دعوني أقل لكم: إنني أعلم كل العلم أن يومًا ما ستشرق الشمس على هذا البلد، يومًا ستخبز أمي خبزنا مرتاحة البال على وليدها، فتقول لي – بحكم العادة فقط – حفظك الله من كل شيطان رجيم؛ فأجيبها: حفظك كذلك أمي، بالرغم من علمنا – أنا وهي – بأنه ما عاد في البلاد، لا عفاريت، ولا شياطين.
يومًا ما لن أستيقظ وبي رغبة في الرحيل، لن أترك – كعادتي – حقيبتي قدام باب البيت، ولن أكون خائفًا من اليأس، وقصارى ما أريد هو أن أتنفس هواء جديدًا، وأن تتنفس أحلامي هواء غير الهواء الملوث الذي نعيش فيه، فأرحل، أو للدقة اللغوية: أهرب شمالًا أو غربًا، لا يهم.
يومًا، لن تُغتال كلمتي وهي ما زالت على لساني لم تنطق، يومًا سيتحقق الحلم المستحيل، حيث فيه سأقول: لا، ولن أرتجف، ويومًا كذلك، لن أصاب بالخيبة والحقد؛ لأن خبز الأرض ما عادت تأكله البطون المتدلية في طاولات صغيرة.
ثم يومًا، ويومًا، ويومًا…
أعلم أنني أحلم، لكن أليس ما يفصل الحلم بالواقع مجرد خيط رفيع؟ وما يفصلنا – نحن – عن أحلامنا مجرد قوة الإرادة التي تعصف بالعفن؟ أقول مجددًا: يومًا، أكان قريبًا أو بعيدًا، سيبزغ نجم التغيير محلقًا من الريف، أو من أية منطقة من هذا البلد الصبور محلقًا، قلت: مضيئًا، ولو كان نوره ضئيلًا، ولو بلغ ما بلغ من الصغر، طاردًا ظلمة طال مكوثها.
أجل إنني أحلم مثلكم، كأي ابن لهذا المغرب، ذاق ما ذاق من الخيبات، وعبر ما عبر من المصاعب، ولكنني أخاف – وربما ليس مثلكم – على أحلامي أن تغتال في رحم القلب. إن حريتي أغلى وأقدس عندي من الخبز. قد أموت جوعًا، لكنني لن أقبل أبدًا أن تصبح جدران بيتي من زجاج. دعوني أقل لكم : إنني أخاف – كل الخوف – من شارع مندفع متهور، أخاف من ملتح قد يركب على فورة الشارع وأكبر همه السماء، لا الأرض، الموت لا الحياة، أخاف منه على حريتي، أخاف من الشارع على نفسه، أخاف من نفسي على نفسي.
ثم أخاف، وأخاف، وأخاف…
قد أكون مخطئًا، بل سأكون مخطئًا حتمًا إن منعت صرخة جوع من أن تشق طريقها، وإن وضعت على أفواه الجياع أكمامًا وخرقًا من كلمات. وسأكون مخطئًا أيضًا إن كتمت زفرة، انطلقت من بين ضلوعي؛ لأنني أظن – كغيري – أن في الكتمان تعقلًا ورزانة. وسأكون غبيًا، غبيًا أكثر من اللازم – لأن الغباء في ربوعنا نفعه أكثر من ضرره – لو ظننت – مع الظانين – أن من يقول: هناك مشكلة! يتخابر لصالح دولة أجنبية. لكن دعوني أسألكم: أليس من حقي الخوف ولو قليلًا؟
إن الحق لا يعطى، بل ينتزع، هذا أكيد، لكن أغلبنا لا يدرك أن الحق ينتزع بكثير من الفطنة والذكاء، وقليل من القوة، إن لزم. لا تخلف كل الثورات خلفها الأزاهير. وإن لم نكن نعلم حقًا ما نريد، أو كنا مخطئين فيما نريده، فسنكون كمن يجتاز حقل ألغام، بعيون معصوبة.
إنني أظن أن الشارع اليوم – لأقل الشارع الريفي على الأقل – لا يعي فداحة أن يعلى مطلب، كيف ما كان، على الحرية والكرامة والخبز. ولا يعي أن صراعه المباشر أمام النظام هو انتحار، وهنا لا ألوم الشارع بالتحديد، بل لائمتي تقع على مثقفينا، أولائك الذين نقدرهم، فلاسفتنا وكتابنا وسياسينا الكبار، الصامتين في بروجهم العاجية، الذين تركوا الشارع أعزلا يتخبط، وكأنهم ليسوا من هذا الوطن. أقول مجددًا: إن هذا الشارع لا يعي، أو لم يع بعد أن السماء تفرق، والأرض توحد، وأن صفحة السماء الزرقاء، ما هي إلا انعكاس للون المحيط. أما النظام، نظامنا، فقد برهن أنه لا يعي شيئًا!
يا سادتي، لتعلموا أنني مع الريف، مع الشمال والجنوب، مع الشرق والغرب، ومع أي مغربي إن قدس حريته وكرامته، ثم إن أدرك أن كل قطرة عرق تتصبب من جبينه، هي ملك له ولأبنائه. قد تقص أجنحتنا، قد تكون من شمع، لكن ما حيلة قلم أعزل أمام تيار مياه صاخب؟
دعوني أقل لكم: الحرية والكرامة والخبز، ولا شيء غير ذلك !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد