سوف لا أكترث لفيلم “الناصر صلاح الدين”، فلقد ضحى بالحقيقة ليس فقط في سبيل الخط الدرامي للأحداث، إنما لسبب لا أجد له محلاً من الأمانة، ربما، يجب لندرك لماذا حدث هذا ألا نتجاهل توقيت كتابته، عندما كانت الحرب التي شنها “عبد الناصر” في منتصف الستينات على الإسلاميين في ذروة النقطة، وبنفس القدر، طريقة العظيم “نجيب محفوظ” و”يوسف السباعي” و”عبد الرحمن الشرقاوي” في النظر إلى الأمور، لقد اقترفوا جريمة في حق “بهاء الدين قراقوش”!

تلك الصورة الذهنية التي كرسها العمل لـ “والي عكا” مزورة تماماً!

لم يكن الرجل خائناً، بل من كبار قادة “صلاح الدين” المقربين، ولقد أفصح عن شجاعته من كل جانب في الدفاع عن “عكا” التي صمدت طويلاً، بفضله، تحت حصار شديد القسوة.

وصفه “ابن خلكان” في “وفيات الأعيان” قائلاً:

– كان حسن المقاصد، جميل النية، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين!

وقال “ابن إياس” عنه في “بدائع الزهور”:

– كان قراقوش القائم بأمور الملك، يسوس الرعية في أيامه أحسن سياسة، وأحبته الرعية ودعوا له بطول البقاء!

كان المصدر الجذري للقدح فيه كتاب اسمه “الفاشوش في حكم قراقوش” لرجل من مدينة “قوص” اسمه “ابن مماتي”، يبدو جلياً منذ سطوره الأولي أن الرجل كتب أحقاده الخاصة تجاه “قراقوش” لا كتب عنه!

“ريتشارد قلب الأسد” أيضًا، عندما وصل الشام للمشاركة في تربية الحرب الصليبية الثالثة لم يكن يتكلم الإنجليزية بشكل سليم، لقد نشأ في “فرنسا”!

كما أنه لم يكن متزوجًا منذ عهد بعيد، بل كان حديث العهد بفك خطبته من “أليس” أخت “فيليب” ملك “فرنسا”، لتخطب له والدته، عقب انهيار تلك الخطبة “برنجاريا” ابنة ملك “نافارا” وترسلها في قارب للحاق به في “الشام” برفقة “جوان” أخته!

مع ذلك، لا يجب أن نطيل الوقوف فوق زواج “ريتشارد” لسبب بسيط، هناك وثائق تاريخية أيقظت شكوك الكثيرين حول شذوذه الجنسيِّ، لقد كان “مثليًا”، ولقد ثبتت توبته عن اللواط واعترافه مرتين!

صدمة طبعًا.

كذلك، “الدمشقي”، مخترع السائل الفاتك بالأبراج كما زعم الفيلم، ذلك السائل ليس سوي حمض الكبريتيك المركز الذي كان العرب يعرفونه قبل ذلك الوقت بأكثر من “300” سنة!

ثمة مغالطات أخرى تبناها الفيلم تتسع لأن تخرج الفيلم من إطار التاريخ إلى تاريخ الأدب الشعبي، لا داعي لذكرها.

لذلك، سأعتمد فقط على ذيل “وليم الصوري”، فهو يوميات أمينة لشاهد عيان على قصة الحرب الصليبية الثالثة.

لقد نقل لنا وشاية عن كونت “فلاندرز”، لا أعرف اسمه ولا يعنيني، فالأسماء في تاريخ أوروبا الوسيط لا تهم، فهو تاريخ الزيجات الملكية، هذه الوشاية تفضح الأثر الفادح لمكائد الأقبية المظلمة!

لقد ألح كونت “فلاندرز” وهو يحتضر في طلب “فيليب” ليتحدث إليه في شأن يخصه، عندما استجاب ملك “فرنسا” لطلبه نصحه الكونت بأن يأخذ حذره ويحترس من وجود رجال بالجيش تعاهدوا فيما بينهم تعاهدًا أكدوه بالقسم على أن يفتكوا به، وهو، لن يخبره من يكون هؤلاء المتآمرون!

عندما امتص عقل “فيليب” تلك النصيحة المريبة وأخذها على محمل الجد، وأقلعت السفينة التي تقله إلى وطنه، كان “صلاح الدين” قد ربح نصف المعركة!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لقد تجاوز صدى تلك الوشاية العنقودية الغرفة التي قيلت فيها إلى ميدان المعركة!

كان “فيليب” قد ترك جيشه، وكان كبار قادته يعلمون سبب رحيله، لذلك، عندما أصبح الجيش تحت أسوار “القدس”، خشي دوق “برجنديا” أن تنسب “أوروبا” استعادة قبر المسيح إلى “ريتشارد” وحده، فأمر جنوده بالتوقف عن الزحف والعودة إلى “عكا”، تلك اللحظة، كانت الحرب الصليبية الثالثة قد منيت بالفشل فعلًا، وفي ذلك يقول “وليم الصوري” بمرارة:

– ولم يمد الأجل لدوق “برجنديا” فقد مات ودفن في مقبرة “سانت نيكولا”، فأصيبت المسيحية بخسارة فادحة بسبب رأيه، ولولا توقفه عن الزحف إلى “بيت المقدس”، ولولا فراقه لملك “إنجلترا” لاستولى المسيحيون على المملكة كلها!

لا أدري كيف تراجع كونت “فلاندرز” إلى خلفية تلك الحرب وبات همسًا وذكرى برغم فداحة دوره في نتيجتها!

وما أشبه الليلة بالبارحة!

وشاية أخرى من وشايات الأقبية تم حقنها في عقل “د.الجوادي” فنقلها دون تدبر إلى “د.مرسي” كانت السبب المفصليَّ في تأليب الكثيرين على حكمه ووضع الإخوان المسلمين في الركن ولكمهم بكل قوة، ومن كل جانب!

لا أرتاب في بياض نية الرجل بل أؤكده، ولهذا البياض وحده وقع عليه الاختيار للقيام بالمهمة، كل ما في الأمر أن عضواً بالدستورية لعله الآن من أهم أشجار “غابة يونيو” همس في أذن “الجوادي” بنية المحكمة إلغاء الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس، وكلنا يعلم ماذا حدث بعد ذلك!

لقد انتصرت الثورة المضادة هذا صحيح، صحيح أيضًا أن النصر والهزيمة، ككل شيء، يذعنان لقوانين النسبية!

“صلاح الدين”، انتصر، لكن، عقب انتصار الفرنسيين على السوريين في “ميسلون” عام “1920”، زار قائدهم “هنري جورو” قبره وركله بقدمه وصاح:

– نحن قد عُدنا يا صلاح الدين!

لقد كان الانقلاب حتميًا على أي مدني يحكم “مصر”، أستثني “حمدين صباحي” فهو “واحد منّهم”، ولحسن الحظ، وقع النرد على رجل الإخوان، فهؤلاء، لا يمنعنا الغرور أن نعترف بأنهم الفصيل الوحيد القادر على تبادل اللكمات!

وما دام لـ “فرنسا” نبض في هذا الكلام، لن أفلت البالونات كما في الوداع قبل أن أقول:

كانت مذبحة القديس “بارثولوميو” في “باريس” عام “1572” هي النغمة الأولى لهزيم الرعد الذي اندلع في “14” يوليو عام “1789” ليغير مسار التاريخ والجغرافيا الاجتماعية على هذا الكوكب، الثورة الفرنسية طبعًا!

لذلك، لأمر ما يختبئ الآن في تجاعيد المستقبل، كان يجب أن تحدث مذبحة كـ “رابعة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد