مع تطور الزمان وظهور العلوم الحديثة والطفرة العلمية البحتة التي حدثت في القرون الماضية، أصبح لفظ “علم” واسع المجال ويختلف عليه كثير من الناس ليس العلماء فقط، بل الأشخاص البسطاء، وتلك الخلافات أدت إلى ظهور أنواع مختلفة للعلوم وتفسيرات كثيرة منها النظريات والفرضيات والعلوم التجريبية.

حتى لو كانت تلك الألفاظ موجودة منذ القدم فلم تكن ذات اهتمام عند العلماء، فكانت فرضيات أفلاطون قانونـًا في زمنه بل شيئًا أقرب إلى الحقيقة، وكذلك فرضيات أرسطو وسقراط وكل الفلاسفة القدامى ونظرياتهم.

ولكن في عصرنا هذا استطعنا أن نفرق بين النظرية والفرضية والحقيقة العلمية، فليس كل ما يقال علمًا تجريبيًا أو حقيقة، فيجب أن يكون الشيء منظورًا ومجربًا وله مستخرجات ونتائج حتى يكون علمًا تجريبيًا ثابتًا، وتلك هي المعضلة التي تواجه معظم العلماء بل معظم البشر.

إن لفظ علم استحوذ علينا حتى نسعى لنكون شيئًا ثابتًا وموحدًا كالحساب (1+1 =2) ولكن ذلك خطأ فادح لأن ليست كل العلوم ثابتة أو حقيقة كونية، بل ليست كل العلوم شيئًا ملموسًا نستطيع تجربته عن طريق قياس الحرارة أو ظهور لون معين أو ملاحظة بعض الأعراض، فهناك علوم لا نستطيع الحكم عليها أو الوصول إلى شيء متفق عليه نظرًا إلى اختلاف الثقافات والأمراض.

فتلك المعضلة أدت إلى نزاع بين الأفكار البشرية على النظم السياسية والفلسفية والعقائدية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال كل فكر يرى الحرية بمنظور مختلف عن الفكر الآخر وكذلك الديمُقراطية، وهناك بعض الدول أو الأفراد يعتقدون أن العدل شيء مطلق لا جدال فيه، وبعض آخر لا يؤمن بالعدل بل يجب أن يكون هناك انحياز إلى طرف معين.

وإذا نظرنا في كل العلوم الفلسفية سوف نجد أن اختلاف العلماء لم يستقر يومًا بل ازداد انقسامًا حتى أصبحوا مجموعات فكرية، فنراهم مصنفين يسارين أو ليبراليين أو علمانيين.. إلخ؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يجدوا مقياسًا ثابتًا لأفكارهم، فكل منهم يعتقد أن تلك العلوم أو الألفاظ غير المجربة هي الأصح.

ولذلك حتى يومنا هذا العلوم السياسية هي محل نزاع كل الدول والأفراد، فكل منا لديه اعتقاد حتى لو لم يكن لديك فكر فذلك في حد ذاته اعتقاد “إنه لا يجب أن يكون لديك فكر معين”، ولهذا لا يجب أن نسعى جاهدين للوصول إلى حقيقة علمية أو ثوابت كونية في بعض العلوم، لأن ليست كل العلوم مثل العلوم الطبيعية، فلا يجب أن نتنازع على المفاهيم التي تأتى بثورات وتهدم حضارات وتجلب تغيرات دخيلة على المجتمعات.

فلكل مجتمع معتقد عن الحرية وهذا شيء لن نستطيع إيجاد ثابت كوني له؛ لأنه يعتمد على الأفكار، وكذلك كل الأفكار الفلسفية بل ُطرق الإدارة وتنظيم الحياة الدنيوية، ولذلك نرى حتى يومنا هذا علماء فلسفة وسياسة لا يؤمنون بالدولة ويرون أن هذا لفظ لا يستحق الوجود، وهناك آخرون يعتقدون أن حالة الطبيعة الكونية “ما قبل الدولة” هو الشيء الأنسب للإنسان.

وهناك من يرى أن الديمقراطية شيء ليس له وجود وأن القوة للحاكم وحده وسوف تجد مؤلفات كثيرة حول ذلك أشهرهم كتاب “الأمير”، وسوف تجد بعض الدول التي تبحث عن السعادة المالية دون الحرية الفكرية؛ لأن الحرية الفكرية محل نزاع، فتجدهم لا يطالبون بانتخاب أو اختيار.

فكلها وجهات نظر لا يجب أن نتفق عليها جميعًا، وسوف نظل على خلاف إلى يوم الدين، حتى لو تم تجربة شيء وتراضى عليه جميع الناس فسوف يأتي قوم آخرون نسميهم بالأٌقلية لن يتأقلموا مع تلك الأفكار.

فيجب عليك عزيزي القارئ ألا تجهد نفسك في النقاشات الفلسفية لأن كل شخص لديه معتقد حول بعض العلوم الفكرية وبما أننا لا يوجد لدينا مقياس ذري نرى به مدى صحة اعتقادنا فلا يجب أن نصل إلى أرض نزاع، فلكل حضارة حاضر ولكل ثقافة فكر فلا نخلط الأمور ببعضها، لأن ليس كل ما يطبق صحيحًا إذا لم يكن حقيقة علمية مثبتة أو مجربة، فليست كل معضلة فكرية ثابتة كونية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد