من فترة شاهدت فيلم “أمير الانتقام”، إنه من أفلامي القديمة المُفضلة.

ذكرني برواية “كونت مونت كريستو” التي درستها في مرحلة دراستي الإعدادية بالإنجليزية، وكم انبهرت بجمالها وتشويق أحداثها وغرابتها. إنني أحب أمثال هذه الروايات البسيطة التي تتحدث عن الأمل الباهر من بعد اليأس العاتي, ولعل هذا مغزاها، الذي ختم به المؤلف الرواية العبقرية الضخمة في رسالة الكونت مونت كريستو:

(إياك أن تنسى يوما أن حكمة البشرية جمعاء, تتلخص في هاتين الكلمتين: ” انتظر، وتذرع بالأمل”)

وكأن الأمل يضمن كل شيء، فضلا عن الثروة التي أورثها لأنقى شخصيتين في الرواية في النهاية.

كنت قرأتها مُترجمة إلى العربية من كتاب خارجي للنسخة المدرسية، وراقتني للغاية, فكررت قراءتها منه عدة مرات, إلا أنني بعد مشاهدة الفيلم تشوقت لقراءتها مرة أخرى، فنويت قراءتها مُجددا، إنما بشكل أعمق وأكثر تفصيلًا.

بحثت عنها على الشبكة، فعثرت على نسختين مُختلفتين.

( الأُولى: إعداد إسكندر سمعان، إصدار مكتبة لبنان، بيروت، سلسلة السنابل، الروايات المشهورة ) وهي نسخة مبتورة، فقط حتى هروب دانتس من سجنه.

(الثانية: ترجمة د.فؤاد فريد، منشورات المكتبة الحديثة، ودار الشرق العربي، بيروت) وهي نسخة مختصرة للجزء الأول من الرواية، ومُفصلة للغاية في جزئها الثاني.

قررت قراءتهما معا في نفس الوقت! بأن أقرأ جزءا وأستزيد من التفاصيل بجزء آخر من النسخة الثانية, وهكذا.

كنت في غاية الاستمتاع والنشوى، وأنا أستعيد مشاعر الطفولة، شيء عجيب, أحسست أنه يمكن للمرء أن يحتفظ بطفولته في قصصٍ أو ألعاب معينة أو صورٍ ما ثم يمكنه عندما يكبر أن يستعيد مشاعر البراءة والطفولة والصفاء, حينما يعود لمُمارسة أي ما كان يفعله قديما.

ذكرتني بعض الجمل والكلمات بعهد الطفولة وجمالها ونقائها المُحبَّبين, حقا لا يشعر المرء بالنِعم إلا بعد فواتها. الطفولة نِعمة مؤقتة تمنح الإنسان الكثير عندما يكبر, يكفي تلك الذكريات اللذيذة التي تهون عليه مرارات الواقع البئيسة.

“كونت مونت كريستو” القصة المُفضلة لي على الإطلاق، تماما كما فيلم “وداعا شاوشانيك” المُفضل لي على الإطلاق؛ لأنه يحكي مَضمونا شبيها لها, في كل مرة أقرأ الرواية أو أشاهد الفيلم أشعر بإثارة ومُتعة المرة الأُولى بلا أدنى إحساسٍ بسأم,

في كل مرة أكتشف أبعادا جديدة, وتلك هي عبقرية الرواية أو الفيلم, هذه المرة قرأتها بنُضج يختلف كثيرا عن آخر مرة قرأتها فيها, حيث قرأتها في ظل هذه الظروف التي تمر بها مصر من ظلم وجور، واعتقالات بأردأ الطُرق وأكثرها هدرا للحقوق، وزيادة في الإهانة والاستهانة. لم يكن هناك فرق بين سجن إيف بفرنسا وبين كل سجون مصر قاطبة, بل إن قصر إيف أخف تعذيبا وأبسط تنكيلا!

هي رواية كل العصور، هذا هو العمل الخالد, العبقري الذي يحوي داخله سُنن الواقع الذي يتناول هموم الشعوب وبلايا البشر.

 

* تبدأ الرواية بنهاية رحلة (في بداية أو منتصف) سنة 1815، نعرف مُلخصها من الشخصيات الرئيسية إدموند، ومسيو موريل، ودانجلرز، تفاصيلها مِحورية، لكنها لا تبدو كذلك فيما بعد، إذ تنفتح آفاق النجاح والترقي للشخصية الرئيسية. نجاح، وترقية في ريعان الشباب، ومال، وحب أجمل فتاة وزواجه منها، وحُرية مُطلقة، وخطط مستقبلية، وآمال كبرى. ثم يتدخل الحقد والحسد والغيرة، فيوشون به عند أولات الحُكم والسلطان، ليُقبض عليه، ويتبين القاضي المُنافق للسُلطة خطورته عليه وعلى مستقبله المِهني والطبقي، فيُودعه بالسجن مَدى الحياة ظُلما وقهرا، بلا تحقيقات ولا مُحاكمات ولا أحكام!

تتحدث الرواية عن فترة راهنة حينئذٍ من الواقع السياسي في فرنسا بعد الثورة 1789، نقرأها حاليا على الصعيد التاريخي. نرى فيها شيطنة الثوار وتسميتهم بالمُغتصبين، وزعيمهم نابليون، والذي قاد انقلابا على حُكم الجمهوريين الفسدة (فلول المَلكيين)، ليُعلن الإمبراطورية الأُولى عام 1804، لكن الملكية عادت بعد هزيمته في معركة واترلوا ونفيه إلى جزيرة ألبا، حيث اعتلى لويس18 العرش.

وتعنت ملكيو العهد القديم، فراحوا يتحكمون في كل شيء، ويغذون خزينتهم بمال الشعب، ويسيطرون على الحُريات ويزجون بالثائرين في غياهب السجون، خاصة في سجن قصر إيف المشهور بقبر السجون، والذي أشار إليه الراوي بسُوء سُمعته على مدار 300 عام، هي بالتأكيد مُدة الحُكم المستبد في فرنسا، والتي دعت الناس بالتأكيد إلى الثورة.

غير أنه حدثت للثورة انتكاسات كما هي العادة أو السُنن في الثورات. وتلك هي المرحلة البَينية بين الثورة ونجاحها, فنجد أن مجرد شخص عادي غير مُهتم بالسياسة، يتعرض لتجربة عدائية من الشرطة والقضاء، تقذف به إلى قلب السياسة ومَعمعة السياسيين، ليكون مُؤثرا في مسارها نحو نجاح الثورة ومُعاقبة المُستبدين، بل وإزالتهم شر إبادة.

نرى كذلك أن سجن قلعة إيف المُوحشة، خَلا رمزا للاستبداد والتعسف السياسي، والاعتقال المحموم، والسجن القاسي، بلا شمس، ولا هواء نقي، ولا أنيس لوحدته، ولا حياة كريمة، ذاك الذي لم يخرج منه سجين إلا ميتا.

ماذا نرى من تُهم قاطنيه؟ مُساعدة نابليون رمز الثورة المنفي للعودة؛ حتى يُكمل إصلاحه، ويستأنف بالثوار الثورة على الدولة الفاسدة العميقة، تلك هي تُهمة إدموند دانتس!

تهمة فاريا هي سَعيه لتوحيد إيطاليا مُكملا ما بدأه نابليون؛ لتكون دولة قوية واسعة تسع كل الشعوب في بقعة واحدة مُتآلفة متماسكة, أي أنه عمل سامٍ، محمود الفكرة تهفو إليه الفِطرة السَوية، وليس أبدا بتُهمة، بل هي تهمة الأحرار الشرفاء، هذا ما نعرفه، فقاعدة الأعداء فَرِق تَسد، وليس وَحِّد تسد!

وبذلك نرى أنه عصر مُستبد، تتلاطم فيه أمواج الثورة، تتألب على بحرها الآسن المُترع بالبلايا والفساد. يُعتقل فيه الصالح، ويُطلق الطالح. وهذين المَثلين رمزين في الرواية عما يحتويه قصر إيف بهذا العصر المُستبد من مظلومين مقهورين، مخمودي الثورة.

لكن هيهات! فهذه سُنة الله في الثورات في كل مكانٍ وزمان, الواعي المثقف خالص النية هو مَن يدركها ويعرفها إذا ما انفجرت كوامنها في لحظة الحاضر. فتلك ثورة كبيرة صدحت بفرنسا، تلك التي أتت بعصرها الحديث.

رصد الكاتب بصدق وتفنيد موضوعي جزءا من مراحلها المُنتكسة. وذلك مما رفع من قيمة الرواية وخلد ذكراها للأبد, ما بقي الخير والشر, الحق والباطل, العدل والظلم.

لنتخيل ما يكون مَوضع الرواية من مكانة، وما تكون درجة انتشارها، لو انضم مؤلفها لصَف الملك وللمُستبدين”لويس18″ و”القاضي فيللفور”، عامدا إلى تهميش الثوار والمقهورين: “إدموند” و”فاريا” و”نوارتييه” و”هايدي” و”مكسمليان موريل”.

الاختفاء القسري للمُواطنين، ما تعرض إليه إدموند دانتس في الرواية، سِمة مميزة للشرطة في كل مكان، بما ينطوي عليه من عدم الآمان, وزوار الفجر الذين يقتحمون البيوت والأماكن والأفراح في أي وقت، واختطاف العريس. أمور ليست غريبة في واقعنا الراهن بمصر بعد الانقلاب، وما العريس “بدر الجَمل” منا ببعيد.

كذلك اتصاف السُجناء بصفة الأرقام لا صفة الأسماء، وتحول اسم دانتس إلى رقم (34)، هو مَلمح شديد الصِلة بواقع مُظلم نعيشه حاليا، خرج على إثرها حملات للدفاع عن المُعتقلين وحُريتهم، منها ما يسمى بـ “أنا مش رقم”.

في الرواية إشارة قوية غير صريحة بتقدير الله وتدبيره, ظهرت مثلا أثناء الحفر, عندما ذكر دانتي الله يائسا، فرد عليه فاريا بمَن يعرف الله ويفقد الأمل!

لم يُصرح المؤلف بحكمة الله وتدبيره، إنما نكتشف فيما بعد أن في خطأ فاريا في تقدير بُعد الجدار مصلحة لدانتي، ليُؤنسه، ليُعلمه بالمتآمرين عليه، ليُورثه علمه وخريطة كنزه، فهو قد وصل لنهاية عُمره، ولن يستطيع الهرب بشيخوخته وضعفه، في حين أن إدموند كله شباب وحيوية، وسيُمكنه الهرب والعثور على الكنز، واستخدامه مع ما تعلمه من عِلم غزير في انتقامه، والاستمتاع به، وكيفية تصريف تجارته على مدى عمره المديد, تعويضا عما ضَيعه من سنين في السجن.

فهُنا نجد تدخل عناية الله أمرا واضحا ومحوريا في تغير الأحداث لصالح العبد البطل.

ماذا كان يُمكن أن يحدث لإدموند لو لم يُخطئ فاريا؟ لا شيء، بل ماذا كان يمكن أن يحدث لفاريا نفسه, لربما لو كان نجح في الوصول للجدار الخارجي للسجن، حيث الحرية، لما أمكن أن يهرب؛ بسبب ارتفاع السجن فوق الصخرة البحرية العملاقة, أو تحطم جسده على الصخور إذا تجرأ على الهرب من خلال منفذه الوحيد من زنزانته، وهكذا يُدبر الرب لعبديه الأصلح لكليهما.

ومما يُلتفت إليه، أن ديدن السجينين طوال سنوات وسنوات حفر الأنفاق والخنادق من أجل الهروب, ثم في النهاية دبر الله, ليكون المهرب لدانتس بعيدا تماما عن أي نفق! ليكون فقط النفق الأول الذي حُفر خطأ هو الواصل بين الزنزانتين، هو المُساعد في تبديل الأماكن بين فاريا الميت ودانتس الحي. هنا الإشارة إلى أن المرء قد يسعى ولا يُشترط أن يكون خلاصه في مَسعاه، بل فيما يُدبره الله في ملكوته له من خلاص وفرج؛ ذلك لأن الإنسان قاصر المعرفة مهما تعلم ودبر.

كذلك نلحظ أن خبرة دانتي المُبكرة في البحر، والتعامل مع أفلاكها، نفعه (جزئيا) فيما بعد الهروب، بأن وثق علاقته مع ربان سفينة إميليا الصغيرة، والتي كان لها الفضل في إنقاذه وإيوائه وتشغيله, ومساعدته للوصول لجزيرة مونت كريستو القابع فيها الكنز، فماذا كان سيحدث لو لم يكن معه تلك الخِبرة المُبكرة، التي كانت مصدرا للحسد والأذى الذي طاله من دانجلرز وأشراره.

هنا نرى أن حياة المرء كلها حركات مُدبرة، لها صلات بنتائج وأهداف في النهاية كلها مُتصلة ببعضها, من أولها لآخرها، لا يمكن فَصل حركة أو خطوة عن لعبة الحياة على رقعة الدنيا, من أجل الفوز فيها بالنهاية.

أكثر ما أثار إعجابي. تدين الشخصيتين فاريا ودانتي, فنجد الأول يُثبت الثاني عندما يأس من الحفر، فأتاه صوته مُذكرا بالله، أنه لا يُضيع مَن يذكره.

كذلك عندما هرب إدموند على جزيرة تيبولين واختفى فيها مُجهدا، خائفا، جائعا، عاريا في البرد، فاقدا سلاحه الوحيد، مُهددا من زبانية سجنه وحكومته، ومطاردته، وانقطاع السُبل دون هروبه على الجزيرة، فإذا به يجأر لله:

( يا إلهي، حَسْبي ما لَقيتُ! عَونَكَ اللَّهُمَّ، عَونَكَ!) ص113 من النسخة الأُولى.

فهنا استعانة الإنسان بإيمانه بالله، وبدَوره في تخليصه من بلاياه وخطوبه وأزماته لم يغفله المؤلف، وأكد عليه أكثر من مرة في عِدة مواضع, بل تشعر أن الرواية قصة لنجاة مظلوم بسبب تعلقه بربه؛ فأجزل الله عليه عطاءه وأطعمه وآمنه وأواه وكساه ودبر له، وانتقم من ظالميه.

كذلك عندما زار الكونت عائلة موريل، وتعرضت الابنة إلى أحزانهم ومآسيهم الماضية، فقال لها في لهجة تساؤل:

“عسى أن يكون الله قد شفى أحزانكم بفضله ورحمته كما يصنع لجميع المُعذبين الصابرين”

فأجابت جولي: “نعم يا سيدي الكونت، ليس يسعنا إلا أن نعترف بذلك، فلقد صنع الله من أجلنا ما لا يصنعه إلا لخاصته المختارين، فأرسل إلينا أحد ملائكة الرحمة لإنقاذنا مما كنا نُعانيه!”.

إنه لمن الرائع أن يقرأ المرء رواية مُوافقة لميوله الدينية، تُثبت مدى تعلق حياتنا بالعِناية الإلهية المُهيمنة على حقيقة الوجود التي يؤمن بها البشر والكائنات جميعا، فيما عدى جزء طفيف من البشر, مُلحدين أو غير مؤمنين، أو غير مُكترثين!

شخصية فاريا شخصية عجيبة بكل المقاييس؛ فهي محورية للغاية، وهي أساسية في سياق الأحداث, فلولا فاريا ما كان دانتس أو الكونت مونت كريستو, فهو ضلع العِلم في مثلث نجاة إدموند دانتس, خبرة عملية، إيمان بالله، عِلم زاخر.

ماذا كان مصير دانتس في السجن لو لم يلتقِ بفاريا؟. لا شيء، كان سيظل سجينا حتى يخرج ميتا، ماذا كان مصيره لو لم يتعلم عِلم فاريا؟ ما كان لينتقم انتقامه الذي أعد به نفسه, انتقام الرب من حُساده وحاقديه وظُلامه، ماذا كان مصيره لو لم يرث كنزه في جزيرة مونت كريستو؟ إذا لظل فقيرا، ولربما انتقم انتقاما ساذجا وقع فيه بأول خطوة.

لذلك فوجود فاريا في الرواية؛ إعداد وتهيئة لدانتس, هي مجرد البداية فقط للجزء الثاني من الرواية, الذي سنتعرض له فيما بعد؛ لذلك لا يُمكن اختصار الرواية بمجرد هروب إدموند من السجن، واصطحاب مرسيدس إلى جهة غير معلومة في البحر” في نسخة الرواية الأُولى الناقصة”, فوجود فاريا له غاية، والغاية مبتورة في هذا السياق. فوجود فاريا بالرواية على هذا النسق، مجرد عبث بعقل القارئ الواعي.

بعيدا عن إدموند، ففاريا يستحق إفراد رواية له وحده. قُدرة سجين مُلتهبة بالأمل والإرادة والفِكر الساطع في ظلمة القبر, السجن الذي سكنه لأكثر من خمسة عشر عاما، على اختراع كثير من الحاجات من لا شيء! من سجنٍ أجدب! حوله من ظُلمة إلى نور، ومن فقرٍ إلى رخاء، ومن عُزلة عن العالم إلى عالم مفتوح الآفاق بالعلوم والخيال.

شخصية كتلك, لا بد أن تُلهم كل المظلومين بالسجون أو خارجها, لأجيال مُتسلسلة وقرون مديدة, هي أكثر إلهاما من حي بن يقظان، أو المنبوذ “تشاك نولاند” في فيلم “cast away 2000”, المعزول على جزيرة لسنين, صنع منها عالما كاملابنفسه.

لأن فاريا كان تحت ظروف سجن انفرادية قاسية، ومُراقبة شديدة، وطعام وشراب مُتواضعين، وزنزانة فقيرة للغاية، صنع فيها أكثر مما يتوفر من ظروف حُر على جزيرة مهجورة مُترعة بالمواد الخام والعناصر البدائية! صنع عالما من إمكانيات بسيطة للغاية.

بلا شك هي شخصية باهرة متفردة, أجاد مؤلفها رسمها وتصويرها, ولم يتناولها لا قبله ولا بعده أديب. شخصية عبقرية بكل المقاييس، مشحونة بالأمل والإرادة, بل هي الأمل والإرادة بذاتهما.

ونرى هذا المعنى في هذا المقطع من الرواية، في النُسخة الأُولى:

(وما أن دخل دانتي الحجرة حتى نظر حوله في دهشة، لكنه لم يجد شيئا غير عادي فيها، فقال: “ثمة شيء لا أزال عاجزا عن فهمه وهو: كيف تسنى لك أن تُنجز هذا القدر الهائل من العَمل خِلال النهار؟”

أجاب فاريا: إنني أعمل في الليل أيضا

-في الليل؟! هل لك عينا قِط تخترقان الظلام؟

-كلا بالطبع! لكن الله قد مَنَحَ الإنسان عقلا يستطيع به أن يُدبر حاجاته؛ وعلى هذا فقد صنعتُ لنفسي مِصباحا.

-صنعتَ مِصباحا؟! وكيف استطعت أن تُوفر له الوقود؟

-حصلتُ على الوقود من الزيت الذي يُقدمونه لنا في الطعام، واكتشفتُ أنه وَقودٌ جيد.

 

تأملت القصة برمتها, تساءلت في نفسي, ماذا لو أدرك السجانون المُستبدون القصة، واحتاطوا للأمر, بحيث لا يُمكنون المسجونين من الفِرار، بهذا تكون الرواية قد أحبطت أسرار طُرق الهروب للأبد!

ثم توصلت إلى نتيجتين: السجانون نوعان, نوع مُستبد جائر، عادةً يكونون جَهلة، لا يقرأون، وليسوا بأذكياء؛ لذلك فلن يضاهوا أبدا المقاومين في ذكائهم, فهم عادةً مُتعلمين مُدركين للحقائق؛ ولذلك يقاومون بما عَلموا، في سبيل الحق والحرية.

أما النوع الثاني من السجانين, فهُم مُتعلمون وأذكياء، لذلك لن يكون المسجونون في عوز للهرب، ليس بسبب الجَور والظلم وسُوء الرعاية في السجن، وقُدرتهم على محاصرتهم ومنعهم من الهروب، كلا، بل لأن السجن سيكون أكثر اعتناءً بهم ومُراعاةً لحقوقهم الإنسانية، حتى ولو مع براءتهم من تُهمهم، فلماذا يفكرون في الهرب من مَنظومة العدل القائم عليها سجانون, ضمن نظام حُكم عادل، يُقدر المُتعلمين، وبالتالي العِلم كقيمة لا يهدد مصلحة مسئوليه.

الذي أحزنني عند هروب دانتس, أنه لم يحمل معه مؤلف فاريا, الذي فيه خلاصة أفكاره وأدبه وحكمته طوال حياته، والذي كان الأخير يرغب في أن ينشره في إيطاليا عند هروبه؛ أملا في توطيد سمعته الأدبية به نهائيا.

“صفحة 29من النسخة الثانية”، عندما قال فاريا لدانتس:

(تعال زرني في زنزانتي يا صديقي العزيز, وسوف أريك عملا أدبيا كاملا، هو ثمرة أفكاري وتأملاتي طيلة حياتي!)

وعندما شرح له كيفية كتابته في السجن، ووصل معه لزنزانته, أخرج من أحد المخابئ ثلاث اسطوانات من التِيل مكتوبة كلها، وقال لدانتيس:

ــ (هاك المؤلف كاملا, لقد كتبت كلمة “النهاية” في آخر الصفحة الثامنة والستين, منذ نحو أسبوع، فلو خرجت يوما من هذا السجن, ووجدت في إيطاليا ناشرا له الجرأة على نشر ما كتبت، فإن سمعتي الأدبية تكون قد توطدت نهائيا)

لكن دانتس هرب بمجرد سكين فحسب! وأظن أنه كان من باب العِرفان بالجميل أو جزاء الوفاء, أن يُقدر فاريا, بأن يجلب كونت مونت كريستو أو إدموند كتابه ذاك من الزنزانة، وينشره، مُخلدا اسم مُعلمه وأنيسه ومُهربه.

 

مثير للتأمل في هذه الرواية مَدى خطط كل شخصية، فإنها مع ذلك لا تصل لهدفها بمخططها أبدا.

خطة فاريا في الهرب لم تنجح إلا بالموت!.

إدموند دانتس لم تنجح خطته لحياته إلا بعد مروره بفترة عصيبة.

الأمير سبادا، خبأ الكنز من أجل أن يرثه قريبه, ابن أخيه، وإذا بالأقدار لها مُخططات أخرى أحكم وأعدل. لم يرث قريبه كنز سبادا، واستمر مدفونا مُختفيا عبر السنين, ليكتشف فاريا صديق آخر فرد في عائلة سبادا خريطته، ويعتقد أنه سيناله، ويتمتع به، أو أن يدفعه غرامة أو كفالة لقاء حريته، فلا يفعل! ثم عندما يفقد الأمل، يمنح الخريطة لسجين مظلوم، يلتقيه بين أنفاق الهروب بصُدفة بحتة, يهرب السجين بأعجوبة هو نفسه لا يُصدقها! ويبحث بيأس عن الكنز، ليجده ويستخدمه في التعويض على نفسه، وفي الانتقام من المتآمرين والفاسدين الذين سجنوه، ماذا يُقال عن كل تلك المُخططات؟!

مَن الذي خطط لهم مُخططات, أصلح من مُخططاتهم، وساقهم إلى تلك النهايات المُلائمة لكل منهم؟!

إنها إشارات براقة للقُوى العُليا التي تحكم  كل شيء, وتدبر ملكوت السماوات والأرض, وهو المعنى الذي رسَّخ له المؤلف بقوة وعبقرية.

فرق كبير بين النسختين، لعله مقصود, ولعل أحد المترجمين اطلع على ما تُرجم من قبل حتى يعرف عمله في ترجمته الجديدة, واعتقد أن صاحب النسخة الثانية اطلع على نسخة الأول؛ لأنها مُفصلة من البداية حتى حصول دانتيس على الكنز وزيارته لأبيه، وهو الكتاب الذي درسته وقرأته مِرارا، مُعيدا إلي الذكريات الجميلة. والترجمة فيها تحمل الكثير من المشاعر والتفاصيل, التي تشفي الفضول وتُمتع الوجدان، كما أن المصطلحات مُراعى فيها القارئ العربي، حيث لا ذِكر فيها للخمر مثلا، فجاءت مُبدلة بكلمة شربة ماء.

أما النسخة الثانية, فقد كانت مُختصرة للغاية في جزئها الأول، ولم يَرِد فيها إلا معلومات طفيفة, أكملت بعض التفاصيل الناقصة في الأولى.

انتهت الأُولى برجوع دانتيس لوالده، ورؤيته قبل موته في شقته, في رعاية حبيبته مرسيدس، ونعلم أن القدر انتقم من الأربعة الذين تآمروا عليه، بدون تدخل منه, ثم مُغادرته مع حبيبته على سفينته في البحر إلى حيث لا نعلم!

ولا أدري كيف اتسقت هذه النهاية مع الحقيقة في الترجمة الأصلية!!

في النسخة الثانية بدأت الأحداث تتخذ منحًى تفصيليا دقيقا، أرضاني كثيرا، وهو الجزء الذي لم أقرأه أبدا من قبل، سوى اطلاعي على أحداث الفيلم العربي والأجنبي!

ومنها عرفت تفاصيل الانتقام الذي شرع فيه الكونت مونت كريستو على نار هادئة، وخديعة أريبة، عن نصه الأصلي، حيث إن تفاصيل الانتقام في الأفلام العربية أو الأجنبية، مُختلفة وأقل كيدا وأسخف مكرا.

تعتمد الرواية على أسلوبين: الراوي العليم، واجترار الماضي, بحيث الثاني يدخل في سياق الأول بشكل مُنتظم, حتى لقد بدأت الرواية بهذه الطريقة عندما رست السفينة فرعون في مرسيليا، وقَص فيها إدموند ودانجلرز ما حدث خلال الرحلة للمسيو موريل, كذلك عندما حكى فاريا قصته عن الأمير سبادا وكنزه.

وبعد الهروب بقليل, تتوقف الأحداث في الزمن، والتي يجوز فيها أن تنتهي الرواية بشكل مقبول، وإفرادها كرواية مُستقلة.

ثم يفصل بينها وبين الأحداث الجديدة, بفصل حِيادي الشخصيات، بمعنى أنه لا توجد فيه شخصية أساسية أو رئيسية، يظهر فيها القس “بوزوني”، وكادروس الذي يحكي نهايات كل الشخصيات في الجزء الأول, بحُكم قُربه من جميع أطرافها، فهو كطفيلي أكل من كل الموائد, ويجوز أن نعد هذا الفصل العبقري نهاية للجزء الأول من الرواية, أو بداية للجزء الثاني منها.

ثم تبدأ الأحداث من جديد، في قفزة زمنية فارقة، وكأنها رواية جديدة، لها بطل جديد باسم كونت مونت كريستو, أكبر سِنا، وأشخاص من جيل جديد يلتقي بهم، ثم يبدو أنه شخصية بطل مُختلفة تماما عن بطلها الأول إدموند دانتس البحار الفقير, إذ يظهر بوصفه ثريا عاين الحياة بخبرة غَنية غير هينة. ولعل من اللفتات القوية أن الكاتب لم يُسم الرواية إدموند دانتس، بل سماها باسم الشخصية الأكثر حرية وقوة وسيطرة ودهاء ومقدرة على الانتقام, بأنها شخصية تستحق الالتفات إليها, واسعة الحيلة، تُدرك كل الحقائق، وتطوعها في سبيل الخير، وعِقاب الأشرار.

ثم إشارات وأحداث غامضة، تبرز من بينها قصة سكرتيره برتوشيو عن ماضيه الإجرامي مع القاضي فيللفور، والتي ستتضح بعد ذلك كيف استُخدمت للإطاحة بالقاضي.

ثم قصة الصنيع الذي قام به إدموند دانتس أو الكونت مونت كريستو مع ولي نعمته القديم موريل مُتخفيا، على لسان ولديه في زيارة عائلية.

ثم مدام فيلفور وقصة لقائها بالكونت في الماضي، وحديثهما عن عِلم مَزج السوائل والسموم.

وكذلك قصة الفتاة الشرقية، جارية الكونت “هايدي” عن ماضيها وهي صغيرة مع أمها، تحكي قصة أبيها علي باشا المغدور من الضابط الفرنسي “فرناندو”, وتكون هي القصة التي تتسبب في الإطاحة به ثم انتحاره.

ونجد تلك القصص في الماضي, المُنبثقة في الحاضر، تظهر كما لو أنها تسد فجوات في الفترة الفاصلة بين الزمنين أو الجزأين, وستجد أن القصص كلها غامضة، ومحورية في الأحداث، ومُفاجئة في النهاية، مُرتبة ترتيبا مُنظما، مُتسقا تماما مع المسار المرسوم لها ببراعة، في رواية محبوكة بعبقرية فذة، قَل مَن يُضارعها حاليا في الوقت الراهن، يتعلم منها الأُدباء على مدى العصور.

راقتني مشاهد أثرت كثيرا في وجداني, مثل المشهد الذي جمع الكونت بعائلة مسيو موريل ولي نعمته القديم, صاحب السفينة فرعون, مشهد مشحوذ بعاطفة وحب ورضا وقناعة ونُبل ونقاء وسعادة ونزاهة وأُلفة وتواضع وعرفان وامتنان ودموع؛ حيث اجتمع الكونت بمكسمليان وجولي موريل وزوجها, وتعرضوا لمَلاك ساعدهم خِفية، كان هو الكونت نفسه، لكنهم لم يعرفوا، وحده كان يعرف، وراح يتهرب من مُواجهتهم، ويُخفي شخصية صاحب الصنيع المُحسن المجهول إليهم، وهُم يلهجون مدحا، ورغبة مُلحة في معرفته حتى يشكرونه شُكرا حارا يليق بصنيعه.

دور الكاتب المشهد ببراعة، بأسلوب جعلني ألتهب بمشاعرهم المُمتنة ومشاعر الكونت المتوهجة بالشجن, وكأنني أرى التعبيرات والملامح والحركات والأحاسيس رؤيا العين. مشهد عبقري بكل المقاييس، لا يُجزي وصفي عن قراءته مُباشرةً.

كذلك تأثرت كثيرا بالمشهد الذي جمع الكونت مونت كريستو بمرسيديس، عندما حاولت مُتضرعة أن تدفعه عن مُقاتلة ابنها، صرحت باسمه فجأة، مُعترفة بأنها الوحيدة التي عرفته من الوَهلة الأُولى, بهذا المشهد تنكشف الحقائق كلها عارية صريحة، وتتنادى الشخصيتان الرئيسيتان باسمهما الحقيقيين بدون ألقاب، إدموند ومرسيديس، ويسطع الحب القديم، لكنه مع تقدم العُمر كان قد خَفتَ وانزوى، وتُصبح بينهما الآن فجوات وسدود، ويُفاجأ إدموند بتغير شخصية حبيبته، وعدم خشيتها على غير ابنها، وعدم اكتراثها بكرامة حبيبها الأول، بل وتقبلها لتضحيته بنفسه من أجل محافظته على ابنها!.

هنا تُصبح حياته هينة، لا معنى لها، ولا يجد رغبة في الاستمرار في الحياة بعد ذلك، مع كل ما يملك من ثراء وقوة!

مشهد محوري، تلتقي فيه كل خيوط الرواية قاطبة, يُمكن تلخيص كل الرواية فيه، مع ما يحتويه من مُفارقات عاطفية، ومعاني فلسفية عميقة، مشهد في مُنتهى العبقرية، ضِمن مشاهد الرواية العبقرية قاطبة.

الغريب أنه تعرض للعرب بإشارات عديدة وغزيرة, فقد ذكر خادمه النوبي علي، والذي وصفه بأنه خادم عربي أمين, كذلك اسم السندباد البحري الذي وقع به كونت مونت كريستو أو إدمون على خطاب جولي موريل.

وكذلك عندما لمح لمدام فيلفور عن رغبته في العيش بالأجواء الشرقية، على نسق الملك ميتريداتس, وضمه للعرب وسكان الشرق الأوسط لفئة الشعوب المتصفة بالنشاط والحيوية، وعن استخدامهم للسم كأداة للدفاع والهجوم على أعداءهم، مُحددا, فئة النساء الفاضلات من المصريات ضمن عدة جنسيات أخرى, وإجادتهن لعِلم الكيمياء ومزج السوائل، واستعانتهن به على قضاء حوائجهن, ما يبهر الطبيب المُحترف.

ثم المدح في الشرقيين بأنهم أقوى جنانا فيما يتعلق بمسائل الضمير, وسياق عدة جُمل تُعلي من قدر الشرقيين, وتُحسن من سيرتهم في الإيمان بالثواب والعقاب.

وذكره لألف ليلة وليلة، وكنوزها, وذكره للقسطنطينية أكثر من مرة, ووصفه لهايدي بعَقد ساقيها تحتها على الطريقة الشرقية, وقصة هايدي عن أجواء عربية فيها أسماء عربية مثل أبيها الباشا علي، وخورشيد، وسليم، والسلطان محمود, مما يُعرب عن حقيقة اطلاع المؤلف على الثقافة العربية والشرقية والإسلامية، واتصاله الوثيق بروافدهم، بل واستيراده لأفرادهم، واستعانته بعلومهم، واحتفائه بحضارتهم.

ولعل أبلغ جُملة يُمكن الاستشهاد بها على هذا الاستحضار الشرقي البارز في الرواية، هذا الجزء من صفحة 55 بالنسخة الثانية:

(أما الانتقام بمعنى التعذيب البطيء العميق المُستمر، فمن رأيي أن يتبع المرء فيه القاعدة القديمة (العين بالعين، والسن بالسن)، كما يقول الشرقيون أساتذتنا في كل شيء، أولئِك المحظوظون الذين رسموا لأنفسهم حياة من الأحلام وجنة من الحقائق!)

فكأنه يشيد بالقرآن, باعتبار وجود كلمات (العين بالعين، والسِنِ بالسن) كآية فيه، مؤكدا إجمالا بأن الشرقيين (أساتذتنا في كل شيء) هُم سادة العالم في العلوم الدنيوية والأخروية، بحضارتهم الإسلامية، بناء على ما ورائها من كلمات قرآنية أو قاعدة إسلامية صميمة.

 

تمتلئ الرواية بالقيم النبيلة: منها الصبر، والقناعة، والرضا، والعِلم، والأُنس، والحب للأب وللمحبوبة، والإيمان بالله وبالقضاء والقدر، والوفاء، وفِعل الجميل، والاعتراف بالجميل، والإنسانية، والرِفق، والحكمة، وحُسن الظن بالبشر، والحرص منهم كذلك.

وأورد عدة فقرات من هذه المعاني:

ـ (ــ لحظة واحدة يا صديقي العزيز, لقد جعلت دأبي حتى الآن, أن أُعلن الحرب ضد الظروف، لا البشر! لم أجد بأسا أو خطيئة ما, في أن أثقب جدارا أو أُحطم درجة سلم، ولكني لا أستطيع إقناع نفسي بسهولة, بأن أثقب قلبا حيا أو أنتزع حياة.) صفحة 29 من النسخة الثانية.

– “إن الإلمامَ بالحقائِقِ أمرٌ سهلٌ، لكن ثَمَّةَ فَرقا كبيرا بَينَ العِلمِ وبينَ أن تعرفَ, رُبَّما لا يَحتاجُ الأمرُ مِنكَ إلا لِسنتينِ اثنتينِ, كيما يَستنَيرُ رَأسُكَ بالعِلمِ, أما أن تَعرِفَ ما تَعلَمُهُ، أو أن تَفهَمَهُ فَهمًا حَقيقيا، أو تَسترشِدَ به في حياتِكَ، فَذلِكَ أمرٌ يَستغرِقُ العُمرَ كُلَّهُ. أنا مَثلا لن أكُفَّ عَن العِلمِ حتى غُروبِ شَمسِ حَياتي”. صفحة 77 من النسخة الأُولى.

– (إن أولئِك الذين يُولدون في الثراء, ويملكون وسائل إشباع جميع رغباتهم, لا يعرفون كيف تكون السعادة الحقيقية في الحياة، أما الذين عاشوا وَسط أمواج الحياة وأعاصيرها, فهؤلاء وَحدهم يُقدرون قيمة الجو الذي يسوده الصفاء والهدوء!) ص 79 من النسخة الثانية.

– (فما جدوى الزمن، بل ما جدوى مكافئات التفوق والأوسمة والنياشين والجرائد العِلمية, إذا هي لم تأخذ بيد المجتمع نحو كمال أوفى؟ على أن الإنسان لن يبلغ درجة الكمال المُطلق؛ حتى يتعلم كيف يخلق ويهلك، وهو يعرف كيف يُهلك, وهذه نصف المعركة !) ص88 من النسخة الثانية.

أما ما راقني من تلك القِيم، وبرز بقوة في الرواية، الأخلاق والذكاء والإنسانية والعدالة, الذين اتصف بهم إدموند أثناء انتقامه، ولعله بذلك وَضع قاعدة لنفسه في ذلك، عندما كان يتحدث مع مدام فيللفور قائلا:

(هناك أشخاص قليلون, يَعمد الواحد منهم إلى إغماد سكينه في قلب مخلوق بشري مثله، أو يدس له مثل تلك الكمية التي تحدثنا عنها من الزرنيخ كي يُزيله من الوجود ويمحوه محوا, ومثل هذا القاتل المتوحش يكون شاذا أو غبيا وخارجا على المألوف، ولكي يبلغ هذه الدرجة من التوحش, يجب أن يغلي دمه في عروقه, ويرتفع نبضه، وتُستثار مشاعره إلى أقصى حد, ولكن لو فرضنا أنه استعاض عن الكلمة الخشنة بمُرادفها الأكثر نعومة، وبدلا من أن يرتكب جريمة القتل الفظيعة, يكتفي بإبعاد خصمه عن طريقه ببساطة، دون عنف أو خشونة، ودون لجوء إلى الآلام التي تجعل من الضحية شهيدًا ومن المُعتدي جزارًا، بل دون دم، أو تأوهات، أو هزات عنيفة, ودون إحساس بوطأة اللحظة المُرَوِعة الحاسمة، لحظة ارتكاب الجريمة الفاصلة بين الحياة والموت, عندئذٍ يُصبح في إمكان الشخص أن ينجو من قبضة القانون البشري الذي يقول: (لا تزعج المجتمع), وتلك هي الطريقة التي يُدبر بها الشرقيون هذه الأمور وينجحون فيها، حيث لا يُقيم الناس اعتبارا للزمن, ولا يستعجلون النتائج!) ص 89 النسخة الثانية.

ونجد صدًى لهذا المعنى، عندما انتقم من دانجلرز، لكنه لم يُبالغ في انتقامه، وكف يده عن المزيد من الانتقام:

ــ إذن من أنت؟

­­­­     ـ أنا الرجل الذي بعته وانتزعت منه خطيبته وسحقته؛ كي تصل على جثمانه إلى المجد والثراء! أنا الرجل الذي قتلت أباه جُوعا، وعرضته هو للموت جوعا, ومع ذلك فهو يغفر لك، لأنه يطمع في أن يغفر الله له! أنا إدمون دانتيس!

وعندئذٍ أطلق دانجلر صرخة مروعة, وخر على ركبتيه, فصاح به الكونت: “انهض, فحياتك في أمان، الأمر الذي لم يتح لشركائك, فأحدهم جُن، والثاني مات, احتفظ بالخمسين ألف فرنك لك, إني أمنحك إياها, أما الملايين الخمسة التي سرقتها من المستشفيات فقد ردتها إليها يد أمينة”.

ثم التفت إلى فامبا قائلا: “حين يفرغ من طعامه أطلق سراحه”

هذا المشهد بالأخص يهبنا إدراكا مُهما, بأن انتقام المظلوم كان من جنس عمل الظالمين، ولم يتجاوز فيه حده، ولم يتخل عن إنسانيته ونُبله، بل ظل للنهاية مُتوازنا ناعما رفيقا،     حتى أنه لم يتدخل إطلاقا بيده في دماء أو افتراء، بل نال ظالموه عقابهم العادل على آثامهم الماضية.

حتى عندما أحس إدموند دانتيس بأنه تجاوز حده، رجع إلى نفسه، وأعطى نفسه فرصة العفو عن الطرف الأخير في مربع ظُلامه, بل وتاب إلى الله، طالبا العفو من الله إن كان قد اتخذ صِفة لا تنبغي له، وذلك عندما أرسل خطابا في النهاية إلى مكسمليان موريل وحبيبته فالنتين فيللفور، قائلا:

(وقل للملاك التي ستُشاركك حياتك أن تُصلي بين حين وآخر, من أجل رجل حسب نفسه ــ كما فَعل إبليس من قبل ــ في مرتبة الله، لكنه يعترف الآن في خشوع ومَذلة, أن الله وحده هو الذي يملك الإرادة العُليا والحكمة اللانهائية, فلعل هذه الصلوات تُخفف من وَخز الضمير الذي يشوب حياته).

 

جُمل راقتني:

– (إن الجريمة مهما يتم تدبير براعتها, فإنها تبقى آخر الأمر جريمة يُعاقب عليها القانون، وحتى إن أفلت مُرتكبها من حُكم القانون, فلن تَغفل عنها عين الله الساهرة.

إن الشرقيين أقوى جنانا منا في مسائل الضمير، ولا جحيم عندهم, هذا هو الفارق!) ص89 من النسخة الثانية.

ـ (من حُسن الحظ أن عِقاب الضمير يبقى، ولولا ذلك لكانت الحياة تعسة شقية لا تُطاق. فعلى أثر كل فِعل يتطلب إجهاد النفس في التبرير والتخريج, يتولى الضمير وحده إنقاذنا، فهو يزودنا بألف عُذر وعُذر، يكون قبوله في يدنا وَحدنا. على أن هذه الأعذار التي تفعل فِعل السحر في جلب النعاس إلى أجفاننا, لا تكاد تُجدينا نَفعا, حين نَمثل أمام المحكمة كي نُحاكم عن جريمتنا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأدب, الرواية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد