صغيرًا كنت أتجول في طرقات مدينتنا العريقة المزدحمة المتهالكة، أطالع وجوه الناس، وواجهات المتاجر القديمة، كان أحدهم يضع أمام دكانه بضع أكياس ضخمة الحجم ممتلئة ومنتفخة، تتناثر من فتحاتها العلوية ألياف القطن بلونها الأبيض الجميل، ويكاد يُلحظ تفاوت في بياضها ونقاوتها حسب درجتها وقيمتها.

ومرت الأيام وعرفت أن القطن قد صار باهظ الثمن، حتى إن الناس هجرته إلى الإسفنج، ثم هجرت الإسفنج إلى الفيبر، وهكذا تدور الحياة دورتها؛ فيتراجع من كان متقدمًا ويتقدم من كان متأخرًا، والحقيقة أني لم أعرف كثيرًا عن القطن باستثناء معلومات قليلة، منها على سبيل المثال: أن القطن المصري أفضل أنواع القطن؛ نظرًا لأنه من النوع طويل التيلة، وأصدقكم القول إني إلى الآن لا أعرف ما التيلة، وما مقياس طولها، وتعزز عندي ذلك المفهوم حينما كنت أمسك بقطعة من القطن وأنتفها نتفًا فتتقطع وأعجز عن معاينة تيلتها أو طولها.

أما المعلومة الثانية فهي أن جل أهل الريف في بلدنا قد عمل في مكافحة دودة القطن، وهي دودة كانت تهجم على القطن فتدمره وتقضى عليه، وكانت الجهود الحكومية الرسمية تستعين بالأطفال والشباب والبنات في مكافحتها والقضاء عليها. فكانوا يجتمعون في مجموعات لكل منها مشرف، يلتقون في الصباح الباكر وينطلقون في حقول القطن يطاردون ديدانه وينتزعونها نزعًا للقضاء عليها، ويضعونها في أكياس بحوزتهم، وتجمع محتوياتها فيما بعد لتحرق. ولست أدري ما الذى دفع الناس في هذا الوقت للتباهي بشرف العمل في مكافحة ديدان القطن. أهو تقديس لقيمة العمل؟ أم هو دلالة على الصبر والمثابرة؟ وأذكر أنني حاولت الحصول على هذا الشرف من باب الغيرة والتنافس، إلا أن والدتي – رحمها الله- منعتني وخوفتني من ضربة الشمس التي قد تودي بحياة المرء. أما المعلومة الثالثة فهي تلك التي سمعتها في إحدى المسرحيات الفكاهية، يشير فيها الممثل إلى الرجل الطويل بأنه طويل التيلة؛ فصارت لازمة لدينا ومصطلحًا يشار به تهكمًا من كل إنسان طويل القامة، والحق يقال لم يكن الغرض السخرية لا سمح الله، بل كان الغرض هو الفكاهة التي كنا نتلمسها في أي من الأحداث حولنا.

أما عن القطن نفسه، فهو طيع لين مسالم تدفعه دفعة شديدة فيلين ويطير، والحجم الكبير منه لا يزن إلا وزنًا خفيفًا؛ فتكاد ترى الكيس الكبير منه يحمل باليد الواحدة ويجره على الأرض الطفل الصغير. وهو صورة بدائية لمنتجات عدة أولها الخيوط والمنسوجات والأقمشة على تباين أسعارها وأنواعها.

أما المعلومة الأخيرة عن القطن؛ فهي لب الموضوع وبيت القصيد، وفيها يحكى أن معلمًا كان يعلم الناس القراءة فطلب من أحدهم أن يقرأ القول المشهور «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فُطِنٌ»؛ فقرأ الطالب «المؤمن كيس قطن»، فسأله المعلم تهكمًا ما معنى أن المؤمن كيس قطن؟ فرد صاحبنا جادًّا ومفسرًا: «يعني قلبه أبيض يا أستاذ»؛ فكان تفسيرًا جميلًا، جمال تطاير النقاط من الكلمات العربية، فيطير معها المعنى ويتلاشى القصد.

ولست أدري كيف انسحب وصف القطن على كثير منا في هذه الأيام، كيف تلاشت قيم النظام والتفكير والحرية والذكاء والجرأة الاستنباط والتخطيط والتوقع في قلوب الكثير من الناس، كيف أبدلت بالتواكل والتسيب والاستسلام والإذعان وصار الناس يمتدحون هذه الصفات القطنية المائعة ويشيرون إلى صاحبها بأنه بركة، أو طيب، أو غلبان، فإذا وجدت من يحسب بالورقة والقلم ويسجل حقوقه ويطالب بها في تعاملاته مع الناس يوصف بأنه شرير وصعب، لماذا لا يكون طيبًا ومتسامحًا؟ فلا يسأل عن حقه ولا مقداره، ولا يعرف ماذا أخذ وماذا أعطى، فبهذا يكون أبيض القلب قطني التعاملات طويل البال؛ أي لا يسأل عن الالتزام بميعاد أو ميقات لأداء.

كيف تغاضى الناس عن الحقوق والواجبات والالتزام والتسجيل؟ ألم يلحظوا أن أكبر آية في القرآن تسمى آية الدين، والآن يتعامل الناس فيما بينهم بلا كتابة أو حفظ للحقوق. وإذا طالبت بحق أو بعدل في تعامل أو بيع أو شراء، يستغرب منك الناس ويصفونك بأنك شرير ومؤذٍ.

لقد قسم الله -عز وجل- الحقوق في المواريث بالنسب المحسوبة والأرقام الدقيقة المحكمة، وهي حقوق بين أفراد عائلة واحدة، وحدد سبحانه وتعالى نسبة الزكاة بقيمة ثابتة ربع العشر أو نصف العشر؛ فلماذا يصر الناس على أن يتعاملوا فيما بينهم بلا حساب، وأن يأكلوا حقوق الآخرين ما دام في مصلحتهم، أو يزيد في مكتسباتهم، فلا حساب ولا عدل. أما إذا كان عليهم الحق فهم يماطلون ويسوفون ويؤخرون ويتأخرون. ثم ينظرون إليك باستهجان لِمَ أنت لست «كيس قطن».

وهناك من يستخدم القطن قناعًا على وجهه وزينة كاذبة؛ فيجمل به قبح طمعه ويلطف به سوء وحشيته، فيبدو أليفًا مضحكًا بقناع القطن الأبيض الجميل الذي ييسر عليه خداع الناس والانقضاض عليهم بلا رحمة، إنه يريد أن يجعلهم قطنيين حتى يسهل عليه افتراسهم وابتلاعهم. حتى إذا صرخت من ألم الافتراس تخفى بقناعه القطني وتقمص دور الحمل الوديع، وهو ذئب غادر يلتهمك بلا رحمة، ويمن عليك ببعض القطن لجروح جسدك روحك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد