالسيطرة، فتساعدهم تلك النظريات على إدراك العالم من حولهم عبر تزويدهم بتفسيراتٍ بسيطة لأحداث مجتمعية معقدة، وبالتالي إعادة الإحساس بالسيطرة والمقدرة على توقع الأحداث.

بعض الدراسات لم تقل إن جميع نظريات المؤامرة غير صحيحة بالمطلق، لكنها أوجدت مؤشرات معينة يمكن من خلالها تمييز نظريات المؤامرة التي يُرجّح أن تكون غير صحيحة، ومن أبرز تلك المؤشرات:

1- أن يكون برهان المؤامرة نشأ افتراضيا من نموذج الربط بين أحداث لا تحتاج لأن تكون مرتبطة سببيا.

2- أنّ المُتآمرين (المُفترض وجودهم) قد يحتاجون إلى قدرات فوق بشرية لتحقيق أهدافهم.

3- أن تكون نظرية المؤامرة تضخمت من أحداثٍ صغيرة، قد تكون حقيقية إلى أحداث كبيرةٍ جدا، وأقل احتمالية.

4- أن تميل النظرية إلى مزج الحقائق مع التخميناتٍ، دون التمييز بينهما.

5- أن يكون واضعو النظرية من المرتابين بشكلٍ عشوائيٍّ من كل المنظمات الحكومية أو الخاصة.

6- وأهم مؤشرٍ هو رفضُ واضعي النظرية بشكلٍ قاطعٍ لأخذ أي تفسيرات بديلة للأحداث بعين الاعتبار، ونبذهم لأي دليلٍ أو بحثٍ لا يؤيد أو يدعم ما حددوه مسبقا بأنه الحقيقة.

وقد قال الفيلسوف الكبير كارل بوبر: إن مغالطة نظرية المؤامرة تكمن في ميلها لوصف كل حدثٍ على أنه “مُتعمّد” أو “مخططٌ له”، وبالتالي التقليل بشكلٍ خطيرٍ من الطبيعة العشوائية للنتائج غير المقصودة للعديد من الإجراءات السياسية والاجتماعية.[1]

بالنهاية قد تكون هناك مؤامرة أو قد لا تكون، لكن ليس دائما ما يحركها السبب ذاته، وإنما قد تحركها مصالح، فاليوم لا نكاد نقدم للعالم شيئا؛ لكي نؤخذ بنظر الاعتبار، ويتعب العالم من أجلنا، نحن استهلاكيون أكثر مما ننتج.

قد أقر أنا بوجود مؤامرة معينة من عدمها، ولكن مفهوم المؤامرة عندي يختلف عن الآخرين؛ فأنا أرى أن المؤامرة سنة من سنن التدافع، والآخر يرى أن المؤامرة منذ بدء الخلق.

ربما يجد الكثيرون ان نظرية المؤامرة والغموض الذي يكتنفُها شيئا مشوقا وممتعا، ومن الممكن أن تستخدم كنوع من المخدر والابتعاد عن جلد الذات، ولكن، للأسف، الحقيقة شيء آخر تماما، ربما لا يرضي الكثيرين، ولكن لا بأس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مؤامرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد