عندما مات كانط في 12 فبراير (فيفري) 1804 أعلنت مدينة كونجسبرج الحداد العام، ونقشوا على قبره عبارة وردت في ختام كتاب «نقد العقل العملي»: «شيئان يملآن الوجدان بإعجاب وإجلال، يتجدّدان ويزدادان على الدوام كلما أمعن الفكر التأملي فيهما: السماء ذات النجوم من فوقي، والقانون الأخلاقي في صدري».

الدولة عند إمانويل كانط «وحدة عدلية»، وجدتْ للدفاع عن مواطنيها ولتأييد الحق القومي، أما العلاقات الدولية فتنطوي على «حق الأقوام» Jus gentium الذي يخوّل للدول التعايش فيما بينها؛ يشير كانط إلى فكرة «الحق الكوسموبوليتاني» Jus cosmopoliticum التي تشي بحق الجميع المشروع في الحصول على الاعتراف والحماية من جانب السلطات العامة، وإن كانوا غرباء، بوصفهم أفرادًا من البشر، إنّ تتويجَ كلا الحقّين: القومي والدولي، يدفع إلى القول بأن حقوق الإنسان لم تعد طبيعية مجردة؛ بل أضحت حقوقًا وضعية تؤيدها الدول والمجتمع الدولي.

يَفترض كانط أن يؤدّي انتشار الحكم الجمهوري إلى تأسيس الحق الكوسموبوليتاني، فإذا كان أيّ فرد في العالم محرومًا من السلامة العدلية، فما من أحد سالم عدلي في العالم، لأن عالم الدول لا يتحمل وجود البرابرة بين ظهرانيه؛ إذ إنه من الاستحالة إغماض العين عن انتهاكات حقوق الإنسان، عمليات التعذيب، الإبادة الجماعية والإعدامات التّعسفية وانتفاء حكم القانون.

تحدّث كانط بإسهاب عن «الأمر القطعي» (وأحيانا الواجب القطعي)، وكلمة «أمر» قضية عملية مرشدة إلى نوع من الأفعال، تمتلك الوظيفة الإنشائية التي تتمثّل في إكراه إرادة ما على شيء ما، فهو قاعدة مخصّصة بواسطة الفعل «يجب»؛ إنّ الأوامر القطعية تملي على البشرية فعلًا بوصفه هدفًا عقليًّا وخيّرًا بإطلاق.

يقتضي الأمر الأخلاقي الكانطي المطلق «اِفعل الفعل بحيث يمكن لمسلّمة سلوكك أن تصبح مبدأ تشريع عام»، أو بتعبير أدق تصبح قانونًا عامًا لجميع الناس، وفي صيغة أخرى «افعل الفعل بحيث تعامِل الإنسانية في شخصك وفي شخص كلّ إنسان سواك باعتبارها دائمًا وفي الوقت نفسه غايةٌ في ذاتها، ولا تعاملها أبدًا كما لو كانت مجرد وسيلة».

في نصّه الموسوم بـ «النظرية والممارسة» الذي صدر سنة 1793 رأى كانط أنّ مسيرة البشرية صوب تحقيق غرضها الأخلاقي تقتضي وضع دستور كوسموسياسي للشعوب، يجعل تعايش الشعوب دون صدام وفي إطار جمهورية كوسموسياسية يكتنفها قانون كوني أمرًا ممكنًا، غير أنّ كانط تراجع في نصّه اللاحق «مشروع للسلام الدائم» 1797 عن حلمه الكوسموسياسي، وحصره فقط في حق الزائر لبلد ما في إكرام مثواه مدة إقامته المحدودة، إذْ تبيّن لـكانط أنّه من المتعذّر القفز فوق واقع الدول القومية، وتعدّدية الجماعات السياسية في الساحة الدولية، وأنه كلما قويت أنساق العولمة، تشبّث الناس بدولهم القومية، وحدودهم الجغرافية.

تأثر فريديريش شيللر بمذهب كانط الأخلاقي، واستطاع في كتاباته الفلسفية أن يضع نظرية في الأخلاق تختلف بعض ملامحها عن نظرية كانط، مركّزًا على توجيه النقد للصلابة والقسوة في فكرة الواجب القطعي عند كانط؛ يقول شيللر: «إن فكرة الواجب في فلسفة كانط الأخلاقية تتميز بصلابة تفزع منها جميع العواطف الرقيقة، وقد تغري ضعاف الفهم في سهولة أن يبحثوا عن الكمال الأخلاقي في زهد الرهبان»، إن الصلابة في فلسفة الواجب عند كانط تظهر في صوت صارم رهيب يدعو للتخلي عن العواطف، الميول والإحساس مقابل إبداء الطاعة للأمر البارد القاسي، دون انتظار أي جزاء يجنيه.

إن بدا تحقيق حلم كانط متعذرًا ، فإنه يبدو أقرب إلى الواقع من وجهة نظر كوسموسياسية ليبرالية ضمن مقاربة «اليوتوبيا الواقعية» لـ«جون راولز» الذي استخدم مصطلح «الشعوب السمحةDecent peoples » ليصف مجتمعات غير ليبرالية لكن لديها من المؤسسات الأساسية ما يستوفي شروط الحق والعدالة، وضرب بذلك مثالًا يوتوبيًّا على مجتمعٍ إسلامي غير ليبرالي «كازانستانKazanistan »، شعب غير عدواني، يلتزم باحترام حقوق الإنسان، وتحتوي بنيته الأساسية على نظام هرمي تشاوري سمح؛ وبعيدًا عما كان عليه الحال في عصور تاريخية مضت، فإن الارتكان إلى مبادئ التعددية يضيّق نطاق ما هو ممكن عمليًّا في الزمان والمكان الحاليين، لذلك قد تنشأ مشكلة، حسب راولز، في أن حدود ما هو ممكن ليست هي معطيات ما هو فعلي، وبالتالي لا مانع من المراهنة على الافتراضات والتكهنات للبرهنة بكل الحجج على أن العالم المثالي ممكن التحقيق، إن لم يكن موجودًا بالفعل.

يؤكد راولز أهمية ترقية المؤسسات الدولية واعتماد سياسات جديدة وفقًا لقانون الشعوب The law of peoples ؛ لاحتواء الدول الخارجة عن القانون «عندما تظهر مثل هذه الدول إلى الوجود»، ونجاح قانون الشعوب يقترن بالتخلي عن فكرة دولة واحدة تحكم العالم بأسره، مثلما يقترن بـ«إعلاء حقوق الإنسان» من بين جملة الممارسات الجديدة، بمعنى أنه يجب أن تكون حقوق الإنسان موضع اهتمام السياسات الخارجية لجميع النظم، العادلة منها والسمحة.

يقتبس راولز من رايموند أرون Raymond Aron فكرة «السلام بالرضا» ومن شروطها امتناع الكيانات السياسية عن الاستمتاع بثمالة الفخر بأنها تحكم غيرها من الشعوب، فلا طائل من توسيع الأراضي إن كانت المصالح الجوهرية للشعوب السّمحة لا تشكل خطرًا على الشعوب الديمقراطية؛ أما إذا كانت هناك دول خارجة عن القانون تنتهك حقوق الإنسان العالمية، التي هي موضع تأييد واتفاق بين الشعوب الليبرالية، والشعوب الهرمية السمحة، على حد سواء، إذا وجدت مثل هذه الدول فيجب أن تكون عرضة لعقوبات شديدة، أقساها «حق التدخل» وفق ما يمليه «واجب المساعدة».

يضيف راولز أنه على الشعوب جيدة التنظيم واجب مساعدة «المجتمعات المغلوبة على أمرها»، وهي مجتمعات ليست عدوانية أو توسعية، تفتقر إلى التقاليد الثقافية والسياسية، وإلى القدرات والمعارف والخبرات الفنية، كما تفتقد في غالب الأحيان إلى الموارد التكنولوجية والمادية، التي تؤهلها لتكون مجتمعات جيدة التنظيم؛ في هذه الحالة يقع على عاتق المجتمعات جيدة التنظيم واجب إدخال مثل هذه المجتمعات إلى نادي «مجتمعات الشعوب جيدة التنظيم»، ويستدل راولز بدراسة أمارتيا صن Amartya sen التجريبية حول المجاعات عن أربع حالات «البنغال 1942، إثيوبيا 1972، الساحل 1972- 1973، بنجلادش 1976»، من هذه الدراسة يسترشد راولز أن الهبوط في إنتاج الغذاء لم يكن بالضرورة السبب الرئيسي في المجاعات، ولكن غياب «حكومة سمحة» تراعي سعادة شعبها، وتمتلك نظامًا معقولًا لتوزيع المساعدات كان هو السبب الرئيسي، لذلك فالمشكلة الرئيسية وفق استنتاجات صن واستدلال راولز، هي أن المجاعات كارثة اقتصادية، وليست مجرد أزمة غذاء، بعبارة أخرى أن المجاعات ترجع إلى فشل وأخطاء في البنى الاجتماعية والسياسية، والحكومات التي لا تولي اهتمامًا لحقوق الإنسان، ستقف مكتوفة الأيدي، وتترك الشعب يتضور جوعًا، في وقت كانت لها الإمكانية في أن تحول دون ذلك؛ والمجتمعات جيدة التنظيم، كما وصفها راولز، لا تسمح بأن يحدث شيء من هذا، وإن الإصرار على ترقية حقوق الإنسان لن يحول دون حدوث مجاعات فقط؛ بل سيكون قوة ضاغطة من أجل قيام حكومات فعالة، ويخفف متاعب التزايد السكاني، بحيث يتناسب عدد السكان مع ما يستطيع اقتصاد المجتمع أن ينتجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد