إن المقصد الرئيس لأي مشروع تجاري – سواء خدمي أو سلعي – هو تحقيق المنفعة المادية لمُلاك المشروع، وأثناء محاولة الوصول لذلك المقصد تتحقق عدة منافع أخرى وتتسع دائرة أصحاب المصلحة Stakeholders – إن جازت الترجمة – لتشمل الموظفين، والعملاء، والموردين للمشروع، والعلاقة بين الهدف الرئيس وتلك المنافع مرنة، وتتمدد حتى لتوصف بأنها علاقة بين غاية ووسائل، ومن البادي جليًّا أن أي نقاش مبني على الخلط بين الأهداف والوسائل هو محض عبث، ومليء بالمغالطات المنطقية؛ لذا لا يمكن تصور أن هناك شركة ما قائمة بأعمالها بهدف الشراء من الموردين، أو بهدف أن يحصل عميلهم على ما يحتاجه مجانًا، أو أن يتلقى الموظفون رواتب مرضية، ولكن كل هذه وسائل لتحقيق غاية تعظيم المنفعة المادية للمُلاك.

وتلك المنفعة المادية يمكن قياسها بمعادلة في غاية البساطة يمكن تلخيصها في الفرق بين المبيعات والتكاليف لصالح المبيعات، ومن ثَم فإن أي مشروع يهدف بشكل أساسي لزيادة مبيعاته وتخفيض تكاليفه لتعظيم تلك المنفعة.

وحسب ما يرى Steven M. Bragg في كتابه تحليل تخفيض التكاليف المنشور في 2010 فإن برنامج مستمرًا لتخفيض التكاليف لا يعد مجرد خيارٍ للشركات لتظل قادرة على المنافسة على المدى الطويل.

وبالنظر للمسارين المحتملين لتعظيم الربح: زيادة المبيعات وتخفيض التكاليف، فإن زيادة المبيعات تُعد العملية الأكثر تعقيدًا وصعوبة؛ كونها تخضع لعوامل كثيرة أغلبها خارج نطاق سيطرة المشروع، مثل الحصة السوقية والمنافسين وحجم الطلب واستجابة العملاء… إلخ، ويتخللها عدم التأكد في نواحي عديدة، بعكس عملية تخفيض التكاليف التي تقع بالكامل تحت سيطرة المشروع في معظم عناصرها، وقرارات تُتخذ في الغالب بنسبة تأكد معتبرة، ولذلك تعد هي الطريقة الأضمن لزيادة الربح المتوقع على المدى التشغيلي أو الإستراتيجي إذا جرى تنفيذها بشكل صحيح ومناسب.

وحسب د. أحمد حجاج ود. مكرم باسيلي في كتابهم المحاسبة الإدارية – التخطيط والرقابة، المنشور في 2001 فإن فلسفة تخفيض التكاليف هي عملية تحقيق وفورات في تكاليف الأنشطة من خلال تخفيض الوقت والجهد اللازمين لإتمامها، أو من خلال استبعاد بعض الأنشطة المتداخلة والتي لا تضيف أي قيمة للمنتجات، وعلى العكس فإن خفض التكاليف بشكل غير واع قد يسرع بالمشروع للنهاية إذا مس عمليات ذات قيمة مضافة، كما يقول Peter Cochrane في عبارته الرائعة: إن أي مشروع يدار بعقول نمطية غير واعية فإنه يواجه حياة محدودة، حينها سيكون اتباع سياسات خفض التكاليف مجرد تسريع التقدم للموت المفاجئ.

بعبارة أخرى فإن فلسفة خفض التكاليف هي الوجه الآخر للاستخدام الأمثل لعناصر الإنتاج أو موارد المشروع في الأنشطة التي تضيف قيمة حقيقية للمنتج أو تعزز من قدرة الشركة التنافسية أو حصتها السوقية، في النهاية لا أحد يريد أن يضخ أموالًا في منتج لن يُباع، ولا يمكن وصف قرار لخفض التكاليف، أو توظيف عناصر الإنتاج بشكل أكثر كفاءة بأنه غير أخلاقي أو سخيف، حيث إن مطالبة المشروع بالاستمرار في تكبد تكاليف غير ضرورية أو غير مجدية أمر غير أخلاقي أكثر كأن تطلب من أحدهم أن يدفع نيابة عنك ثمن رداء أنيق، ثم تتهمه بالسماجة حين لا يفعل، كما أن استمرار أي مشروع بالإنفاق بشكل غير رشيد وغير كفء سينتهي لنتائج أكثر ضررًا على جميع الأطراف، حين يتقرر غلق المشروع لعدم جدواه لمُلاكه، وعلى جانب آخر فإن عدم التفات متخذي القرار للمؤشرات المبكرة لعدم الكفاءة في الإنفاق قد يصل بالمشروع أحيانًا لأن يكون البدء في خفض التكاليف ليس كافيًا لتدارك أخطاء متراكمة.

وخفض التكاليف له شكلان: ساكن ومتحرك، فالساكن هو الذي تتخذه الشركات لعلاج أزمة ما، كما فعلت عدة شركات في الأزمة المالية 2007 – 2008 مثل شركة Global Tungsten & Powders Corp. الأمريكية المتخصصة في صناعة التنجستن والموليبدينوم حين قررت إيقاف صرف بدلات العمل الإضافي وبدلات السفر، كما قررت عدم شراء أي معدات أو أجهزة جديدة، كما سمحت لموظفيها بأخذ إجازات غير مدفوعة، وكذلك شركة Dell التي أيضًا أقرت إجازات غير مدفوعة كذلك مثلها مثل Cisco وHonda وThe Seattle Times التي خططت حينها لتوفير مليون دولار عبر إجبار موظفيها على إجازة غير مدفوعة لمدة أسبوع.

أما الشكل المتحرك في تخفيض التكاليف، فهو التخفيض المستمر للتكاليف باستغلال كل فرصة لخفض التكلفة وتقليص المدفوعات على أي نشاط بدون قيمة مضافة، بدون انتظار حدوث كوارث أو أزمات، وقد استحدثت عدة شركات أقسام لتخفيض التكلفة، تقوم بتحليل مستمر لكل الأنشطة وتقليص كل ما يمكن تقليصه بدون تأثير على قيمة المنتجات.

وبشكلٍ عام فإن أغلب عناصر تكاليف الشركة بها فرص كبيرة لتخفيض التكاليف دون المساس بالكفاءة، تكلفة الأجور والمشتريات والمخزون والمبيعات والتسويق وتكاليف التمويل وغيرهم.

فإن بدأنا بتكلفة الأجور فهي – عادة – تكون التكلفة الأكبر أو ثاني أكبر تكلفة بعد تكلفة المبيعات، والتي تعد منطقة شائكة حيث إن البعض يرى أن تقليل تكلفة الأجور، سواء بتخفيض الأجور أو تخفيض العمالة هو أمر يستحق اللوم لأنه يتنافى مع الواجب الاجتماعي والأخلاقي للمشروع، وهذا يعيدنا للمقدمة حيث الفرق بين أهداف المشروع ووسائل تحقيق تلك الأهداف، والخلط العبثي بين الأهداف والوسائل، ونظرًا لتلك الحساسية فإن خفض التكاليف في بند الأجور يجب أن يتم بعناية ونتيجة تحليل عميق للوظائف وقيمتها المضافة حتى يتم تقليل الأثر السلبي على الروح المعنوية والولاء للشركة.

كذلك تكلفة المنتج نفسه، يمكن تخفيضها بأن يجري التأكد من أن تصميم المنتج يضمن تحقيقه ربحًا مرضيًا، وأن أنشطة تصنيعه والتعديل عليه بالإضافة والحذف، أو قرارات نقل بعض عمليات الإنتاج لجهات خارجية أو العكس قد خضعت لدراسة جادة لضمان أعلى جودة بأقل تكلفة.

وكذلك المشتريات، تعد المشتريات من العمليات التي تستغرق وقتًا طويلًا وعملًا ورقيًّا كثيرًا لاستيفاء الموافقات المطلوبة التي جرى اعتمادها في الأساس للسيطرة على التكاليف، والتي قد تتسبب في تأثير عكسي بزيادة التكاليف نتيجة الفرص البديلة الضائعة وتكلفة الوقت والجهد والتي يمكن تخفيضها بتبسيط عملية الشراء وحوكمتها بأسلوب أقل مركزية وأكثر تطورًا، وفيما يتعلق بشراء المواد الخام اللازمة للإنتاج، فإن رصيد مخزون أكبر قد يشكل عبئًا على الشركة، لذا فإنه يجب الاحتفاظ فقط بالقدر المناسب من المخزون طبقًا لظروف الإنتاج.

من الجدير بالذكر أن محاولة تخفيض تكاليف البيع والتسويق والترويج قد يؤثر سلبًا على حجم المبيعات، لذلك في المعتاد تقتصر الرقابة على هذا النوع من التكاليف على التأكد من فاعليتها وجودتها.

وختامًا تعتبر القاعدة الذهبية في موضوع خفض التكاليف أن يبدأ خفض التكاليف بتحديد أهداف إستراتيجية واقعية للمشروع، ثم ترجمة تلك الأهداف لموازنة شاملة، يتم إعدادها من الصفر – من قِبل لجنة خاصة تغطي كل أقسام المشروع – طبقًا لتلك الأهداف، ثم اختبارها شهريًّا ومقارنة النتائج الفعلية بما تم التخطيط له، وإدراك نقاط الانحراف عن الموازنة وتداركها بشكل شهري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد