انقلاب تركيا أحدث زلزالًا في العالم، وتوابعه كانت في عالمنا العربي، وبالأخص في مصر: الدولة الأكبر والأقدم في العالم.
منذ الدقائق الأولى للإعلان عن الانقلاب هرعت جميع وسائل الإعلام العربية والمصرية لتغطيه الأحداث، دون مراعاة للمهنية، أو قواعد العمل الإعلامي.

لا شك أن وسائل الإعلام ينفق عليها ملايين الدولارات أو المليارات لخدمة صاحب الأموال، وتوجيه الرأي العام إلى فكر معين أو خدمه أيديولوجية معينة.

الدول تنفق في ذلك المجال، كالأفراد، وكل يحق له نشر ما يتوافق مع أجندته الخاصة، وهذا لا عيب فيه، لكن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه وسائل الإعلام العربية والمصرية هو التسرع في التغطية، وعدم مراعاة توابع الانقلاب على عالمنا العربي، الذي أصبح يقلد أكثر مما يبتكر، ويماثل ما يقوم به الآخرون، دون مراعاة لمدى موافقة ذلك مع ثقافتنا وهويتنا، أو يضر بمصلحة وأمن الدول التي على أرضها نحيا.

ما حدث في تونس يؤكد ذلك؛ فالثورة التي بدأت جذورها في تونس، أتت بطلعها في كثير من الدول، مثل ليبيا واليمن وسوريا.
انقلاب تركيا قتل بحثًا في كثير من التغطيات الإخبارية، وساعات العمل الإعلامي، ومساحات الرأي في الصحف والمجلات، دون التطرق إلى الآثار السلبية على عالمنا العربي.

إذن فما هي الآثار السلبية التي أضرت بعالمنا العربي جراء الانقلاب؟

أولًا -أثبتت وسائل الإعلام العربية ضعفها وعجزها عن التغطية الصحيحة؛ ففي الوقت الذي كبر فيه البعض في الانقلاب، وأقام الصلاة كانت الفضائيات الدولية تقول إن الانقلاب انتهى، وأن الأمن أحكم قبضته على الأمور.

ثانيا – آفاق الإعلام العربي على فشل الانقلاب، وانعكس ذلك على آراء مقدمي البرامج، وآراء المحللين، الأمر الذي يزيد من عدم الثقة، ويساهم في اتساع الفجوة، والثقة بين المشاهد العربي، وما يقدمه من أخبار ومعناه اللجوء إلى الفضائيات الدولية التي تخدم أيديولوجية الدولة الممولة، وثقافتها، ومصالحها

ثالثا – تغطيه الإعلام أعطت الفرصة للمتعاطفين مع الجماعة الإرهابية التي يساندها أردوغان وجعلت من حناجرهم منابر للبطل الطيب، الذى استطاع هزيمه الانقلاب في ساعات.

رابعا -لم تتطرق وسائل الإعلام إلى قوه الدولة التركية، وقوه مؤسساتها التي ساعدت في هزيمه الانقلاب، فتركيا تحتل مرتبه اقتصاديه متقدمة في العالم، وجهاز الاستخبارات نما إلى علمه ما يدبر، وعلى أثره قام بتحذير رئيس الأركان الذي أعطى أوامره بعدم تحرك الجيش، وقام رئيس الاستخبارات بالاتصال بالرئيس أردوغان بترك مقر إقامته، وهو ما ساهم في فشل الانقلاب.

خامسا – تجاهلت وسائل الإعلام الحديث عن ثقافة الشعب التركي والثقافة العلمانية التي ترسخت في وجدانه، وعدم رغبته في تجدد أعمال العنف، وتجرع مرراة الانقلابات العسكرية، التي تربى عليها، أيضا ما شاهده العالم من أحداث في العالم العربي؛ جعلت الشعب التركي يتراجع كثيرًا في مساندة الانقلاب.

سادسا – معالجة الأمر كانت وما زالت سيئة إلى الغاية، فالكثير من الكتاب هاجم مقدمي البرامج؛ بسبب التغطية، إلى الحد الذي تباهى به البعض بما فعله الشعب التركي، ورغبته في عدم الانقلاب على الديمقراطية، دون مراعاه شعبية حزب «الحرية العدالة»، الذي طال حكمه لأكثر من عقد من الزمن، وترسخت في جوانب المجتمع التركي دعائمه وقادته وشعبيته، على الرغم من أن الشعب لم يتحرك، إلا بعد مناشدة الرئيس أردوغان، من خلال أحد القنوات الأجنبية، الشعب للنزول، وهذا يعطى الانطباع أن من نزل إلى الشارع هم أتباع الرئيس ومواليه، وليس عامه الشعب.

سابعا – إن الوطنية الحقة هي الحفاظ على مصلحه الوطن، الذي ننتمي إليه، وهذا لم يحدث؛ فتمجيد ما قام به الشعب التركي، هو في ذات الوقت سخرية من الشعب الذي ثار على فساد الجماعة الإرهابية في البلدان العربية، وربما كان على البعض توخي الحذر في النقد، كما كان يجب على البعض مراعاه الدقة في تغطيه الحادث.

ثامنا – فشل الانقلاب، إنما هو إهانة للجيش، وإهانة الجيش، إهانه للشعب، فإذا كانت الديمقراطية هي مطلب الشعوب، فالدول التي لا تمتلك جيشًا قويًا لا تمتلك صوتًا، ولا تمتلك يدًا تستطيع الحديث وقت النزال، وإحداث الفارق.

وبذلك، فإذا كان الشعب التركي قد اختار الديمقراطية، فهو بذلك قد الثقة في جيشه، وكيف يقوم جندي بالدفاع عن وطنه، الذي أهانه وأحط من قدره.

في النهاية: لا يسعني إلا أن أذكر البعض، إن اتسع صدرهم، واستمعوا لما أقول، عليكم توخي الحذر، فيما يتم بثه من أخبار وتغطيات ومراعاة التأثير النفسي على المشاهد العربي، وعدم استعجال الفرح، فربما تركيا الآن عدوًا عاقلًا، أفضل من نجاح الانقلاب، وتحولها إلى صديق جاهل، يضر بأمننا، ويساهم في زيادة العمليات الإرهابية، ويخل بميزان القوى في المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انقلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد