أعتقد أنك استغربت من عنوان المقال, انقلاب يقتل ويشرد ويعتقل ويعذب و، و، و… كيف يمكن أن نستفيد منه؟!
نعم, أنا أتفق معك بالفعل؛ الانقلاب شيء سيء بالتأكيد وبسببه وبسبب قائده نُفذت أكبر مجزرة قتل جماعي في يوم واحد في التاريخ الحديث وقام باعتقال عشرات الآلاف ووضعهم في ظروف غير آدمية ويعرضهم للموت البطيء.

 

لكن بالرغم من كل ذلك هناك دروس وعبر لن ندركها إن لم يحدث الانقلاب طبقًا للمقولة القصيرة “لكل محنة منحة” فالعنوان ليس خداعًا لكنه بالفعل بما يحتويه المقال من نقاط هامة يجب أن ندركها بأسرع وقت ونتفاداها فيما بعد.

 

وأولى تلك النقاط:

1. المؤسسة العسكرية ليست مؤسسة وطنية

تقريبًا أغلبنا خُدعنا من هتاف “الجيش والشعب إيد واحدة” بالتأكيد البعض لم يخدع مثل حازم صلاح أبو إسماعيل حيث قال “المجلس العسكري ذئاب وثعالب”، لكن الأغلبية العظمى خُدعت وظنت أن الجيش المصري مؤسسة وطنية كل ما يهمها هو مصلحة الوطن, لكن بعد الانقلاب فإن الأغلبية العظمى الآن متأكدة أن الجيش المصري مؤسسة تتبع مصلحتها وتيقن من ذلك حتى المؤيدون لها.

 

مؤيدو السيسي ثلاثة أنواع: أول نوع هو نوع جبان يخشى الاعتراض لأنه سيقمع بشدة لذا يحاول إقناع نفسه أن الجيش على حق بينما هو متأكد أنه قام بالانقلاب لطموح السيسي وطبقًا لمصالحهم.

 

النوع الثاني هم الذين يتمثلون في مقولة “رجالهم مع الغالب”، فهو يدرك تمامًا أن الجيش قام بالانقلاب لأنه ضد الإخوان ويكرههم وليس لحفظ البلاد من الإرهاب والحرب الأهلية, ولكن الجيش معه القوة فيكون مع الطرف الذي سينتصر.
النوع الثالث هو المستفيدون من النظام الحالي؛ القوات المسلحة والشرطة والقضاة والدولة العميقة هؤلاء يدركون كل الحقائق ويعلمون لماذا تم الانقلاب على الإخوان؟ لحفظ المصالح طبعًا.

 

ذلك المؤيدون، فبالتأكيد المعارضون للانقلاب سينظرون للجيش على أنه “خائن للأمانة”.

2. الحشود ليست كل شيء

أثناء الثورة وبعد وهم انتصار الثورة كنا نغني “إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر”, وننشر صور الحشود والمليونيات في ميدان التحرير والأعداد الغفيرة والجموع الكبيرة… إلخ.

 

تأكدنا بعد ذلك أن الحشود ليست كل شيء بالرغم من أهميتها، لكنها في حالة الانقلاب ليست لها قيمة وحدها, لأن الانقلاب لم يقم بسبب الحشود التي تم تصويرها كفيلم سينمائي في ميدان التحرير والاتحادية، لكن ذلك كان لمحاولة تجميل وتبرير الانقلاب.

 

كمثال يوم 16 أغسطس الجمعة التي كانت تلي فض رابعة خرجت مسيرات بالملايين من مساجد كثيرة في القاهرة والجيزة وتجمعت في ميدان رمسيس في مشهد مهيب لكن ماذا حدث بعدها؟ قامت الطائرات بقصف الحشود بالرصاص والمدرعات بالجرينوف ولم تستطع تلك الحشود الصمود.

 

الحكمة في الكيف وليس الكم, يمكنك استثمار الحشود ببراعة ويمكنك أيضًا أن تضيعها بسذاجة العبرة في الخطة.

 

3. كشف الأقنعة

كشف الأقنعة عند كثير من الأشخاص من كل الاتجاهات من كانوا يظهرون في التلفيزيون وتطرب لهم أذناك من الحديث عن الحقوق والحريات والظلم والفقر… إلخ.

 

المناضلون في أثناء عام الرئيس مرسي (الديكتاتور) والصامتون أو المنافقون أثناء حكم السيسي (الديمقراطي).

 

أمثلة في كافة الاتجاهات؛ مثلًا في الإسلاميين الشيوخ الأطهار الذين كانوا يطلون علينا على الشاشات ليتحدثوا عن الفضيلة والإسلام وحرمة الدماء وتطبيق الشرع… إلخ ويقتحمون ساحات السياسة (وقالت الصناديق للدين نعم) ويلومون على مرسي الذي يتباطأ في تطبيق الشريعة, الآن لا تسمع لهم صوتًا بل وبعضهم يبارك للسيسي.

 

4. النظام غير قابل للإصلاح

رغم الكثير من محاولات الإصلاح للإخوان وغيرهم لم يتحسن النظام أبدًا بل يتحول دائمًا إلى الأسوأ, لذا يجب أن نتأكد أن النظام الحالي غير قابل لأي إصلاح بل إذا أردنا تغييرًا فعليًّا للأفضل فلابد أن يكون شاملًا وداخلًا في جذور المؤسسات خاصة (الجيش والشرطة)، وبدون ذلك ستكون الثورة دائمًا مهددة بالانقلاب وذلك ليس في مصر فقط بل في أمثلة كثيرة ببلدان أخرى.

 

الخطأ الذي تم أن بالرغم من قيام ثورة قوية ومفاجئة، التغيير الوحيد الذي تم هو تغيير صوري بأشخاص بالانتخاب أما التغيير الفعلي للنظام لم يتم, وحتى عندما تم البدء بذلك خرج علينا الإعلام وكثيرون يحذرون من الأخونة!

 

5. الثورة كالدراجة إذا توقفت وقعت

بالفعل ذلك تشبيه مطابق للغاية؛ فالثورة عندما تتسارع أحداثها بدون توقف تكون غاية في القوة ولا تستطيع أي قوة إخمادها, إنما عندما تتوقف الثورة حتى لبضع ساعات تقع ولا تقوم لها قائمة لأن الثورة حالة إجماع شعبي نادرة واستثنائية جدًا فلذلك تسعى الأنظمة للتفاوض ليس استجابة لمطالبهم لكن لجعل الثورة تتوقف, ذلك في حالة أن قادة الثورة غير واعين مثل حالتنا مثلًا.

 

فإن ترك الميدان يوم 11 فبراير هو الخطأ الأكبر دون شك لأنه عزل الثورة عن قوتها ولذلك لم تستطع إعادة تلك الجموع مرة أخرى، وهنا الجيش ركب الثورة حيث حقق هدفه (منع التوريث) وأنقذ مصالحه ودولته العميقة.

 

وأيضًا كمثال قريب؛ الموجات الثورية حيث تبدأ عالية قوية ثم بحلول آخر الليل يتوقف الحراك فتقع الثورة الوليدة مرة أخرى – أنا أعتبر الحراك والاستجابة الفعلية فرصًا قابلة للاستغلال الصحيح أو التضييع –.

 

الخلاصة

الانقلاب بجرائمه بكل أفعاله الشنيعة أعطانا دروسًا وعِبَرًا، منها أن الجيش ليس وطنيًّا كما كنا نعتقد والأغلبية والحشود ليست كافية لإسقاط النظام، وكشف لنا كثيرًا من الأقنعة لكل الاتجاهات السياسية، والنظام غير قابل للإصلاح التدريجي بل الثورة الشاملة هي الحل، والثورة عليها ألا تنقطع ويجب أن تستمر وإلا سوف تجهض من أعدائها.

 

تلك الدروس واجب علينا أن نغيرها حالًا أو نحرص على عدم تكرارها مرة أخرى، وأيضًا ليشهد بها التاريخ حتى لا يزور, والدروس المستفادة من الانقلاب ليست فقط خمسة لكنها أكثر من ذلك، أتمنى من كل شخص أن يُفكر في دروس وعبر أخرى لأن ذلك يقلل من الأخطاء في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد