لأنها الحقبة الأسوأ في تاريخ البشر جميعًا على مر للعصور، وما تفشى في حياتهم من الكذب، والغش، والنفاق، والخداع، والجبن، والاستخذاء، وما صار إليه الشباب من تفلت وتحلل، وما صار الناس إليه من تبلد، وعشرات من الصفات والأعمال غيرها. ومع ذلك كله فليس الانحراف السلوكي هو الانحراف الوحيد في حياة أولئك الناس، ولا هو الانحراف الأخطر في حياتهم، ولو كان الأمر مقصورًا على الانحراف السلوكي وحده لكان الأمر أهون بكثير، ولكن الأمر تجاوز ذلك إلى الانحراف في «المفاهيم»، وحين تجد إنسانًا منحرفًا في سلوكه لكن تصوره سليم في المفاهيم فستبذل جهدًا ما لرده عن انحرافه السلوكي، ولكنك لا تحتاج أن تبذل جهدًا في تصحيح مفاهيمه.

تجاوز الانحراف منطقة السلوك ووصل إلى المفاهيم. نحن نتحدث هنا عن نوع معين من الانحراف، قد يكون هو الأشد خطرًا في حياة البشرية في الوقت الحاضر، أو قد يكون هو الخلاصة التي آل إليها الانحراف التاريخي كله. فما الذي تغير؟ وكيف حدث التغيير؟

مفاهيم مهلكة

زرعوا في العقول والرؤوس أن المادة هي أهم شيء في الكون، وأن الإنسان فقط يعيش من أجل هذا، حتى إنهم بدأوا في اختراع أمثلة وألصقوها ونسبوها للدين، مثل: «العمل عبادة»، و«اسع يا عبدي وأنا أسعى معك)، وكل تلك الترهات. وبدأوا في معايرة من لا يعمل بأنه عاطل، أو بطّال بلغة المغرب العربي.

وهذا بالطبع كان مقصودًا ليجعلوا الناس تسعى لتحصيل المادة وفقط، وبدأوا في تضييق الحياة جدًّا على الناس حتى يكون ما تكسبه يكاد أن يكفيك أنت وأبناءك وزوجك، حتى تظل في تلك الدائرة ولا تخرج منها أبدًا. حتى إنهم جعلوا العمل عبادة حتى أصبحت الناس تهتم فقط بإطعام أفواه أبنائهم بالكاد!

ثم بدأوا في صناعة الملايين والملايين من السلع ونشرها بالأسواق، حتى إنك الآن تستطيع أن تسمع أنفاس الناس ولهثها يتلاحق في ظل ذلك الصراع والتحدي الرهيب في تجربة كل تلك السلع واقتنائها!

قال عمر لجابر عندما رآه يحمل لحمًا: «أو كلما اشتهيت اشتريت».

ونحن نرى الآن الناس تقوم بتحديات الأطعمة وتجربتها، ومن يستطيع أن يأكل طعامًا أكثر، ويجرب أطعمة أكثر، ويتباهون فيما بينهم بذلك الأمر وتصويره ونشره على مواقع التواصل وكسب الإعحابات!

كل وسائل الإعلام لم يعد بها إلا عرض الأطعمة المختلفة طوال الوقت، واللعب دائمًا على شهوتي البطن والفرج لعبًا مكثفًا ومخيفًا وجنونيًّا وليس له مثال في التاريخ البشري كله، ثم يأتي دور الأهل الذي لا يرحم، يريدون طلبات طوال الوقت ويعيرون الرجل بقلة حيلته في الإنفاق حتى يسلك المهالك.

والناس تنظر هنا إلى المهلكة، لكن هناك أمورًا أعمق من ذلك الأمر، فمن المهالك أيضًا أن يسرق ويغش في سلعة يبيعها، أو ينقص في الكيل والميزان ويقترض ويترك كل ما خلق من أجله من أجل تحصيل المال، وهل هناك مهلكة أكبر من تلك!

كل ما ذكرته هو واقع ملموس ويحدث على الأرض، فهو طاعون مصاب به السواد الأعظم من الناس للأسف. مفاهيم شيطانية حولتنا لكائنات جائعة لا تشبع مصابة بسعار الشهوة الذي لا ينتهي.

أسوأ ما في زماننا أن نمطية الحياة والبيئة مفروضة عليك فرضًا كساعة تدور تروسها وأنت واحد من تلك التروس، كل شيء متداخل ويحرك بعضه بعضًا إجبارًا! وأنت كفرد بذاتك لا قيمة لك خارج تلك المنظومة، أنت مسجون حر، أو حر مسجون، سم نفسك بما شئت.

خراب العمران وعمران الإنسان

نحن نعيش في فترة سيطرة الشيطان على الأرض، فترة تتسم بزخرفة كل شيء حولنا، يكون فيها الإنسان جاهلًا ضائعًا يعمل بكل طاقته في حرب مع نفسه وبلده وأهله وذويه، حتى لو لم يعلم.

عوّد نفسك حتى على العيش ولو بخيمة وسط الصحراء. عود نفسك لأن القادم سوف يصير إلى هذا فهو لم يعد اختيارًا، العالم سيشهد دمارًا كاملًا مع سقوط الباطل، سيسقط معه كل شيء صنعه وأنشأه: مدارس، جامعات، ناطحات سحب، مؤسسات رؤوس أموالها بالمليارات، سيارات، تكنولوجيا؛ كل شيء، كل شيء على الإطلاق، وكل نمط وشكل للحياة نعيشه الآن.

لأن كل تلك الأمور باطلة، فالإنسان عندما يفسد يبدأ في إصلاح كل ما حوله من عمران حتى يغطي على رائحة فساده، وكلنا نعلم ونرى ونلمس ونعيش ما وصلنا له جميعًا لولا ستر الله علينا.

أعلم أن هذه الكلمات معقدة وقاسية، انظر إلى الأمم السابقة التي حق عليها الدمار كالفراعنة، والفرس، والروم، وقوم عاد وغيرهم الكثيرين، كلها كانت أمم تزيد من العمران وزخرفة الدنيا لكنهم كانوا بشرًا ظالمين أنفسهم، لذلك دمرهم الله واختار أمة الرسالة الخاتمة، أناس بلا عمران يعيشون في صحراء قاحلة!

الله سبحانه وتعالى سيتكفل بكل ما نحلم به من عمران ورفاهية بالجنة، فالدنيا ليست دار مقر بل هي دار ممر. وإصلاح البشر بها وعبادتهم ووحدانيتهم لله هي الهدف والغاية الوحيدة لخلقهم، «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».

فإذا جاء العمران على حساب غير تلك الغاية فيذهب هباءً.

كل ما ترونه الآن هو جنة وهمية خدعوكم بها حتى يصرفوكم عن ذلك الهدف، والبشرية تتجه لعودة الفطرة ودمار تلك الجنة الوهمية، وسترونها وهي خاوية على عروشها ومحترقة وتتحول إلى رماد على أصحابها الذين صنعوها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد