لئن كان الانقلاب العسكري جريمة يقوم بها مجموعة من الضباط، تهدف إلى الاستيلاء على الحكم بالقوة، وتدمير الحياة السيايسة والاقتصادية، فإن نجاح الانقلاب جريمة يرتكبها المجتمع في حق نفسه ودولته ومؤسساته؛ إذ لولا هذا الخضوع المريب من قبل الناس والأجهزة القضائية والإدارية، وكل مؤسسات الدولة، لحفنة من الأشخاص وُضعت فوق أكتافهم نجوم، وعلى صدورهم «نياشين»؛ جعلتهم يمتلكون جزء من قوة هذا المجتمع؛ ليقوموا بفعلتهم هذه، لولا هذا السكوت لما كُتب للانقلابات العسكرية أن تعيش، فضلًا عن أن تصبح الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم، إذ إن خضوع الناس لحكامهم، وسكوتهم على ظلمهم هي أول دوافع الاستبداد والتسلط.

لعله الوسيلة الأسرع لإشباع شهوة السلطة عند بعض الذين تأخذ بألبابهم فكرة الدخول إلى جنة الحكم، ولعله كذلك الوسيلة الأنجع التي استُخدمت في التاريخ الحديث من قِبل الدول الكبرى لإزاحة حكام «مشاغبين»، واستبدال بهم آخرين خانعين طائعين، ولعله أيضًا الوسيلة الأمضى للقضاء على أي تطور لمفهومَيْ الدولة والسلطة، وبالتالي الإجهاز على حركة ارتقاء المجتمع، وانتقاله كما هو مفروض، من حالة تحكم القوة به وبمقدراته وما ينتج عنها من مآسٍ ومشكلات، إلى قوة التحكم السليم بهذه القدرات للارتقاء بعيش الإنسان على كافة الصعد الحياتية.

يُعد الانقلاب العسكري أحد أبرز أعراض المجتمعات المنحطة على الإطلاق؛ إذ هو يؤشر لمشكلة عميقة في بناء الدولة وتكوين السلطة في هذا البلد أو ذاك، وعند حديثنا عن بناء الدول وتكوين السلطة، لا نقصد القواعد الدستورية والاجراءات القانونية المسطرة على أوراق فاخرة، والمُقرة بإجماع مزيف في مجلس لا ملامح له، لا نقصد هذه القواعد التي صيغت بحسبها هذه الكيانات، بل نتحدث عن أمر أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا، نتحدث عن الفكرة التي أُنشئ المجتمع على أساسها، وانبثقت السلطة من خلالها.

إن الدولة والسلطة في المجتمعات الراقية هي نتاج اقتناع مجموع الناس (الشعب) بمجموعة من الأفكار عن الحياة، وأرادوا العيش وفقها، وهي ما تسمى في العصر الحديث بالأيديولوجيا، وتتشكل ما يسمى ـ في مجال الفكر السياسي ـ بالرابطة أو صيغة العيش، فينتج عن هذه الرابطة كيان جديد هو كيان الجماعة والمجتمع، وتظهر إلى الوجود الإرادة العامة للناس، فتُولَد سلطة من رحم هذا الشعب، تمارس الإرادة العامة لمجموع هؤلاء الناس (السيادة)، فتُمَارس هذه السيادة من خلال مؤسسات سياسية وإدارات ومصالح لرعاية شؤون الناس بما أراده الناس وبما اقتنعوا به. وبما أن السلطة تحتاج قوة لتنفيذ أحكامها والحفاظ على حقوق الناس المادية والمعنوية، تُنشئ قوة عسكرية داخلية (الأمن الداخلي أو الشرطة)، وتُنشئ للحفاظ على الكيان من أي اعتداء خارجي قوة عسكرية قوية ومحترفة للدفاع عن حدود الكيان ووجوده (الجيش).

إن هذا الكلام ليس إطارًا تنظيريا لقيام الدولة وانبثاق السلطة، بقدر ما هو تقرير لقواعد بناء هذه المجتمعات الراقية والمستقرة، وإقامة هذه الدول الناهضة والقوية في شتى مجالات الحياة.

إن هذه المجتمعات التي تكونت نتيجة هذه الأفكار عند الناس، تكون محصنة لدرجة كبيرة ضد أي انقلاب أو ثورة تطيح بالنظام والحكام؛ لأن النظام هو نتاج لما يريده الناس، والحكام هم نتيجة ممارسة حقهم في اختيار حكامهم، ودور القوة محصور بأنه في خدمة تطلعات الناس من خلال ما أنتجوه من سلطة تولت مقاليد الحكم في البلاد، فيصبح الانقلاب شبه مستحيل، وإن حصل يكون نجاحه مستحيلًا؛ لأنه لن تجد مسؤولا أو إدارة أو مؤسسة تقبل بالانصياع لهؤلاء المتهورين الموتورين؛ لأن الدولة عند هذه الشعوب كيان يتألف من الناس وقناعاتهم، ومن السلطة التي يمنحونها هؤلاء الناس، بهذا المعنى تصبح الدولة هي الناس، والاعتداء عليها اعتداء على الناس، وعلى أمر يهم الناس، وهو في صلب اهتماماتهم.

أما المجتمعات التي قامت على أساس غريزي بحت، يبحث فيه الناس مجرد العيش وحسب، ويكون تفكيرهم بعيدا عن كيفية العيش وارتقاء الإنسان، هذه المجتمعات تكون ارضا خصبة للانقلابات والثورات والقلاقل السياسية التي تهدد غالبًا كيانية المجتمع والدولة، وتكون الدولة في هذه المجتمعات أشبه بشركة يتنافسها أو يتناتشها مجموعة من السياسيين الوصوليين، بعيدا عن أراء الناس وتطلعاتهم، وفي ظل لامبالاة من قِبل الناس إلا بالقدر الذي يمكن من خلاله أن يستفيد هذا الزعيم أو ذاك، ولكي تفوز فئة على أخرى يستنجد بالجيش أو بقوة خارجية تجعل ميزان القوى على الأرض لصالحه، فيخطف السلطة ويخطف معه الكيان بأكمله، بما فيهم الناس، ويصبح كأنه يحكم بلدًا أورثه إياه والده، ويسعى لتوريثه لأبنائه.

إن قوة الدولة الحقيقة لا تكمن في قوتها العسكرية والاقتصادية، وإن كان هذا أمرًا لا بد منه لاستمرار بقاء الدولة والمجتمع، ولمواجهة التحديات العسكرية والمعيشية، إن قوة الدولة الحقيقية تكمن في أن تكون الدولة والسلطة هي تجسيد حقيقي واقعي، وليس تجسيدًا نظريًا من خلال نصوص لا قيمة لها، لما تريده الشعوب والأمم، فتكون الدولة في الحقيقة هي الناس، وما هذه المؤسسات والأشخاص الذين يتولون إدارة الدولة وتسيير أمور السلطة، إلا أساليب أقرها الناس لتسيير أمورهم.

في مجتمعاتنا التي هي أرض خصبة للانقلابات، لا يوجد فكرة قامت عليها السلطة أو تكونت منها الدولة، بل يوجد بعض مشاعر جياشة تثور بين الحين والآخر حسب مزاج الحاكم أو الطبقة السياسية والإقتصادية المتحكمة بالمجتمع. في هذه المجتمعات تجد أن السلطة والدولة هما غير المجتمع والشعب، تكون الدولة أشبه ما يكون باحتلال يمارس أبشع أنواع القمع والتعذيب، ليبقي الشعب في حظيرته، وليُتاجَر بهذا الشعب من قبل الحكام في أسواق السياسية العالمية، ليأخذوا اعترافا دوليًا بأنهم يمثلون شرعية المصالح، وليس شرعية الشعوب.

إن تاريخنا الممتد قرونا لم يعرف للأسف إلا القوة طريقة للوصول الى الحكم، وهذا نتاج عدم وجود المفاهيم السياسية المركزة عند الأمة، وأهم هذه المفاهيم هو أن السلطة ملك الناس وحق لهم، ولا يجوز التفريط بهذا الحق بأي حال من الأحوال، وإن هذا الحق يجب أن تمارسه الأمة من خلال منح السلطة لمن تشاء دون ضغط أو إكراه.

إن أولى الخطوات نحو الارتقاء بمجتمعاتنا هي بالعمل على إيجاد الوعي الحقيقي على مفهومَيْ الدولة والسلطة على وجه الخصوص، وعلى كل المفاهيم السياسية التى ترعى من خلالها الأمة مصالحها وشؤون حياتها.

إن أولى الخطوات نحو الارتقاء بمجتمعاتنا هي أن القوة لا تنتج شرعية مهما بلغت، وإن الشعب هو من يمنح شرعية استخدام القوة على نحو يحقق تطلعاته وطموحاته وفق أفكاره وقناعاته.

إن أولى الخطوات نحو الارتقاء بمجتمعاتنا، هي بإنتاج جيل من المثقفين سياسيًا، يعتبرون الدولة والسلطة جزء منهم، لا أمرًا مقدرًا عليهم لا مفر منه، ولا يملكون تجاهه إلا الدعاء والصبر.

إن العيش الرغيد ليس فقط بتوفر رغيف الخبز، بل بكيفية توفير هذا الرغيف، وكيفية الحصول عليه، أي بكيفية العيش في هذه الحياة، عيشًا يضمن جميع الحقوق الإنسانية، وأولها الحق بأن لا يسلبني أحد، مهما بلغت قوته ورتبته، ما هو حق مقدس لي، وللإنسان في كل عصر ومكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الانقلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد