غباء الانقلاب في مصر

للحظة قد نتصور أن التصرفات الغبية – ظاهريا – الصادرة عن الانقلاب، مثل: اعتقال بنات 7 الصبح، أو إيقاف بطل (الكونغو فو) محمد يوسف ثم اعتقاله، أو مصادرة أموال أبو تريكة، أو قتل شيماء الصباغ، أو التعرض لوقفة رمزية معارضة، أو منع محمد جبريل من الصلاة في المساجد، وأمثالها، هي تصرفات عشوائية لأدوات النظام في المستويات الدنيا، أو أنها تحدث على غير رغبة منه، أو ستكون ضد مصلحته على المدى البعيد، لكن مع شيء من التأمل والنظر ندرك أن هذه التصرفات، وإن لم يكن مخططا لها، إلا أنها ليست نشازا، أو خروجا عن الخط العام لسياسة الانقلاب.

وإن كنت في شك، خذ أي مثل من الأمثلة السابقة، وتصور: ماذا لو تعامل النظام معها بشيء من الحكمة أو التجاهل، كيف ستكون النتيجة؟

ماذا لو ترك الانقلاب أحمد عبد الظاهر لاعب الأهلي، بعد رفعه لإشارة رابعة، ولم ينكل به، ويوقفه، ويرغمه على الاعتذار؟ سيحرص أحمد عبد الظاهر على التهديف ورفع إشارة رابعة في كل مباراة، ثم ستجد عشرة آخرين يفعلون ما فعل أحمد عبد الظاهر.

ماذا لو غض الانقلاب الطرف عن بنات 7 الصبح، ولم يفض وقفاتهن، أو يعتقل منهن عددا وهن في سن الطفولة؟ كن سيصبحن بنات 7 الصبح، و 2 الظهر، وستشارك جموع البنات في هذه الوقفات، وتتحول مع مضي الوقت إلى فيضان بشري لا يمكن إيقافه أو التعرض له أو احتماله.

ماذا لو ترك الانقلاب القارئ الشهير محمد جبريل ليصلي ليلة الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من رمضان في مسجد عمرو بن العاص؟ سيكون دعاؤه أكثر قوة وجرأة، ويكون الحشد أكثر عددا وتحديا، وربما يفكر هذا الجمع الكبير في التظاهر بعد هذا الدعاء المدوي، فهل يتعرض النظام له، وتكون الصورة أن النظام يقتل من المصلين عددا، ويصيب آخر –وهم بالقطع ليسوا إخوانا- ثم يضطر إلى غلق أقدم مسجد في مصر!

ويمكن المتابعة على هذا المنوال في تصرفات النظام التي نصفها بـ(الغباء).

على المستوى الاقتصادي، نضب الدعم المالي الخارجي، ولم يبق لدى النظام إلا طبع مليارات الجنيهات، والاقتراض من البنوك، وبيع أذون الخزانة، وصارت أحلام التقدم الاقتصادي، وتحسين مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، والمشاريع الوطنية العملاقة، و(مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا)، ما هي إلا أحلام ليست صعبة المنال، بل مستحيلة التحقيق.

وعلى المستوى السياسي، فقد الانقلاب التأييد الجماهيري الشعبي (الحقيقي)، ولم يعد يعنيه رأي الجماهير فيه، أو رد فعلهم على التعرض لرموز (معارضة نسبيا) ذات جماهيرية في المجتمع، والنظام الحاكم في أي بلد يعتمد في استمراره على أحد أمرين: إما حب الناس وتأييدهم له، أو قمعه لهم وتخويفهم، وبناء عليه، إذا ذهب الحب والتأييد، لم يبق إلا القمع والتخويف.

يقول البعض: ليكن الانقلاب ذكيا، لماذا يصر على استعداء عموم الجماهير، والتضييق على الناس، إلى آخره؟

والحقيقة أن عادة الأنظمة المستبدة استخدام القوة بغباء وإفراط، وقمع المواطنين وتخويفهم، لا سيما في الأوقات الحرجة، وحين تحاول التعامل مع الشعب بشيء من الذكاء أو التحضر تخسر، لأن الشعوب أذكى منها.

عد إلى نظام مبارك، تجده لجأ إلى التزوير الشديد في كل الانتخابات، محلية ونيابية ورئاسية، وسجن أحد المرشحين الرئاسيين لمجرد حصوله على نصف مليون صوت، وقتل معارضين تحت التعذيب، وأمم النقابات المهنية حين أوشكت أن تشكل كتلة اجتماعية خارج سيطرة النظام، وتحرش بالناشطات والصحفيات في الوقفات المعارضة، لدرجة تمزيق ملابسهن في عرض الشارع انتهاء بفض مظاهرات 25 يناير في ميدان التحرير، وتدبير موقعة الجمل.

ولمّا انكسرت الشرطة، الأداة الغبية الباطشة في يد النظام، حاول ممثَّلا في المجلس العسكري التعامل بذكاء مع الجماهير، فعزل رأس النظام، وأصدر عدة بيانات تدغدغ العواطف، ووعد بتسليم السلطة خلال ستة أشهر.

كانت الجماهير أكثر ذكاء منه، لم تكتف بعزل مبارك، وأصرت على محاكمته ورموز نظامه، ولم تقبل الوعود المعسولة بتسليم السلطة، وضغطت من أجل التسليم الحقيقي، وانتخبت مجلسا للشعب ورئيسا، أيا كانت الملاحظات عليها، إلا أنهما على الأقل ليسا تابعين للنظام القديم.

فهم الانقلاب الدرس، واستحضر المخزون الإستراتيجي للغباء لديه، حتى إنه لا يخير بين مرشحين للمسؤولية إلا ويختار أغباهما في التعامل مع المواطنين، من أجل إخضاع كل القوى، وإسكات الأصوات المعارضة في المجتمع، أيا كانت الطريقة المستخدمة لذلك.

سيستمر الانقلاب في طريقته ولن يغير منها -لا طريقة لديه سواها- حتى تعلن القوى المعارضة إذعانها، وتترك الجماهير المطالبة بتحسين المعيشة، وتودع أي أمل في الثورة وتغيير النظام، وتسلم له البلد قيادها، حينها قد يفكر النظام في وضع بعض مساحيق التجميل الديمقراطية، لوجهه الاستبدادي العسكري القبيح.

و(إيش تعمل الماشطة في الوجه العكر).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد