وما أن انتهيت من امتحانات آخر العام في الثانوية، حتى ذهبت مهرولًا إلى أستاذي وقدوتي في بيته البسيط وقلت له بشيء من المداعبة: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا؟! فأجابني: إنك لن تستطيع معي صبرًا! وبابتسامة أخبرته: ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا. قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا!

حتى إذا جن الليل كان يقضيه بين تلاوة القرآن أو قراءة الكتب أو صلاة القيام، فكان لا ينام من الليل إلا القليل القليل، وعند النوم كنا نفترش حصيرًا على الأرض ننام عليه، حتى إذا جاءت صلاة الفجر استيقظ في لحظة ثم توضأ وجاء ليوقظني فتكاسلت واستلذت نفسي النوم. فزجرني بقدمه زجرة قوية وتلا علي في قسوة قول الله تعالى: «يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل».

فاستيقظت على كلمات قاسية للغاية كادت تقتلني.

ذهبنا للمسجد فكان يؤمنا في الصلاة، وكنت أتلذذ بسماع صوته العذب وهو يقرأ القرآن. وما أن انتهينا من الصلاة قال لي: تعال نتمشَّ على الترعة قليلًا لنشارك الصبح في أنفاسه، «والصبح إذا تنفس».
وضع يده على كتفي برفقة اﻷب على ابنه وذهبنا نمشي وهو يقرأ أذكار الصباح بصوت عذب مسموع. كانت الأشجار على الترعة والخضروات في الأراضي ساكنة تمامًا ويكأنها كانت تستمع بإنصات إلى صوته العذب.

وما أن عدنا إلى البيت جعلني أمارس معه بعض التمارين الرياضية في همة ونشاط. ثم صلينا الضحى، وجلس يقص علي بعض قصص العظماء يشعرني من خلالها بمخاطر الأمة الجسام وما يكاد لها من اﻷوغاد واللئام.

بعد ذلك كان يستقبل في بيته الساعة تلو الساعة الأطفال والصبيان والشباب والرجال وربما الشيوخ والكهول يعلمهم ويربيهم. جالستهم جميعًا.

ربانا على أن الرجل الواحد بوسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته!
ربانا على أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا!

ربانا على أن الأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه. لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية!
تعلمت منه الكثير والكثير ولكن القليل القليل!

ربانا على أن جهل الشعب بحقيقة الإسلام سيقف عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.

 

 

وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم وسيستعينون من أجل ذلك بالحكومات الضعيفة، والأخلاق الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وعليكم بالإساءة والعدوان، ويثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» [التوبة 32].

 

 

وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون وتقتلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون» [العنكبوت 20]. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم» [الصف 10]، «فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين» [الصف 14]. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟

وبينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة قبض على يدي بشدة وقال لي: فلتعاهدني.
فقلت: علام أعاهدك يا أستاذي؟! فاشتدت قبضته على يدي أكثر فأكثر وقال: لتعاهدني على نصر المظلوم نصرًا مؤزرًا مهما كانت العقبات، ومهما كان ظالمه أو كانت قوته أو جبروته، وألا تخشى في ذلك لومة لائم.
فقلت: أعاهدك على ذلك، والله على ما أقول شهيد.
عندئذ خفت قبضته على يدي شيئًا فشيئًا، حتى فاضت روحه إلى بارئها، تاركًا على وجهه البشوش ابتسامة جميلة جعلتني أتناسى مرارة فقدانه!

كان – رحمه الله – راهبًا بالليل، فارسًا بالنهار.

على العهد باقون يا أستاذي.
على العهد باقون يا قدوتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد