حين يطمس الخوف الجمال !

إن انتشار وباء كورونا المستجد «covid-19» في العديد من دول العالم، والذي أصبح حديث الساعة، وسببًا رئيسيًّا في نشر الفزع والهلع والخوف من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، بما في ذلك الدول المتقدمة أو المتخلفة على حد سواء، وأمام ذهول العالم وحيرته لإيجاد حل سريع وعملي لإيقاف هذه المصيبة، التي أصبحت تهدد البشرية، يمكن الإشارة حاليًا إلى أن هذه الجائحة أفقدت الحياة بعض القيم الجمالية، والصورة النمطية الموحدة التي كنا نراها جميعًا.

فلم نعد نرى في باريس عاصمة الجن والملائكة، ولا في مدن إيطاليا العريقة كالبندقية روعة تصميمها، ولا في برلين بريقها، ولا في هونج كونج أو واشنطن أو غيرها من عواصم ومدن العالم سحرها وجاذبيتها، تلك التي كانت إلى الأمس القريب تأسرنا، ويشتهي أو يتمنى المرء زيارتها ولو مرة واحدة في العمر كله، أين اختفت كل تلك العظمة والحضور الجميل في مخيالنا؟ أين تلك الصورة الأولى التي رسمت من خلال الصور أو الأفلام أو البرامج، وحكايا الأصدقاء والعشاق؟! كلها سقطت وتلاشت أمام «الخوف» والتوجس والقلق، وتعداد الضحايا الذين يسقطون يومًا بعد يوم كأوراق الخريف، في واقعة أصبحت أخبار الضحايا، أو المصابين بالمرض تتصدر المشهد الإعلامي، سواء على الجرائد أو القنوات الفضائية، أو على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام، الأمر الذي جعل الإنسان لا يرى من الحياة سوى بعد واحد رمادي اللون، جعله يقف في رواق طويل مظلم لا يكاد يرى آخره، إنه المتوقع المفتوح على إجابة واحدة، إنه «الموت»، يقول أرسطو : «الخوف ألم نابع من توقع الشر»، لاسيما إذا تعلق الأمر هنا بالموت.

إن تعلق الإنسان بنجاته من الهلاك، يحيلنا إلى التأمل في الغريزة الفطرية للإنسان في الحياة، التي يزداد تمسكه بها كلما زاد شعوره أو إحساسه بما يمكن أن يصيبه من سوء، أو من خطر محدق بحياته، إن الإنسان في هذه الحالة أشبه براكب في زورق، عصفت به الرياح وضربه الموج وحاصره الماء من كل جانب، وتقتضي نجاته أن يركز على السبيل أو الكيفية التي تمكنه من إنقاذ نفسه، ولا يكون الشغل الشاغل للإنسان جمال البحر، أو جمال زرقته، بل يصبح كل همه في هذا الوضع إيجاد طريقة محققة لنجاته بأي سبيل ممكن، فلا يكون للجمال أي معنى في مثل هذه الحالات المتأزمة، ذلك أن كل هذه الأمور واردة التحقق والإنجاز والتصور ما دام الإنسان على قيد الحياة.

إن ما أصبح يعزز «الخوف» لدى الإنسان في زمننا هذا، هو اشتراكه في الفضاء العام، ونقصد هنا الإنسان المعولم الذي يشغل العالم الافتراضي، الذي وحدت التكنولوجيا التواصلية الرقمية رؤيته للخوف صوتًا وصورة، وعززت دهشته لانتصاراته هنا وهناك، ذلك أن التدفق الكبير والمكثف للمعلومات الخاصة بما يحدث حاليًا، أي المتعلقة بفيروس كورونا المستجد، وبشكل كبير جعلت الإنسان في كل أنحاء العالم، يشعر وكأنه في حقل دائري محاصر، مركزه الفيروس، ولا سبيل للنجاة إلا إذا قُضي على المركز أو دُمِّر، إن هذا «الخوف» الذي يعيشه الإنسان المعولم حاليًا عرَّاه، وجرَّده ولو للوقت الراهن من طمأنينته، وجعله يرى تلك الصورة الوجودية الموحدة، تلك النزعة المقلقة التي تسكنه، رغم اختلاف لونه، مشاربه، عقائده، وطبقته، لم يعد لكل ذلك أي أهمية، إن الأولوية القصوى هنا بالدرجة الأولى هي النجاة، وقد يرى الجمال في بعد آخر  من خلال اكتشاف العقل الطبي الحديث للقاح، أو لمصل ينقذ البشرية من تهديد حقيقي لأمنها وسلامتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كوفيد -19
عرض التعليقات
تحميل المزيد