لا أحد يُنكر أن أبرز ما أنتجته الثورة المضادة هو ظهور جماعات العنف المسلحة والمتمردة. لم ينتهج شباب الربيع العربي أسلوب العنف والفوضى، والقتال المسلح، بل خرجوا بصدورِ عارية ليقولوا: لا للظلم، والطغيان، والفساد، والسجون السرية. خرجوا بمظاهرات سلمية وطالبوا بالحرية، والكرامة، والعدالة، وسيادة القانون. غضبت قوى الشر، والأنظمة الملكية، والعسكرية القمعية في الوطن العربي من ذلك الأسلوب الحضاري الذي أبهر العالم.

بدأت الأنظمة القمعية بالتآمر على شباب الربيع العربي وثورتهم السلمية المُباركة. وقد أوضح مراسل النيويورك تايمز دافيد دي كيركباتريك كيف تواطأت إدارة أوباما مع قادة الثورة المضادة في الوطن العربي خاصة في مصر. كان من نتائج تلك الثورة المضادة انتشار الحروب الأهلية، وبروز جماعات العنف المسلحة، والكيانات الطائفية المتمردة والموازية للدولة كما هو حاصل في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وليبيا. زُهقت أرواح وسُفكت دماء في هذه البلدان والسبب الثورة المضادة.

على سبيل المثال، أصبحت حركة الحوثي في اليمن أقوى من أي وقت مضى. تمتلك هذه الحركة الطائرات المسيرة، والألغام البحرية والبرية، وتهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتضرب بصواريخها في العمق السعودي، وقبل أيام تقول الحركة الحوثية أنّها استهدفت مطار أبوظبي الدولي، في حين تنفي أبوظبي وتؤكد »وقوع حادثة في مطار أبوظبي الدولي تسببت به مركبة لنقل الإمدادات في ساحة المطار التابعة لمبنى المسافرين رقم 1، و لم تؤثر على سير العمليات التشغيلية للمطار أو جدول الرحلات الجوية القادمة والمغادرة». لا يهمنا صحة الخبر من عدمه، لكن الوقائع على الأرض تقول أن الدول التي تورطت وقامت بالثورة المضادة هي المسؤولة عن بروز جماعات العنف المسلحة في أكثر من بلد عربي، والإمارات بلا شك واحدة من ضمن الدول الرئيسية التي دعمت الثورة المضادة في بلدان الربيع العربي.

يبدو أن الأعلام الصفراء، والخضراء، والسوداء سترفرف قريبًا فوق مكة بسبب غباء قادة الثورة المضادة. لا نتكلم بطريقة خيالية وبعيدة عن الواقع، ولكن الوقائع على الأرض تؤكد أن إيران عازمة في تنفيذ مشروعها وبسط هيمنتها على دول المشرق العربي بشكل عام. لا أحد يُنكر أن مليشيات إيران ترابط في شمال الجزيرة العربية بقيادة الحشد الشعبي، بينما يقود «شيعة الشوارع» بحسب مصطلح القائد بالحرس الثوري الإيراني «سعيد قاسمي» حربًا شرسة في جنوب الجزيرة وجنوب السعودية بالتحديد. وشيعة البحرين والدمام منتظرين لساعة الصفر. وشيعة عُمان يراقبون المشهد بصمت. يبدو أن طبول الحرب الإقليمية بدأت تدق أبواب الجميع، ولكن، لم تبدأ ساعة الصفر بعد لتعم جميع دول المنطقة، والسبب في ذلك هو سياسة قادة دول الثورة المضادة غير الموفقة. نأمل أن لا يحدث ذلك، لأن المواطن العربي المسكين سيكون الضحية.

أما قطر فهي غير مكترثة لما يجري وتشاهد لِما يجري في المنطقة بصمت، لأن قادة الثورة المضادة غدروا بها وفرضوا عليها حصارًا جائًرا وظالمًا ولا يزال الحصار مستمرًا حتى كتابة هذه السطور. أتهموا قطر أنّها تدعم الإرهاب وهي لم تدعم سِوى الشعوب العربية وبالتحديد الربيع العربي. لو تركوا مشروع الربيع العربي يكمل مشواره، ما كان لدينا شيعة شوارع، ولا حشد شعبي ولا أسد في دمشق ولا نظام مصري ضعيف في القاهرة. لكنهم، لم يقتنعوا بالربيع العربي وقاموا بثورة مضادة ضد شباب الربيع العربي. يحصد اليوم قادة الثورة المضادة ما زرعوه بالأمس القريب!

نقولها وقلوبنا مملؤة بالغبن، نجحت إيران في نشر فكرها وسياستها وهي تهيمن اليوم على أربع عواصم عربية؛ بغداد، وبيروت، ودمشق، وصنعاء، والسبب هو غباء قادة الثورة المضادة. يتغنى مجرم دمشق بانتصاراته في سوريا الجريحة، ويتغنى الحشد الشعبي الطائفي بتدميره للمدن السنية العراقية، ويتغنى شيعة السعودية والبحرين بانتصارات الحوثي. أما سيد الضاحية الجنوبية فمن شدة النشوة خرج ليقول أتمنى أن أقاتل تحت رايتك يا سيدي عبدالملك الحوثي. كما اعترف أن مليشياته تقاتل في اليمن. أما فقيه «قم» فلم يعد يحسب لدول الخليج أي حساب، وإنما يحاول إبراز عضلاته ويهدد أمريكا بشن حرب إقليمية شاملة وتدمير المصالح الأمريكية في الخليج. أما سليماني قائد فيلق القدس فخرج بتصريحات استفزازية ليؤكد للجميع أن البحر الأحمر لم يعد آمنًا. لم تحرك بعض الأطراف في التحالف العربي ساكنًا تجاه إيران، بل وكالعادة رجعت تتآمر على الدولة اليمنية الشرعية المغلوب على أمرها وعلى الأحزاب اليمنية المدنية!

ختامًا، من بركات الثورة المضادة، بروز جماعات العنف المسلحة في بلدان الربيع العربي، مما يعني أن من قام بالثورة المضادة يتحمل كامل المسؤولية عما حصل ويحصل اليوم في بلدان الربيع العربي، ولا بد من تقديم قادة الثورة المضادة للمحاكمة الدولية. قد يقول قائل أننا نتحدث بنوع من الخيال. لكننا، نؤكد أن عدالة السماء تقف إلى جانب المظلومين، وما ضاع حق وراءه مطالب، وإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد