في تونس العاصمة وتحديدا في حي شعبي يسمى الصباغين، كنت أمضي اليوم راكضا بين أزقته العتيقة، أشاهد الصيادين القادمين صباحا بكميات من السمك لبيعها، ظفروا بها بعد ليلة طويلة من مصارعة أمواج البحر، أستمع إلى تلاوات القرآن القادمة من جل المحلات الصغيرة، أمرح من خلال مساعدة الباعة في رش الماء أمام محلاتهم -أخبروني بأن ما يفعلونه يجلب الرزق-.

كنت صغيرا، لم يتجاوز عمري حينها التسع سنوات، كان الحي هادئا لا أغراب فيه، تربط كل ساكنيه علاقات وطيدة رغم اختلاف ظروفهم، الشيء الذي جعل الطمأنينة تمتلك قلوبنا فلا نخشى شيئا حتى أني كنت رغم صغري أخرج ليلا لأجالس شباب الحي الذين يمضون السهرة بين قوارير الخمر وأستمع إلى حكاويهم الحزينة التي كانت معظمها عن فتيات سكنَّ قلوبهم.

كنت أجالس السلفي أيضا، كان أكثر الناس وقارا في الحي، يكسب احترام الكل رغم أن سنه لم يتجاوز العشرين، كان يتمتع بمشاهدتي ألعب كرة القدم ولطالما طلب من والدي أن يضمني إلى إحدى الفرق الرياضية.

 

– الخوف من الجيران:

 

لم أكن أعرف معنى الخوف إلى أن انتقلت وعائلتي في سن العاشرة إلى حي جديد يقطنه بورجوازيون من الطبقة الوسطى من الصحفيين والإعلاميين. تغير كل شيء حينها وبدأت أكتشف الخوف، الخوف من الجيران، فكل ليلة ومع انطلاق الحصاد المغاربي كان والدي يخفض من صوت التلفاز وينطلق في حوار سياسي مع والدتي لم أكن أسمعه رغم محاولاتي فقد كانا يتهامسان ويتكلمان بصوت ضعيف جدا خوفا من صحفيي النظام الذين كانوا يحاصروننا من كل الاتجاهات، ولطالما كنت على قناعة بأن الجيران أيضا يخافوننا فيتهامسون كما نتهامس.

 

– الخوف من الشرطة:

 

خلافا لحينا القديم الذي كنا نجتمع فيه صغارا وشباب وحتى كهولا للعب كرة القدم، كان في هذا الحي جار لنا -إعلامي مشهور- يستفزه صوت كرتي إلى درجة تجعله يتوجه إلي بفاحش الكلام فيكوّن في معجمي مفهوما جديدا للخوف، صرت أخاف أن ألعب. وذات يوم، بينما كنت أحاول سرقة بعض الدقائق لأمرح فيها خرج كعادته ليخرج معه والدي هذه المرة فيتشابكان ويتشاجران ولينعته والدي ب”المطبل للنظام”، وقعت الكلمة على مسامعنا ليسكت كل من في الحي، وبعد دقائق معدودة جاءت سيارة الشرطة، كنا قد عدنا إلى منزلنا حينها، كانت أمي ترتعش خوفا، لم أفهم السبب فوالدي لم يكن مخطئا والشرطة هنا لتعاتب المذنب، هكذا تخيلت الأمر في البداية إلى أن استطعت من خلال كلمات أمي المتقطعة ولومها لوالدي على ما اقترفه من جرم أن الشرطة في وطني قد خلقت لتخدم النظام ومطبليه، تملكني الخوف مرة أخرى، هذه المرة من الشرطة التي قرأت في القصص أنها في خدمة الشعب، ظل ذلك الخوف يطاردني إلى يومنا هذا، فكلما رأينا سيارة بوليسية إلا وتسارعت دقات قلوبنا واستعددنا للمشاكل رغم تيقننا بأننا لم نقترف أي جرم.

 

-الخوف من والدي:

 

لم يكن والدي من المعارضين للنظام ولكنه لم يكن من المساندين أيضا، ولكن من لا يساند الرئيس حينها يعتبر معارضا مما تسبب لوالدي في كثير من الضغوطات في عمله، أضف إلى ذلك حجاب والدتي الذي عرفت بأنه لا يروق للدولة ومؤسساتها. تتالت المضايقات لتتلاعب بأعصاب والدي الذي صار لا يطيق أي شيء وكثير الصراخ لأتفه الأسباب، وذات يوم بينما كان كعادته في شجار مع والدتي وإذ به يرفع يديه ليصفعها ويفجر شجارا لا أزال أتذكر كل جزئياته، كلما مر أمام عيني جعلني أرتجف وجعل التنفس من أصعب المهمات بالنسبة لي، حينها صرت أخاف من كل ما يتمناه أي طفل، صرت أخاف من عودة والدي إلى المنزل وأخاف سماع صوت باب بيتنا يفتح.

 

– الخوف من الحب:

 

كنت بحكم عمل أبي وأمي أمضي الكثير من الوقت في منزل جدتي، كان لي خمس خالات وستة أخوال  كان أحدهم واقعا في حب فتاة من حينا، يمضي الكثير من الوقت في الحديث إليها والتغزل بها، إلى أن قرر ذات يوم خطبتها. ككل العائلات المحافظة جندت جدتي جاسوسا ليكتب لها تقارير عن تلك الفتاة وعائلتها وكل صغيرة وكبيرة عنها. جاءت التقارير سلبية ورفضت جدتي هذا الزواج، في البداية ظن خالي أن الأمر سينتهي بالموافقة وذات قيلولة بينما كنت أشاهد معه مباراة لكرة القدم وإذ بأغانٍ عرفت باستعمالها في الأفراح تملؤ الحي، إنه زواج حبيبة خالي من رجل آخر. جن جنونه وٱنتفض يكسر كل شيء يعترضه ليشوه الصورة التي رسمتها في مخيلتي عن جمال الحب ويجعلني أخافه.

 

– الخوف من الزواج:

 

خال آخر لي، تزوج بٱمرأة أحبها وأنجب منها فتاة، رغم أنه لا شيء يبرر أخطاءه إلا أن الظروف قست عليه فجعلته لا يفارق قارورة الخمر ليصل به الأمر تدريجيا إلى تعنيف زوجته مما اظطرها إلى طلب الطلاق ليعيش وحيدا.  كل مرة يراها تلمع عيناه الحزينة والمشتاقة إلى الماضي لكن الأوان قد فات. حتى بقية أخوالي وخالاتي لم أجد في حياتهم الزوجية تلك السعادة التي عرفتها في الأفلام وروايات العشق والغرام، حيث يمثل الزواج تتويجا لعلاقة قائمة على الحب فيعيش البطلان في سعادة وهناء. مع تقدم الزمن وٱكتشافي لعالم الحقيقة أبصرت صورة مغايرة تماما، فالزواج في عالمنا العربي يعتبر صفقة أو مصلحة، الوضعية الصعبة التي نعيشها من فقر وبطالة جعلت الفتاة ترمي بنفسها في أحضان زوج لم تحبه يوما وجعلت الرجل يؤلم من يحب.

 

-الخوف من المستقبل:

 

ربما لسوء حظنا نحن الشباب العربي، عاصر جيلنا مجازر ومشاهد دموية إلى أبعد الحدود، بدءا بفلسطين ووصولا إلى سوريا ومصر والعراق وليبيا حتى تعودنا على هذه الصور، تعودنا الألم واليأس، فصرنا خائفين من المستقبل، نخاف مما يخبئه لنا القدر، ربما حرب جديدة أو عبوة ناسفة في السوق أو سيارة مفخخة أو قذائف أو براميل متفجرة.

ربما لن نجد عملا نقتات منه في المستقبل، كيف سننجب أبناء وسط بلد اقتصاده ضعيف ولا فرص للعيش فيه، لا شيء سوى المعتقلات. صرنا حتى عندما نضحك كثيرا -وهذه عادة لاحظتها على الأقل في تونس- نظن أن القدر يخبئ لنا كارثة جديدة، نخاف حتى عندما نضحك.

 

اليوم وأنا أكتب هذه الكلمات يتملكني الخوف، فالإعلام يتحدث عن حرب جديدة في ليبيا، بينما تجتمع طائرت وجيوش في سوريا تمهيدا لحرب أخرى. هناك في مصر، يزداد عدد المعتقلين والشهداء ويمكن السيسي كرسي حكمه أكثر فأكثر، حالة فوضى تغطي العالم وتلونه بلون الدماء في جل بقاعه حتى أن الكثيرين يلمحون إلى حرب عالمية في الأفق. يزداد خوفي كل يوم، لكن فلسطين وشبابها، ثوار السكين يزرعون الأمل فينا بقوتهم وشجاعتهم، يقولون أننا سنبقى رغم الآلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد