لم تختلف تونس عن جل الدول العربية والغربية في انغماسها في تحضيرات عيد الحب، أو ذكرى السان فالنتاين تيمنًا بالقدِّيس الذي قضى نحبه نتيجة دفاعه المطلق عن الحب والمتحابّين.

فمع حلول الأسبوع الثاني من شهر فبراير (شباط) لكل عام، تزدان المدن والمقاهي وتنطلق المحلات في ماراثون تحضير جميع البضائع واللافتات الحاملة لمعاني الرومانسية حتى تكون هدايا يتبادلها العشاق بمناسبة هذه الذكرى.

في طريقي إلى المنزل، صادفني شاب يحمل بيده هدية ملفوفة بعناية، لا شك في أنه سيقدِّمها لحبيبته.

وغير بعيد عنه جلست شابة رفقة حبيبها يتبادلان القبلات وفي يدها باقة من الزهور… هي مشاهد مألوفة خاصة بالعاصمة والمدن الساحلية التي تعد أكثر انفتاحًا عن بقية المدن التونسية.

ولوهلة أولى، قد تظنُّ أنك في بلد يجعل الحبَّ مقدَّسًا ويحترم الحياة الشخصية للأفراد. ولكن الواقع في تونس بعيد كل البعد عن الصور التي ترسمها المشاهد الرومانسية العلنية والاحتفالات بذكرى وفاة القديس فالنتاين «الجيلاصي».

رحمة شابة ثلاثينية كادت تجد نفسها وراء قضبان السجون التونسية لأنها قبَّلت حبيبها بسيارتهما الرابضة في موقف سيارات في إحدى ضواحي العاصمة. استوقفهما أعوان الشرطة موجِّهين لهما تهمتي التجاهر بفعل فاحش والاعتداء على الأخلاق الحميدة.

ماهر وحبيبته رغدة واجها تهمة الزواج على خلاف الصيغة القانونية نتيجة عيشهما المشترك بمنزل واحد ومعاشرتهما بعضهما بعضًا دون كَتْبِ صَدَاق… تمَّت مداهمة منزلهما ذات ليل واقتيدا إلى مركز الأمن حيث خضعا إلى استجواب أمنيٍّ لم يخل من توجيه أحكام أخلاقية حول مسألة عيشهما المشترك.

أمَّا الشاب علاء فما زال تحت تأثير صدمة السنة التي قضاها في السجن إثر علاقة حميميَّة جمعته بشاب آخر… يتذكَّر علاء بمرارة إجراءات الفحص الشرجي التي خضع لها وما حملته من انتهاك لحرمته الجسدية وكرامته ما زال يعاني من آثارهما النفسية إلى اليوم…

هي أمثلة على سبيل الذكر، ولكن الوضعيات نفسها تتكرر دائمًا نتيجة القوانين ذات الخلفية الأخلاقية. ولئن لم يجرِّم القانون التونسي العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج بين غير المتزوجين، فإنَّ القضاء قد استأثر تجريمها من خلال منافذ قانونية مثل الاعتداء على الأخلاق الحميدة، والمجاهرة بفعل فاحش والزواج على خلاف الصيغ القانونية. كلها جرائم وردت بالمجلة الجزائية لكن دون تعريف أو ضبط لمفاهيمها ذات الطابع الفضفاض الغامض. فلا أحد، بما في ذلك أهل الاختصاص، يملك تعريفًا واضحًا ودقيقًا لهذه الجرائم رغم العقوبات السالبة للحرية التي رُصِدت لها، مما يترك للقضاء مساحة هامة للتأويل ولتفسير هذه المفاهيم من زاوية نظر شخصية.

وهو ما حوَّلها إلى أدوات تُستغَل للضغط على الحريات الفردية المتعلقة بالحياة الخاصة للمواطنين، لا سيّما الشباب منهم، ناهيك عن تجريم الميول الجنسية المخالفة للمتعارف عليه…

نصوص قانونية تقيِّد الحياة الخاصة للأفراد وحرياتهم لا يتفانى أعوان الأمن في التهديد بتطبيقها بغية ابتزاز «المخالفين» ممن انتهجوا درب القدّيس فالنتاين، بل يتمادون في محاولة تجريم الأفراد ببحثهم عنوة ودون موافقة أو إذن مسبق من السلطة القضائية، عن صور أو أحاديث تثبت «تورّطهم» في علاقات حميمية «مشبوهة» حسب زعمهم. ذاك دور شرطة الآداب في تونس.

أما القضاء فقد دأب على تنصيب نفسه مرجعًا أخلاقيًّا عندما قَبل الدخول إلى غرف نوم البعض والاطلاع لا فقط على تفاصيل حياتهم الحميمية؛ بل أيضًا الفصل فيها وتصنيفها حسب مفهومهم الشخصي إلى «الأخلاق الحميدة» و«الفعل الفاحش»، مستغلِّين في ذلك اعتماد القانون التونسي لمثل هذه المصطلحات الفضفاضة التي تفتح لهم باب حرية تأويلها والتوسع فيها، وهو خرق لأهمّ قاعدة يقوم عليها القانون الجزائي (القانون الذي يضبط الجرائم وعقوباتها) إذ يجب أن لا يتوسَّعوا في تأويل النصوص بشكل يهدِّد حرية الأفراد.

أمر مثير للاستغراب أن تواصل مثل هذه النصوص استمرارها القانوني خاصة مع عدم ملاءمتها لمقتضيات الدستور التونسي الجديد الذي ينص على حماية الدولة للحريات الفردية والحياة الخاصة ولحرمة الجسد والمسكن… الواضح أن السلطة القضائية لم تستوعب بعد توجُّه دستور 2014 الضامن للحقوق والحريات. ولكن الاستغراب يتلاشى بمعرفة أنَّ سبب عرقلة تنقيح مثل هذه الجرائم البالية هو الرغبة السياسية للشق المحافظ بالبرلمان في مواصلة تقييد الحريات الفردية خوفًا من خسارة محتملة للبعض من مناصريهم، وذلك رغم المقترحات والمحاولات المتعددة لتنيقح بعضها وإلغاء البعض الآخر تمامًا.

ولا يخفى أن أكثر الأسئلة الموجّهة إلى السياسيين إحراجًا خلال الفترات الانتخابية هي تلك المتعلقة بمواقفهم حول الحريات الفردية. وقد أثَّرت إجاباتهم تلك بشكل جذريٍّ في نتائج الانتخابات. فالمجتمع التونسي لا يخلو من طابع محافظ على الأقل علنًا.

ولكنَّ جزءًا هامًّا منه لا يعير هذه القيود أهمية، خاصة مع تقبُّل الواقع الاجتماعي المتواصل للحريات الفردية. على أمل أن تحترم القوانين يومًا ما رسميًّا مساحتهم الشخصية، وتحمي حرياتهم الفردية عوض استغلالها لتكبيلهم أو للتشفي منهم. وإلى غاية بلوغ ذلك التاريخ، يتحوَّل الحبُّ والمجاهرة به إلى فعل مقاومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد