جذبت تركيا أنظار العالم في الأيام القليلة الماضية، حينما حدث ما لم يكن في الحسبان، تتابعت الأنباء المفاجئة عن تحركات لبعض وحدات الجيش، تستهدف غلق الجسور فوق مضيق البسفور، وإغلاق الطرق بين المدن، واحتلال المطارات الرئيسية، والسيطرة على مقر مبنى تلفزيون الدولة الرسمي، وذهل الجميع حينما تم إذاعة بيان منسوب لقوة من الجيش، تعلن فية السيطرة على السلطة وفرض الأحكام العرفية، وحظر التجوال، وبأن السلطة في البلاد ستدار من قبل مجلس سلام، تتابعت الأحداث سراعا إلى أن آلت إلى ما يعلمه الجميع من سقوط مدو لانقلاب أقل ما يمكن أن يقال عليه أنه ولد ميتًا، وأن التحرك غير المحسوب هذا قد أحال الجيش التركي برمته إلى التقاعد سياسيًّا للابد، وأنه منح للرجل ذي الطموح اللا محدود أردوغان فرصة قلما تأتي للخلاص من الكيان الموازي كما يحلو له ولأنصاره توصيف الثلة الباقية من أنصار الجمهورية القديمة، وأصبح الطريق أمامه ممهدًا لترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة بلا خوف من جيوب بدأ فعليًّا الرجل القوي في إزاحتها من كافة مفاصل الدولة التركية فور سقوط الانقلاب، بنظرة إلى آخر الانقلابات العسكرية في المنطقة، والذي لم يمر على حدوثه أكثر من ثلاث سنوات ونعني بهذا الانقلاب العسكري في مصر نحاول أن نحصر بعض العوامل التي كانت عاملا رئيسا في إنجاح الانقلاب المصري نجاحا باهرا نظن أن غيابها عن المشهد التركي كان سببا يعتد به لسرعة سقوط الانقلاب

1 _   وجود أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة

ففي الحالة المصرية وقتها نجد موقفًا اقتصاديًّا بالغ السوء يتجلى في ارتفاع معدل التضخم بنحو عشرة بالمائة، وفقا لتقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء 2013 وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب لتصل إلى 13.2 % وزيادة الدين العام، وانخفاض قيمة الجنية، وتراجع التصنيف الائتماني لمصر وفقا لمؤسسة ستاندرد آند بورز، ليصل إلى وضع قريب من اليونان الدولة المفلسة رسميًّا، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، عدم نجاح النظام المصري وقتها في الوصول لاتفاق مع صندوق النقد الدولي لاقتراض 4.8 مليار دولار، وهو ما كان كفيلا بسد الفجوة التمويلية التي ما فتئت تتسع، ظهر أيضا على السطح أزمات تصطدم بحياة المواطن مباشرة فمن تكرار انقطاع الكهرباء يوميًّا ولساعات طوال، حتى وصلت نسبة العجز وفقا لمؤشرات وزارة الكهرباء إلى نحو 25% بما يصل إلى 5000 ميجاوات إلى أزمة وقود خانقة، تصاعدت تدريجيًّا خلال العام الذي تذوقت فية مصر الحكم المدني وإن كان شكليًّا، حتى وصل الأمر قبل تحرك الجيش بأيام إلى شلل مروري شبه تام في مختلف المحافظات، وتكدس السيارات أمام محطات التزود بالوقود، فكان الوضع كما نرى ممهدًا تماما لأي حراك يعطي ولو أملًا طفيفًا في تحسن الوضع البائس، والخروج من النفق المظلم على عكس الحالة التركية، التي لم يعنِ لها الانقلاب إلا إيقاف لمسيرة اقتصادية ناجحة، وتعطيل لعجلة الإنتاج.

2_  شحن إعلامى متواصل لعام كامل

خرج الانقلابيون الأتراك من العدم بلا أدنى تنسيق مسبق مع أي كيان، وبرسالة غامضة مقتضبة عما سيؤول إليه الأمر، وهو ما لم يكن مفهومًا على الإطلاق، حيث إنه على مر تاريخ الانقلابات، بداية من انقلابات الخمسينيات الكلاسيكية، كان التواصل مع الجموع حتى بالطرق البدائية وقتها كالمنشورات السرية وغيرها عاملا لا يمكن إغفاله في التواصل مع الجماهير، وتوصيل رسالة مباشرة واضحة عن الحركة وسبب الحراك وأهدافه، بينما في الحالة المصرية فنجد طوال عام كامل اغتيالًا معنويًّا شبه يومي للرئيس السابق محمد مرسي وكافة أركان نظامه، وتحميلهم الجانب الأكبر من المسئولية عن الوضع المتردي، ناهيك عن برامج سخرية أنشئت خصيصا وأنفق عليها الكثير،لم يكن لها شاغل إلا العبث بصورة أول رئيس مدني منتخب، ففقد رأس النظام وكافة أركانه هيبة السلطة وهي الشرط الرئيس لاستمرار أي نظام سياسي بين دول العالم الثالث، ونجح وقتها الإعلام المصري نجاحا باهرا في تعبئة الجماهير المصرية، وتوجيه غضبتها تجاه سوء الأحوال تجاه شخص واحد، فكانت الدعوة للتظاهر لإسقاطة بمثابة كرنفال احتفالي للملايين.

3_  وجود الظهير السياسي

ما إن أعلن الانقلاب التركي عن نفسه، حتى سارعت جميع القوى السياسية بما فيها أحزاب المعارضة التي يجيء على رأسها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها ثقلًا لرفضه تماما، بل خرج زعيم الحزب المذكور آنفا مصرحًا بأن تركيا قد عانت كثيرا من الانقلابات ومتعهدًا بالدفاع عن الديموقراطية، ما أفقد قادة الانقلاب التركي حتى أقل قدر من الشرعية السياسية، وأصبح في عيون الجميع مجرد تحرك عنيف، بلا أدنى غطاء سياسي، فأصبح هشيما تذروه الرياح، في وجه نظام سياسي صلب بمؤسساته وأجهزته، بينما على الضفة الأخرى في الحالة المصرية، نجد تكتلًا شبه كامل لأحزاب المعارضة بكافة توجهاتها، تزعمته وقتها جبهة الإنقاذ، بزعامة شخصية ذات ثقل إلى حد ما كالدكتور محمد البرادعي، ودعوتها صراحة إلى نزع شرعية الرئيس، وقد توج هذا بالطبع بخروج حركة تمرد إلى النور في أبريل 2013، والتوكيلات الشهيرة التي لا يعلم إلى الآن عددها الحقيقي أو مدى حقيقتها بالأساس، بغض النظر عن هذا وذاك، فإن الطريق كان مفروشًا بالورود لأي تحرك عسكري في وجود مناخ سياسى يغلي، وظهير يعتد به يضم معظم الأحزاب السيسية أو السياسية.

4 _ تأييد كبار قادة الجيش

رفض العديد من كبار قادة الجيش التركي الانقلاب، ووصل الامر ببعضهم إلى الاعتقال، كرئيس الأركان خلوصى أكار أول من تم احتجازه، والذي لعب رفضه المشاركة في حركة الظباط دورًا حاسمًا في ثبات ثلة ظباط الصف الأول بالجيش التركي على دعمها للشرعية الدستورية، رئيس جهاز الاستخبارات التركي أيضا هاكان فيدان كان دورة محوريًّا بإفشال محاولة تصفية أردوغان في مرماريس، قائد القوات الخاصة التركية زكائي أقسقالي الذي قامت قواته بمعظم عمليات الاعتقال بحق المتورطين بالانقلاب، وكان عصًا لا ترحم ضرب بها أردوغان المتآمرين ضده، العديد والعديد من وجوه الظباط بالجيش التركي الذين لعب رفضهم المشاركة في الانقلاب العامل الحسم في تقزيمه وتحويله لعملية تمردية يقوم بها ظباط صغار بينما على الكوكب المصري فالوضع غني عن التعريف ولا يحتاج أقل قول.

  5_ بيان رصين تؤيده كبرى مؤسسات الدولة برجالاتها

شتان بين بيان يخرج يلقيه رؤوس المؤسسات الدينية المصرية، الأزهر والكنيسة، بما لهم من احترام في نفوس جميع المصريين وزعيم المعارضة المفترض وقتها الدكتور محمد البرادعي، ووزير الدفاع بزيه الذي لطالما رأى فيه المصريون حصنًا أخيرًا يلجئون إليه حينما تدلهم الأمور، وبين بيان غامض مقتضب تخرج إحدى المذيعات تلقيه على عجل وهي مكرهة.

ختاما ما كان لانقلاب مثل هذا أن ينجح وما كان لانقلاب مثل الآخر أن يفشل، ليس لتمايز بين الأشخاص، ولكن لوجود عوامل مهدت الطريق في حالة وسدته بغيابها في حالة أخرى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انقلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد