قدر الله لنا أن نعيش الثورة مرتين، مرة كفاعلين في أحداثها، نشطاء في موجاتها، مؤثرين في مشاهدها، ومتأثرين بها، ومرة أخرى ونحن نتجرع مرارة ذكرى أحداثها ومناسباتها، وتترادف علينا الأحداث، وتترا الذكريات، وتزداد الحسرات المملوءة بالغيظ والحنق على من تسبب في ما وصلت إليه الثورة المصرية إحدى زهرات الربيع العربى الجميلة.

ومن تلك الذكريات “أحداث مجلس الوزراء” والتي بدأت شرارتها بتكليف الجنزوري رئيسا للوزراء 25 نوفمبر 2011 ، ولاقى قرار تكليف الجنزوري غضبا واسعا من قبل الحركات الثورية، واستكملوا على إثرها تظاهراتهم واعتصامهم بميدان التحرير، ومن ثم نقله لمحيط مجلس الوزراء بشارع القصر العيني لمدة قاربت الشهر، قبل أن تتدخل قوات الأمن والقوات المسلحة لفض الاعتصام بالقوة، حيث بدأت الأحداث الميدانية يوم 16ديسمبر واستمرت حتى يوم جمعة “رد الشرف” يوم 23 ديسمبر.

تركت هذه الأحداث إلى جانب ثمانية عشر شهيدا_كما ذكرت حملة وراكم بالتقرير إلا أن صفحة ويكي ثورة ذكرت أن العدد 26_ وأكثر من ألف مصاب، تركت أحداثا جساما شكلت نقطة فارقة في تاريخ الثورة المصرية، أولها قتل الشيخ الشهيد “عماد عفت”_رحمه الله_ أيقونة الأزهر الثائر، والذى تحدى بفقهه وأخلاقه وأفعاله وكلماته سلطانا جائرا ظالما كانت روحه الطاهرة ثمنا لذلك.

وثانيها كشف عورة “ست البنات”، وضربها بالبيادات، وسحلها أمام الكاميرات، ليكون العالم شاهدا على تلك المأساة، والتي لطالما أتذكرها فأبكي مرا وعلقما من هواننا وهوان كرامتنا وأعراضنا وإنسانيتنا على كثير ممن نحسبهم شرفاء.

 

تعرت الثورة المصرية وانكشفت سوءتها عندما شاهد العالم سوءة “ست البنات” التي كُشفت بأيادٍ آثمة مجرمة، أيادٍ لطالما هتكت أستارًا، وسفكت دماء، بغلظة ووحشية ولازالت.

 

نموذج “ست البنات” كشف الجميع وفضح الكثير، فضح الجيش بقياداته الكاذبة المجرمة وشرطته العسكرية الآثمة ومظلاته القبيحة الفاسدة، وأظهرت الكاميرات مدى الغلظة والحقد وعدم المروءة في جنود الجيش ورجاله _بل وميلشياته_وهم يتكالبون على” امرأة” يهتكون أستارها بنظراتهم الخسيسة وأياديهم المجرمة وبياداتهم القميئة، وهم لايزالون يضربونها حتى مزقوا ثيابها ومزقوا معه حياء المجتمع وثقته فيما كان يسمى يوما ما جيش مصر.

نموذج “ست البنات” كشف قبحًا مجتمعيًا خطيرًا في أخلاقه وإنسانيته وأفكاره، حيث لم يكتف المجتمع بالصمت الفاضح لجرائم مشهودة وأفعال مرفوضة، بل برر الكثير والكثير منه لأفعال وحشية مجرمة ومحرمة كانت لبنة خبيثة لما نشاهده الآن.

وفضح أيضا مشايخ “إيه اللي ودها هناك” وكثيرًا من الإسلاميين عديمي النخوة قليلي المروءة فاقدي الإنسانية، الذين طالما جلدوا الضحية وسلقوها وشرفها بألسنة حداد سليطة لا ترقب في إنسان “إلا” ولا “ذمة”، ونموذج “إيه اللي وداها هناك” لم يكن لسان حال بعض المشايخ والدعاة ولكنه كان حالة مجتمعية قاسية ومتغلغلة في نسيجه وطبقاته وبين أبنائه وأفراده، حتى أني لازلت أتذكر كلاما يندى له الجبين من كثير ممن يحسبون أنفسهم على الإسلاميين في هذا المشهد، ولازلت أطالبهم بالاستغفار والتوبة عن أخطائهم وذنوبهم.

والغريب أن الإسلاميين بشتى فصائلهم وجماعاتهم كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والدعوة السلفية شاهدوا تلك الجريمة بثًا مباشرًا كما شاهدها العالم، إلا أنهم لم ينزلوا حتى في جمعة “رد الشرف” لكي ينددوا بتلك الجريمة، والتي قلت وقتها أن السنن لا تحابي أحدا، وأن من صمت على أعراض انتهكت، سيجد من يصمت على أعراضه وهي تُنتهك، وقد كان.

وفضح كذلك إعلام “العباية الكباسين” إعلام الشهوة والفضائح وهتك الأعراض، إعلام النظام القديم ومخابراته وأجهزته الأمنية وأذرعها، إعلام يتغذى على عقول خربة وقلوب عفنة، تُلقى فيها ما تشاء من قاذرواتها الفكرية ولوثها السمعي والبصري.

وفضح أيضا “الإخوان المسلمين” ثوريا وسياسيا وأخلاقيا؛ ثوريا بتخليهم الكامل عن المسار الثوري بل ومعاداته ومحاربته وعدم الاستفادة من درس “محمد محمود”، وتبنيهم المسار الإصلاحي وأن شرعية البرلمان أهم من شرعية الميدان، لكن الأولى كان التجاوب مع كل المسارات، بل الانحياز للمجرب والمعروف والذي نحن حديثو عهد به وهو المسار الثوري الناجز والناجع، وتصحيح خطأ تسليم السلطة لهذا الوكيل الخائن، كما كان يقول الشيخ عماد عفت _رحمه الله_ بالضغط الشعبي والإجماع الوطني، وأخلاقيا بصمتهم على جرائم العسكر ومصائبه وسيناريوهاته وانتهاكه للحريات والأعراض، وسياسيا بعدم الاستفادة من ثقلهم المجتمعي والجماهيري بفرض أجندتهم السياسية بقبول اقتراح تسليم السلطة للكتاتني المنتخب رغم أنهم سعوا إلى السلطة حتى وقعوا في براثنها وخيوطها ومشاكلها، فكانت أخطاؤهم وثقل المهمة وتحمل تبعاتها فرادى وجلد خصوم الثورة وأعدائها وراء هزيمتهم وهزيمة الثورة وهي تدفع ثمن كل ذلك الآن.

وأخيرا فضحت تلك الأحداث نخبة العار وكشفت زيف وكذب قواها المدنية والديمقراطية وثوار السبوبة والفضائيات، والذين كانوا يتباكون على تلك المشاهد ويتشدقون بها ويلوكونها في ألسنتهم بعيدة عن أخلاقهم وقيمهم ومبادئهم الحقيقية، والتي ظهرت جلية واضحة في هذه الأيام وهم مرتمون في أحضان العسكر صامتون على سفك الدماء وانتهاك الحريات وهتك الأعراض وسرقة الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد