المشهد رهيب، والرؤيةُ باتت مُخِيفة، والعالَمُ أصبح قاسيًا، والقتلُ والتقطيعُ أصبح سيد الموقف، ليس مع خاشقجي وحده، بل مع غيره أيضًا، وما خَفِيَ كان أعظم، وكأن جموعًا تنتظر دورها ليكونوا ضحايا مثل الراحلين، الراحلين بأجسادهم تاركين لنا ما يَندى له الجبين، وتَقْشَعِرُّ منه الأبدان في هذه الحقبة من تاريخِ البشرية التعيس، ولسنا في حالٍ أفضل من هؤلاء، فنحن أمواتٌ وإن تنفسنا الهواء.

ها نحن أُولاء نسمع ونرى ما حدث لخاشقجي حيث بدأت كتيبةُ الإعدام السعودية التي وطأت بأقدامها الخبيثة أرض إسطنبول، وبدأت بقتله ثم تمزيق جثته، وكأني أتخيل هذا المشهد من أين بدأوا؟!

هل بدأوا بأصابعه التي لطالما أطلقت كلمات الحق في وجوههم غير عابئةٍ بجاهٍ أو سلطان؟!

أم بدأوا بقلبه الذي كان يحمل همَّ هذه الأمة وما آلت إليه تحت حُكم الشيطان؟!

أم يا تُرى بدأوا بعقله الذي كان مشغولًا بنُصرة المظلوم، وتحرير الأسرى من خلف القضبان؟!

أم عساهم بدأوا بأقدامه التي لطالما سعت في طريق الحق والخير في كل مكان؟!

هل قتلوه أيضًا بدعوى مكافحة الإرهاب؟!

أم أنَّ ما فعلوه هو عين الإرهاب؟!

وهل عند أهل الإرهاب أبشع من هذا؟!

وماذا تعني أصوات الموسيقى أثناء ممارسة هذه الجريمة غير أن خللًا قد أصاب عقولَ هؤلاء، هو الجنون بعينه، وهو الإرهاب حقًا، وهو مبدأ البقاء للأقوى ولا مكان للضعيف، سلوك الغاب، ووحشية القرن الحادي والعشرين.

رَحِمَ الله خاشقجي فقد كان مثلًا ناصعًا لفارسِ الكلمة في ميدان الصحافة والإعلام، ولكن أسأل وبكل قهر!

هل كان خاشقجي هو الوحيد المقتول ظلمًا وعدوانًا بهذه الطريقة البشعة؟!

هل سيكون الأخير؟!

لست أقلل من فظاعة ما جرى، فلربما بكى الصّوان لأجلها.

لماذا لم ينتفض العالم لمذبحة القرن في مصر، في رابعة العدوية، حيث قتل الآلاف ثم مُثل بجثثهم، وأُحرقت بالنار، واختفى الكثير منها إلى الآن.

فهل يتساءل العالم عن جُثة خاشقجي ثم يتجاهل جُثث الآلاف؟!

هل كان ابن سلمان أكبر جُرمًا من السيسي؟!

أم أنهم أبناء في نفس المدرسة، مدرسة الظلم والاستبداد، والقهر، والقتل، والحرق والدمار.

فى الوقت الذي قُطع خاشقجي على نغمات الموسيقى الهادئة، جرت مذبحة في رابعة على نغمات الموسيقى الصاخبة «تسلم الأيادي».

فهل اختلف المشهد كثيرًا، أم أن المشهد هو هو ولكن اختلفت نظرة العالم له؟

هل تحرك العالم لأنه قتلًا خارجًا على القانون؟!

فبماذا نسمي من ماتوا في «عربة الترحيلات» حرقًا بالغاز، ألم يكن أيضًا خارجًا على القانون؟!

لماذا يسكت العالم أمام التصفية الجسدية اليومية في مصر حتى جاوزوا المئات؟!

هل شعر العالم بآلام آل خاشقجي أكثر مما شعر بآلام آلاف الأهل من المصريين وقد فقدوا، أبناءهم، وآباءهم، وبيوتهم وأعراضهم.

ربما لو دارت هذه الجريمة على أرض غير تركيا، لماتت وأُسدل عليها الستار، كما أُسدل على كثير غيرها في كل أرجاء العالم.

إن كثيرًا من آل مصر يعيشون أصعب اللحظات وأتعسها، وهم ينتظرون بين الحين والآخر تطبيق حُكم الإعدام في أبنائهم، فهل انتبه العالم لذلك؟!

أم أنهم سيتحركون بعد إعدامهم، وحينها لا يُجدي تحركهم؟!

أعود فأقول ليست هذه التساؤلات محاولة منى لتبسيط هذه الجريمة البشعة لكني ألفت أنظار العالم الحُر إلى «بَلد المليون خاشقجي» إلى مصر، فمن لم يمت فيها برصاص النظام الغادر، فهو مطارد أو أسير، أو يحيا كالأموات في بلدٍ لم يعد يُعرف للحياة معنى ولا هوية.

لم يُصدق العالم أن خاشقجي مات في شجار داخل القنصلية كما زعمت المملكة غير أنه قَبِلَ بكل رضا موت مئات المصريين بتهمة تبادل إطلاق النار.

لم تعجز الأنظمة الظالمة من الإتيان بالأدلة والبراهين على أيدى علماء السلطان، الذين أحلوا ما أراده النظام وإن كان حرامًا، وحرموا ما رفضه النظام وإن كان حلالًا، وكأنهم يعبدون النظام ولا يعبدون الله.

فمن علماء المملكة من أحل قتل خاشقجي وبرر للسطان جرائمه خوفًا على مناصبهم ونفوذهم.

أما في مصر فقد أعلن علماؤها أن قادة النظام أنبياء، فالسيسي هو موسي، ومحمد إبراهيم هو هارون، فهل اختلف هؤلاء عن هؤلاء؟!

فقد تناسوا أدوارهم، فبدلًا من أن يكونوا دليلًا للحيارى، وهداية للعصاة المذنبين صاروا مع النظام أينما صار، وقالوا مثلما قال.

فى محبسي هذا سعدت كثيرًا باهتمام العالم لمقتل رجل حُر مثل خاشقجي، وأسعد أكثر لو تحرك العالم لكل مظلوم.

فيا أيها العالم الحُر اغتنموا ما تبقى لكم من حياة قبل أن تفقدوها من غير رجعة، واصدحوا بكلمة الحق، واطلبوا محاكمة من تورط في دماء الآلاف، علها تنجيكم عند ربكم، فهناك لا يُغني أحدٌ عن أحد.

لكَ اللّه يا خاشقجي.. لكِ اللّه يا مصر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد