في الوقت الذي انشغل فيه بعضنا بالترويج بعاطفة جياشة، وبسماحة المسيح، وبحنان القطط، لإنسانية الغرب في استقباله اللاجئين السوريين المهاجرين، من خلال تناقل وترويج التصريحات الغربية الشامتة من العرب كتصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والصحفي البريطاني روبرت فيسك الذي نال المقال الأخير له رواجًا واسعًا.

 

خصوصا سؤاله: “لماذا يأتي اللاجئون السوريون إلينا، نحن الكفار، طلبًا للمساعدة، بدلًا من الذهاب إلى دول الخليج الثرية مثل السعودية؟”، انساقت أيضًا بعض وسائل الإعلام العربية في ذلك، ضمن حملة هي أشبه بجلد الذات العربية، دون البحث فيما وراء الأحداث، أو بذل عناء التفكير في كل ما يجري ومسبباته.

 

وللأسف فإن إعلامنا كعادته مارس الرذيلة البعيدة عن المهنية، حين اكتفى بنشر “سؤال فيسك”، دون حقائق كثيرة أوردها في مقاله، جعلتني أؤمن بأن لا أندم على الوقت الذي انشغلت فيه بقراءة مقالات الكاتب البريطاني الشهير، ومراسل شئون الشرق الأوسط بجريدة الإندبندنت، والمواظبة على ذلك، باعتباره صحفيًّا عالميًّا يستعمل عقله أثناء الكتابة.

 

سبح الرجل عكس التيار الذي تغنّى بأخلاق القارة العجوز وإنسانيتها، وتحدث في أمور تزج بصاحبها في غياهب السجون لو صرّح بها عربي في وطنه، هذا إن لم تكن قد طويت صفحته، كأن تصف مثلًا القائد الحاكم بأنه “غير أخلاقي”.

 

وهذا ما فعله “فيسك” حين كتب حول أزمة اللاجئين السوريين المهاجرين “أنه يبرز من خلال الهوة المتزايدة على نحو غير مسبوق بين شعوب القارة الأوروبية وقادتها غير الأخلاقيين، تحدٍ أكثر خطورة بالنسبة لمستقبل هذه القارة”.

 

وقال: “بالنسبة لنا، نحن الأوروبيين من نُفجِر ونُفسِد ونغزو المسلمين في الشرق الأوسط، نحن من ندعم الديكتاتوريات الفاسدة في الشرق الأوسط، نحن من نمتص ثرواتهم حيث النفط والغاز الطبيعي”.

 

أوروبا هي المتهم، بنظر فيسك، وهي الحقيقة التي لا تغطى بغربال. يدمرون بلادنا بجيوشهم وحكوماتهم ومؤامراتهم، وينصّبون عليها حكامًا مندوبين طغاة، ثم يتفاخرون باستقبالهم ويمنون علينا بذلك، بل ويتهموننا في أخلاقنا.

 

هذا ما ينبغي أن يعرفه الطفل السوري الناجي من الغرق على شواطئ أوروبا، أن الذي استقبلك بالورود في أرضه هو من طردك من أرضك.

 

أن يعرف أن الحرب التي هرب من جحيمها “لا تزهق فيها أرواح الغربيين”، كما قال روبرت فيسك، في دليل واضح على أن رائحة المؤامرة تفوح، وستزكم أنوفنا بعد أن تصل نهايتها، وستكبل أيدينا عن استدراك ما كنا نيام عنه.

 

تغبطني شجاعة فيسك في قول ما تغيبنا العاطفة عن قوله، رغم قناعتي أنها أكبر من أن تخرج أكثرنا جرأة، من حالة “الجبن الإعلامي” التي نعيشها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد